تناولنا في الفصل السابق عدداً من المصطلحات المتعلقة بثقافة البحر وبالتحديد صناعة السفن، وفي هذا الفصل سنواصل البحث في مصطلحات تتعلق بصناعة السفن أو الإبحار وكذلك مصطلحات تتعلق بصيد الأسماك.
القدُّوم أو الگدوم أو المِسحات هو من أهم أدوات القلافة، فهي الأداة التي يتم بها تقشير وتقطيع الخشب وهناك عدة أنواع منه. وفي اللهجة البحرانية يستخدم الاسم القدُّوم للإشارة إلى أداتين، إحداها هذه، أما الأخرى فهي المعْول المستخدم في الحفر والذي تسميه العامة أيضاً (الكزمة). والقدُّوم في اللغة من أدوات النجارة، جاء في معجم «تاج العروس» (مادة قدم): «(القَدُّومُ) كَصَبُورٍ (آلةٌ للنَّجْرِ) والنَّحْتِ (مُؤّنَّثَة). قال ابنُ السِّكِّيتِ: ولا تَقُل بالتَّشْدِيدِ».
وكلا اللفظتين قدُّوم وكزمة يمكن إرجاعها لأصول أكدية وآرامية؛ لكنها وردت في هذه اللغات بما يدل على أدوات زراعية أو عمليات قطع عموماً؛ كقطع الأشجار أو غيرها، إلا أن هذه الألفاظ تعرضت لتطور دلالي أدّى إلى ارتباطها بآلات أخرى، أو أنها تخص هذه الآلات، لكنها لم تذكر في المصادر والنقوشات القديمة، وسنأتي على تفصيل ذلك عند الحديث عن مسميات الأدوات الزراعية في فصل لاحق.
في اللهجة البحرانية يشتق من الفعل «طبع» عدة مصطلحات منها ما هو متعلق بالسفينة، فيقال طبعت السفينة؛ أي غرقت، ومنها ما يستعمل في الزراعة فيقال طبع الأرض أي غمرها بالماء. ويبدو أن هذا الفعل مرتبط باللهجات الحضرية فقط ففي لهجة العرب ولهجة الخليج عموماً (باستثناء من يعمل في البحر منهم) يستعمل الفعل غرق (يلفظ غرج وقرج) بدلاً من الفعل طبع، حتى في مصطلح «سنَة الطبْعَة» يقولون فيه «سنة الغرجة» أو «سنة القرجة»، ومن غير الشائع في لهجة الخليج مصطلح طبع الأرض بمعنى غمرها فهو خاص باللهجة البحرانية (Holes 2001، p. 317). أما في المعاجم العربية فيأتي الفعل «طبع» بمعنى ملأ وغمر بالماء ولكن لم يأتِ بمعنى غرق. جاء في معجم «تاج العروس» مادة «طبع»: «طَبَعَ الدَّلْوَ وكذا الإناءَ والسِّقاءَ يَطْبَعُها طَبعاً: ملأَها، كطبَّعَها تَطبيعاً، فتَطَبَّعَ... الطِّبْعُ، بالكَسرِ: مَغيضُ الماءِ، جَمعُه أَطْباعٌ، وأَنشدَ:
فلَمْ تَثْنِهِ الأَطباعُ دُونِي ولا الجُدُرْ
وعلى هذا هو معَ قولِ الأَصمعيِّ الآتي: «إنَّ الطِّبْعَ هو النَّهْر: ضِدٌّ، أَغفلَه المُصَنِّفُ، ونَبَّه عليه صاحِبُ اللِّسان. الطِّبْعُ: مِلءُ الكَيْلِ والسِّقاءِ حتّى لا مَزيدَ فيهما من شِدَّةِ مَلْئِها». وقال الرَّاغِب: «وقيل: طبعْتُ المِكيالَ، إذا مَلأْتَه، وذلكَ لِكَونِ المَلءِ العلامة منها المانِعَة من تناوُل بعض ما فيه. الطَّبْعُ: نَهْرٌ بعينِهِ، قال الأَصمعِيُّ: الطَّبْعُ: النَّهْرُ مُطلَقاً... قال لَبيدٌ:
فَتَوَلَّوا فاتِراً مَشْيُهُمُ
كرَوايا الطِّبْعِ هَمَّتْ بالوَحَلْ
والطِّبْعُ في بيتِ لَبيدٍ: النَّهْر، وهو ما قاله الأَصْمَعِيّ، وسُمِّي النهرُ طِبْعاً لأنّ الناسَ ابْتَدَؤوا حَفْرَه، وهو بمعنى المَفعول، كالقِطْفِ بمعنى المَقْطوف، وأمّا الأنهار التي شَقَّها الله تَعالى في الأرضِ شَقّاً، مثل دِجْلَةَ والفُراتِ والنيلِ وما أَشْبَهها، فإنّها لا تُسمّى طُبوعاً، وإنّما الطُّبوع: الأنهارُ التي أَحْدَثَها بَنو آدَم، واحْتَفَروها لمَرافِقِهم».
وقد ورد الفعل طِبو tebû (ويكتب أحياناً طَبعُ taba,û) في الأكدية بمعنى غرقت السفينة وكذلك بمعنى غمر الأرض أو الحقل بالماء (CAD 2006، v. 19، pp. 68 - 69) وعليه يكون هذا الفعل موازياً للفعل طبع في اللهجة البحرانية وهو موازٍ للفعل طبع في الآرامية أيضاً (Holes 2006).
