تناولنا في الفصل السابق تسلسل الحقب اللغوية في حقبة دلمون وهي حقب مازالت تعتبر نظريات قابلة للنقاش, وفي هذا الفصل سنناقش بداية دخول اللغة الآرامية لجزر البحرين وشرق الجزيرة العربية وهذه الحقبة أيضاً تعتبر من ضمن النظريات حيث إنه لا يوجد ما يثبت بصورة قاطعة أن اللغة الآرامية كانت اللغة الرسمية لهذه المنطقة ولكن هناك ما يثبت وجود تأثيرات, وإن اعتبرها البعض طفيفة, للغة الآرامية في الحقبة ما بين (539 ق.م – 300 ق. م) أو ما تعرف باسم الحقبة الأخمينية.
الأخمينيون واللغة الآرامية
سيطرت الإمبراطورية الأخمينية الفارسية على بابل وما بين النهرين بعد العام 537 ق. م. وفي قرابة هذا الوقت أيضاً تم ضم سورية كإقليم تابع للإمبراطورية الأخمينية, وفي وقت لاحق أعلن الملك الأخميني داريوس (521 ق. م. – 485 ق. م.) رسمياً تبنيه اللغة الآرامية كلغة رسمية لإمبراطوريته المترامية الأطراف والتي امتدت في عهده من نهر النيل إلى نهر السند, وكانت مقسمة إلى مقاطعات ترتبط جميعها بسلطة مركزية وقد كان من الضروري أن تكون لهذه الإمبراطورية لغة واحدة رسمية (قوزي وروكان 2006, ص 23 – 24).
وعندما سيطر الفرس الأخمينيون على بلاد وادي الرافدين امتدت سيطرتهم على جزر البحرين وبدت التأثيرات الأخمينية ظاهرة في اللقى الأثرية التي عثر عليها في المدينة الرابعة والتي تتزامن مع السيطرة الأخمينية على بلاد الرافدين. وقد أطلق على الطبقات الآثارية في قلعة البحرين والتي تعود للحقبة الأخمينية بالمدينة الرابعة ج (IVc) والمدينة الرابعة د (IVd). وقد ارتبطت هذه الحقبة ببداية التوسع السكاني في جزر البحرين ويربط البعض ذلك بهجرة أعداد من الكلدان للبحرين وشرق الجزيرة العربية بصورة عامة, وهناك عدة نظريات متضاربة حول الكلدان ولغتهم, فمنهم من ربطهم بالآرامية أو بلغة آرامية متأثرة بالعربية الشمالية أو العربية الجنوبية.
استيطان الكلدانيين بين الحقيقة والأسطورة
ظهر الكلدانيون لأول مرة في التاريخ في وصف حملة «آشور ناصربال» الثاني ضد «مالت كالدو» في الدولة البابلية والتي قام بشنها في العام 878 ق. م. ولا يوجد أثر مؤكد لتعقب الكلدانيين قبل استيطانهم جنوب الدولة البابلية في أوائل القرن التاسع قبل الميلاد, ولا يعرف حتى الأنساب العرقية واللغوية التي ينتمون إليها, ويوجد دليل ضعيف يرجح وجود صلة بينهم وبين العربية وربما كانوا أقرب للآراميين (بوتس 1983). وقد تم ربط الكلدانيين بشرق الجزيرة العربية وذلك من خلال رواية سترابو الذي يذكر فيها استيطان مدينة جرها Gerrha من قبل الكلدانيين الفارين من بابل نحو العام 694 ق. م. ويعتقد بعض الباحثين أن وجود الكلدان في شرق الجزيرة العربية استمر حتى حقبة ما بعد الميلاد حيث يذكر دانيال بوتس في بحثه المترجم المعنون «ثاج في ضوء الأبحاث الحديثة» عدد من الآراء لعدد من الباحثين الذين يربطون الكلدان بشرق الجزيرة العربية (بوتس 1983). أما البينة التي استدل بها أولئك الباحثون فتختلف من باحث لآخر فمنهم من يربط بين الكلدان والنقوش الحسائية (سنناقشها في الفصل القادم) ومنهم من يرى وجود نقوش كتبت باللغة الكلدانية وهي نقوش قريبة الشبه بنقوش اللهجات العربية الشمالية ويرى آخرون أن العثور على نقوش باللغة الآرامية في شرق الجزيرة العربية يدل على وجود الكلدانيين الذين يتحدثون الآرامية, غير أن بوتس لم يرجح أياً من تلك الآراء (بوتس 1983).
وأياً كانت الشعوب التي سكنت البحرين وشرق الجزيرة العربية في الحقبة الأخمينية, فقد تأثرت هذه الشعوب باللغة الآرامية التي كانت لغتها الرسمية في التعامل مع جيرانها.
