يمكن للمرء أن يستعير الكتب أو أن يهدي كتبه للآخرين من خلال وضعها في خزانات الكتب الصغيرة الموجودة في حدائق مدينة بون العامة. الفكرة تقول: «ضع كتابك الذي قرأته ليقرأه الآخرون وخذ غيره»، والهدف هو تشجيع القراءة.
تعود فكرة اقتراح «خزانات الكتب العامة» إلى جمعية مواطني بون، التي أقرت قبل عشر سنوات افتتاح أول خزانة كتب عامة في حديقة «بوبلس دورفر آلِّيه»، وذلك لتشجيع القراءة وتفعيل الحياة الثقافية في مدينة بون. والهدف من الفكرة يكمن في إتاحة الكتب لكل الناس وتمكينهم من استعارتها أو حتى امتلاكها مجاناً إذا أرادوا. وحتى في الليل ليس من الغريب أن ترى بعض الأشخاص يقفون أمام هذه الخزانات للاطلاع على آخر محتوياتها، فيصادف أن يجدوا فيها كتباً متنوعة وقيمة، كالروايات والشعر وقصص الأطفال والمسرحيات، إضافة إلى كتب التاريخ والفلسفة وعلم النفس والطب. حتى أن بعض الخزانات لا تخلو في بعض الأحيان من قواميس اللغة الألمانية مثل قاموس «دودن» الشهير.
وتهدف المبادرة إلى دعوة كل مواطني مدينة بون لوضع الكتب التي لم يعودوا بحاجة إليها بعد قراءتها، في هذه الخزانات العامة. عن ذلك يقول المتقاعد أوغوست ميشيل: «يعتبر كل كتاب موضع ترحيب، فلكل كتاب قرّاءه، بالتالي فإنها مسألة أخذ وعطاء»، أي تأخذ الكتاب الذي يجذب اهتمامك وتضع مكانه كتابك الذي قرأته، ولم تعد بحاجة إليه.
ويضيف أوغوست ميشيل بالقول: «أتردد على هذه الخزانة العامة الموجودة في بوبلس دورف آليه منذ أكثر من خمس سنوات، ولدي الآن مجموعة كتب قيمة وجدتها هناك». ورداً على سؤال ما إذا كان هو أيضاً يضع كتباً من مكتبته الخاصة في هذه الخزانة، يجيب قائلاً: «بالطبع، كل كتاب أملكه ولم أعد بحاجة إليه أضعه هناك ليستفيد منه الآخرون، تماماً كما يفعل غيري».
كل بداية صعبة
في البداية، وبحسب ما يقول الأستاذ الجامعي السابق غيرهارد مارتين، كان الإقبال على تلك الخزانات ضعيفاً ولم تلق الفكرة حماساً، وخاصة من قبل المتبرعين بالكتاب. «كما أنها كانت عرضة للتخريب من قبل أعداء الكتاب.. ولكن لحسن الحظ أصبحت الآن جزءاً من ثقافة مدينة بون، وكل مواطن معني بحمايتها وترتيبها والحفاظ عليها».
ويؤكد لنا مارتين بقوله: «مع مرور الوقت أخذت فكرة خزانات الكتب العامة سمعة طيبة، وبدأ الكثيرون في التردد عليها سواء لوضع الكتب فيها أو للاستعارة منها دون أي قيود أو شروط. فمثلاً لهم الحرية الكاملة في التعامل مع الكتب الموضوعة فيها، ويمكنهم الاحتفاظ بها أو إرجاعها عند الانتهاء من قراءتها». وتقول ألريكه هاينه التي تتردد أسبوعياً على خزانة بوبلس دورف آليه: «هنا في بون كل شخص يعتبر معنياً بترتيب ورعاية خزانات الكتب والحفاظ عليها، فكل شخص هو مالكها، لذلك لا تحتاج إلى موظفين للإشراف عليها». وتضيف قائلة: «تقوم الفكرة بمجملها على الثقة الكاملة في التعامل مع الكتب».
إلى جانب المتقاعدين والموظفين والعاطلين عن العمل أصبحت هذه الخزانات العامة وجهة لطلاب الجامعات ولتلاميذ المدارس أيضاً؛ إذ يجدون فيها فرصة لقراءة الكتب المتنوعة متى شاؤوا، أو اقتنائها مجاناً، دون كلفة مادية ترهق كاهلهم. وفي حديث مع أحد طلاب جامعة بون، والذي يتردد على الخزانة منذ بداية دراسته في جامعة بون العام 2009، يقول: «على رغم وجود أغلب الكتب في مكتبة الجامعة، لكن أراني أتجه إلى خزانات الكتب العامة بمتعة، للحصول على الكتب وحيازتها لمدة طويلة وحتى امتلاكها دون أدنى شروط مسبقة تفرض علي. وآخر كتاب احتفظت به كان كتاب حول تاريخ الأدب الألماني، واليوم وجدت كتاباً في النقد الأدبي».
نماذج مختلفة في أماكن عديدة
هناك نماذج مختلفة من هذه الخزانات تجعلها بالإضافة إلى وظيفتها كحافظة للكتب، نصباً معمارية بديكورات جميلة جداً. والفكرة التي وجدت ترحيباً كبيراً عند سكان المدينة تتطور يوماً بعد آخر، لذلك نجد في مدينة بون أربعة أحياء وضعت فيها خزانات الكتب العامة، فإلى جانب حي بوبلس دورف وبون بويل وضعت واحدة أخرى حديثاً في حي إندينيش. وفي وسط المدينة هناك كابينة تلفون كانت قد قدمت هدية من أكسفورد لتتحول إلى كابينة عامة للكتب.
العدد 3531 - الإثنين 07 مايو 2012م الموافق 16 جمادى الآخرة 1433هـ