من طرق صيد الأسماك في الخليج هو الحضْرة التي سبق أن ناقشناها بالتفصيل في سلسلة «ثقافة البحر»، وقد سبق أن أوضحنا أنه في السابق كان هناك نظام معيّن لطريقة استملاك الحظور وهو نظام يشبه لحد ما استملاك الأراضي الزراعية. وتعرف المناطق التي تقام عليها الحظور بالسطوات ومفردها سطوة، وقد تكون الرقعة التي ستقام عليها الحظرة ملكاً لشخص ورثها أو اشتراها أو قد تكون وقفاً وقد ناقشنا تفاصيل ذلك سابقاً وما يهمنا هنا هو الشخص المسئول عن متابعة الحظرة وهو البوار.
البوار وجمع السمك من الحظرة
البوار هو الشخص الذي يتابع الحظرة ويجمع السمك منها أثناء انحسار الماء ويقال فلان يباري الحظرة ومنها الاسم «إمباراة»، ويسمى ما يصيده البوار من الحظرة (باره)، وقد يكون البوار هو صاحب الحظرة أو مستأجراً للحظرة أو متضمناً أو عاملاً فيها بالأجرة. وتتم عملية «لمباراة» في فترة الجزر، وقد يباري الصياد الحظرة مرتين في اليوم بحسب مواعيد الجزر وبحسب الموسم.
ولم ترد لفظة بوار في معاجم اللغة بهذا المعنى ولكن في اللغة الأكدية يوجد الفعل بَرو barû بمعنى يفحص أو يراقب أو يشرف على أو يجمع (CAD 1998، v. 2، p. 115)؛ أي بنفس المعنى المستخدم في اللهجة البحرانية.
عملية «لمباراة»، أو عملية صيد الأسماك عموماً، تحتاج إلى توقيت زمني دقيق سواء لتقسيم اليوم الواحد أو تقسيم العام إلى مواسم. وقد تطورت طرق حساب الزمن في اليوم الواحد، ومن خلال البحث في الذاكرة الشعبية لا نمتلك سوى بعض الترسّبات التي تعكس وجود نظام قديم في تحديد الأوقات ذلك النظام الذي اختزل مؤخراً في ما عرف بالتوقيت العربي؛ إذ يبدأ اليوم من لحظة غروب الشمس، وهو بذلك يشبه بداية اليوم عند البابليين في حضارة الرافدين، وفي التوقيت العربي تعتبر لحظة الغروب هي الساعة الثانية عشرة، وتسمى لحظة الغروب في اللهجة البحرانية «سلوم الشمس» ويقال أسلمت الشمس؛ أي غربت، وهو مصطلح ضارب في القدم فهو مصطلح أكدي بمعنى غروب الشمس، ففي اللغة الأكدية شُلُم شَمشِ ?ulum ?am?i؛ أي غروب الشمس (CAD 2004, v. 17، part 1، p. 336).
يقوم البوار ببيع سمكه بالجملة، دون وزن، على تاجر الأسماك الذي يعرف بالجزاف، وهو الذي يشتري الأسماك بالجملة، وفي بعض الحالات يقوم الجزاف بتمويل البوار في صنع الحظرة بنسبة ربح معينة يتفق عليها وهو بذلك يلعب دوراً شبيهاً بدور الطواش، تاجر اللؤلؤ، الذي يقدم سلفاً للنوخذة شريطة أن يشتري جميع ما يجلبه من لؤلؤ بسعر أقل من السوق. وهنا يجب أن يلتزم البوار بتوصيل كل كمية الأسماك التي اصطادها إلى الجزاف ولكن بعد أن يخصم منها بعضاً من الأسماك ذات الأسعار المتدنية وذلك له ولأسرته. وتستمر العملية على هذا المنوال حتى يتم تسديد كل الديون وحينها يقال عن البوار إنه «استفضل»؛ أي أصبح بمقدوره الاحتفاظ بكل كمية الصيد لنفسه ومع ذلك غالباً ما يبيع البوار أسماكه للجزاف بأرخص الأسعار حتى يحافظ على علاقات تجارية طيبة معه.
وكلمة «جزاف» وردت في المعاجم العربية ولكن لم يُعتَرف بعربيتها، جاء في «لسان العرب» (مادة جزف): «الجِزاف والجُزافةُ والجِزافةُ: بيعك الشيء واشْتِراؤه بلا وزن ولا كيل وهو يرجع إلى المُساهلةِ، وهو دخيل، تقول: بِعْتُه بالجُزافِ والجُزافةِ والقياس جِزافٌ؛ وقولُ صخْر الغَيّ:
فأقْبَلَ منه طِوالُ الذُّرى
كأَنَّ عليهنَّ بَيْعاً جَزِيفا
أَراد طعاماً بِيعَ جِزافاً بغير كَيْل، يَصِفُ سَحاباً. أَبوعمرو: اجْتَزَفْتُ الشيءَ اجْتِزافاً إذا شَرَيْتَه جِزافاً، واللّه أَعلم».
والمرجّح أن اصل اللفظ سرياني من جزف بمعنى التخمين أو عدم التقدير، وهناك من رده لأصل فارسي (مار أغناطيوس برصوم 1950، م 25 ج 3 ص 369).
العدد 3526 - الأربعاء 02 مايو 2012م الموافق 11 جمادى الآخرة 1433هـ