ظهور اللغة العربية الشمالية
اندمجت القبائل العربية الشمالية أو العدنانية في الحضارة بصورة واضحة في الجزيرة العربية منذ نهاية القرن الثالث قبل الميلاد وذلك عندما بدأت عدة قبائل منهم بالاستقرار في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة العربية, وبما أن تلك القبائل لم تكون لنفسها بعد حروفاً تكتب بها فقد اقتبس قسم من تلك القبائل الحروف الآرامية وتحدثوا باللغة الآرامية أيضاً ولكن مع مزيج من الكلمات العربية, وقد عرفت هذه اللغة باللغة النبطية لأن تلك المجموعة تسمي نفسها بالنبط, وإن شكك البعض في عروبتهم فإن البحوث الحديثة تثبت أنهم من عرب الشمال (Woodard 2008, p. 2)). وقد تبنت مجموعة أخرى من تلك القبائل العربية حروف اللغة العربية الجنوبية, وبالتحديد خط المسند, إلا أنها تحدثت بلغة عبارة عن مزيج من اللغة العربية الشمالية واللغة الآرامية, وقد عرفت هذه اللغة باسم «الحسائية» والتي عثر على نقوش لها في شرق الجزيرة العربية.
وتعتبر تلك اللغات العربية باسم «العربية البائدة» لأنها ليست لغات كاملة وليست معروفة لأحد إلا عن طريق النقوش التي عثر عليها مبعثرة في الجزيرة العربية ومن تلك اللغات البائدة الثمودية والصفوية واللحيانية وقد أضيفت لها الحسائية مؤخراً (Macdonald 2008).
واستناداً لهذه النقوش؛ فإن لغة سكان شرق الجزيرة العربية كانت لغة عربية شمالية لكنها متأثرة باللغة العربية الجنوبية والآرامية وهذا التأثير لا يظهر فقط في النقوش اللغوية ولكن يظهر أيضاً في اللقى الأثرية.
التأثيرات العربية الجنوبية والآرامية
تم تحديد هويتين محليتين سائدتين في جزر البحرين وذلك في الفترة الهلنستية التي تبدأ من القرن الثالث قبل الميلاد, وذلك واضح من الفخار الذي عثر عليه في المواقع الأثرية التي تعود لتلك الحقبة, حيث تم العثور على ثلاثة أنواع من الفخار: الفخار الشائع المحلي والفخار العربي الانسيابي والفخار المصقول, وهي تعكس هوية شعب تلك الحقبة الذي يمتلك هويته الخاصة فصنع فخاره الخاص وله هوية أخرى مشتركة مع شعب شرق الجزيرة العربية وجزيرة فيلكا ومناطق أخرى في الجزيرة العربية والذي تمثل في فخار مشترك عرف بالفخار العربي والذي نافس الفخار المحلي فيما بين (300 ق. م. – 100 ق.م) (Salles and Lombard 1999), ويتزامن ظهور هذا الفخار بظهور النقوش الحسائية وكذلك مع ظهور هوية محلية موحدة لشرق الجزيرة العربية.
ظهور السلطة المحلية الموحدة
كانت البحرين وشرق الجزيرة العربية في بداية الحقبة الهلنستية واقعة تحت سيطرة الدولة السلوقية, إلا أن حكم هذه الأخيرة مر بفترات ضعف وأثناء هذه الفترات يعتقد أنه قامت سلطات محلية في شرق الجزيرة العربية والتي ضمت تايلوس (البحرين) لسلطتها. ويعتقد أن السلطات المحلية هذه قامت بإصدار عملاتها الخاصة التي حملت أسماء ملوكها واسم مملكتها التي عرفت باسم «مملكة هجر»؛ حيث تم العثور على عدد كبير من العملات في جزيرة البحرين وشرق الجزيرة العربية وسلطنة عمان والإمارات العربية وجميعها تقليد لعملة الإسكندر اليونانية التي كانت متداولة في الإمبراطورية السلوقية لكنها تحمل هوية محلية. وفي موقع قلعة البحرين عثر على كنز عبارة عن 292 قطعة من هذه العملات. وسنقوم هنا بعرض سريع لتلك العملات ويمكن الرجوع للتفاصيل عند دانيال بوتس (بوتس 2003: ج 2, ص 733 - 751) ويمكن الرجوع للخلاصة عند Kitchen 1994, p. 152 – 153.
1 – العملة الأولى ويعتقد ضربها العام 220 ق. م. ويظهر فيها راس هيرقليس لابس جلد أسد نيمي وعلى الظهر صورة امرأة جالسة. وقد استبدل اسم الإسكندر الذي يكتب على اليمين باللغة اليونانية بالاسم (أبياثا) الذي كتب بحروف عربية جنوبية. وقد نقش أيضاً أعلى القطعة الحرف (ألف) بالعربية الجنوبية.
2 – العملة الثانية ويعتقد ضربها العام 190 ق. م. وهي شبيهة تقريباً بالسابقة مع تغيرات طفيفة. وقد نقش عليها بحروف عربية جنوبية «حريثات ملك هجر». وقد استعيض بالنخلة عوضاً عن الحرف ألف.
3 – العملة الثالثة ويعتقد ضربها العام 160 ق. م. وهي شبيهة بالعملة السابقة مع وجود النخلة بدلاً من حرف الألف باللغة العربية الجنوبية. إلا أنه قد نقش عليها بحروف آرامية «أبوئيل بن تلبوش».
توجد هناك مجموعات أخرى من العملات الشبيهة والتي نقش عليها بحروف عربية جنوبية اسم الإله «شمس» والذي يكتب أحياناً مختصراً فيكتب فقط الحرف الشين بلغة عربية جنوبية. وتظهر هذه العمل بوضوح تأثيرات اللغة العربية الجنوبية واللغة الآرامية على لغة السكان المحليين.
العدد 3506 - الخميس 12 أبريل 2012م الموافق 21 جمادى الأولى 1433هـ