تشمل عملية إعداد الأرض وتقسيمها عدداً من العمليات الفرعية المختلفة، ولكل عملية عدد من المصطلحات التي ربما تتباين من منطقة إلى أخرى ضمن مملكة البحرين، وهذا التباين ناتج عن تطور تلك المصطلحات؛ إذ تكتفي جماعة بمصطلح واحد تعمّمه على عدد من العمليات؛بينما تعمّم جماعة أخرى مصطلحاً آخر، وقد انقرض عدد من تلك المصطلحات التي لم تعد تستخدم عند العامة أو في الأدبيات التي تنشر عن الزراعة. وقد وثّق Holes عدداً من تلك المصطلحات مع تحديد المناطق التي يشيع فيها كل مصطلح وذلك في المجلد الثاني من كتابه Dialect، Culture and Society in Eastern Arabia (Holes 2005، pp. 47 - 75)، كذلك يمكن الرجوع إلى تعريفات تلك المصطلحات في المجلد الأول من الكتاب ذاته والذي صدر العام 2001م والذي خصّص لتعريف المصطلحات التي جمعها المؤلف من البحرين وشرق الجزيرة العربية وعُمان، وبما أن تلك المصطلحات كتبت في تلك الكتب بحروف غير الحروف العربية فقد تأكدت من النطق الصحيح لتلك المصطلحات من أهل المهنة في البحرين.
التقارض من الأكدية والآرامية
بعد عملية البحث عن المفردات التي تستخدم لوصف العمليات الزراعية وأسماء الأقسام المختلفة للأرض الزراعية يلاحظ أن غالبية تلك المفردات لم ترد في المعاجم اللغوية العربية كـ «لسان العرب» و«تاج العروس» بالمعنى نفسه المستخدم عند العامة؛ إلا أنه توجد ألفاظ في المعاجم الأكدية تتشابها معها لفظاً ومعنى بدرجات متفاوته، وقد يكون هذا التشابه من قبيل الصدفة في بعض الألفاظ (وعليه لم أذكرها هنا)، ولكن بالنسبة إلى ألفاظ أخرى هناك احتمال أنها من أصل أكدي فلا يمكن إرجاع تلك الدرجة العالية من التشابه إلى مجرد صدفة، وقد أرجع Holes أصول عدد من تلك الكلمات إلى أصول أكدية وآرامية (Holes 2006).
عمليات إعداد الأرض
تبدأ عملية إعداد الأرض بإزالة الحشائش ومخلّفات المحصول السابق وجمعها خارج المزرعة للتخلص منها أو حرقها، وبعد ذلك تبدأ عمليات مختلفة تشمل عملية تسوية الأرض وحراثتها وتنعيمها، وتستخدم العامة في البحرين عدداً من المصطلحات لوصف تلك العمليات، منها عملية الخف وهي عملية تكسير الكتل الترابية الكبيرة ويشار إليها في الأدبيات الحديثة باسم عملية تنعيم الأرض، ويرجّح Holes أن أصل اللفظ من الأكدية خِ?و epû والتي تحمل المعنى نفسه (Holes 2006). ومن عمليات إعداد الأرض عملية الحرش وهي إزالة الطبقة العلوية من التربة بالرفش أو المجرفة بعد تسويتها ورصِّها، وقد استعيرت هذه اللفظة أيضاً لعملية إزالة الشارع لكي يتم رصف طبقة جديدة حتى أن الآلة التي تقوم بذلك تسمى (مكينة الحرش). ويرجّح Holes أن هذه اللفظة من الأكدية يريشو والآرامية حرش بمعنى حرث الأرض أو أعد الأرض للزراعة (Holes 2006). ومن العمليات أيضاً عمليتي البرش والتوچيش (التوقيش) وهي عملية تفتيت الكتل الترابية باستخدام المحش، ويرجّح Holes أن لفظة برش من اللفظة الآرامية بلش بمعنى تفتيت الكتل الترابية (Holes 2006). وهناك أيضاً عملية طبع الأرض؛ أي غمرها بالماء، وهي عملية قد تستخدم أحياناً لتقليل ملوحة التربة وقد سبق الحديث عن هذه العملية وأصل اللفظة في الفصل السابق.
عملية تقسيم الأرض
بعد أن يتم إعداد الأرض للزراعة تبدأ عملية تخطيط الأرض لعدة أقسام تسمى سابات مفردها سابه وكل سابه تشمل عدداً من الأحواض (أما شروب أو مشاعيب) التي تتوزع داخل السابه بشكل أزواج متقابلة، ويتراوح عددها من أربعة إلى ستة أزواج متقابلة. بالإضافة إلى السابات يتم إعداد حوض كبير يسمى الخافور، وتوصل جميع تلك الأقسام بشبكة من خطوط الري (السواقي أو السيبان). وفي السابه الواحدة توجد فواصل بيت كل شرب أو مشعاب وآخر ليمنع الدوس على النباتات، وتسمى هذه الفواصل چواري (مفردها چاري)، وأحياناً تسمى دوسات (مفردها دوسة) أو جسور (مفردها جسر).
الشرْب
هو حوض كبير مستطيل الشكل يبلغ عرضه ما بين مترين إلى ثلاثة أمتار، أما الطول فقد يصل إلى ستة أمتار. ومن الخضروات الورقية التي تزرع مباشرة في الشرب بالبذور: الفجل (الرويد) والكراث (البقل) والتابل والبقدونس والسبنت والسبانخ والسلق والجرجير والملوخية والريحان (المفكرة الزراعية 1997، ص 24). وقد وردت لفظة شرب في كتب اللغة إلا انه جاء بمعنى الحوض الذي يحفر حول النخلة فقط، فقد جاء في معجم «تاج العروس» (مادة شرب): «الشَّرَبَةُ مِثْلُ (الحُوَيْضِ) يُحْفَر (حَوْلَ النَّخْلَة) والشَّجَرة يُمْلَأُ مَاءً (يَسَعُ رِيَّها) فتَترَوَّى منه. والجَمع شَرَبٌ وشَرَبَاتٌ».
والكلمة معروفة منذ حقبة قبل الإسلام فقد ذكرها الشاعر زهير بن أبي سلمى (توفي العام 609م) في إحدى قصائده الذي وصف فيها السانية (أي الزاجرة) ووصف الساقي وهو يصب الماء في الشرب، فقال:
يُحيلُ في جَدوَلٍ تَحبو ضَفادِعُهُ
حَبوَ الجَواري تَرى في مائِهِ نُطُقا
يَخْرُجْنَ مِنْ شَرَبَاتٍ مَاؤُهَا طَحِلٌ
عَلَى الجُذُوعِ يَخُفْنَ الغَمَّ والغَرَقَا
المشعاب
المشعاب عبارة عن أحواض طويلة وضيقة؛ أي غير واسعة (عرضها قرابة 30 سم أو أكثر) ويطلق عليها في الأدبيات الزراعية حالياً اسم «خطوط» (المفكرة الزراعية 1997، ص 24). وتستخدم المشاعيب لزراعة عدد من الأشجار كالنخيل وعدد من الخضار، وهناك خضار يتم زراعتها بالبذور مباشرة في المشاعيب مثل البطيخ والشمام والطروح والقرع والبوبر والخيار والبامية، ويراعى أن تغطى المشاعيب التي تزرع بالبذور مباشرة بالسعف لحمايتها من الطيور (المفكرة الزراعية 1997، ص 24 وزراعة النخيل 2004، ص 53).
الخافور أو المشتل
في الأدبيات الزراعية (مثل المفكرة الزراعية) استبدل اسم الخافور باسم المشتل، والخافور أو المشتل هو حوض كبير يعد خصوصاً لزراعة بذور نباتات معينه فهو المهد الذي تزرع فيه البذور التي تتحمل النقل بعد الإنبات. وتنمو البذور في الخافور حتى تتحول إلى باذرة صغيرة تسمى عند أهل الحرفة في البحرين باسم نچيلة (نقيلة) واشتق اسمها من النقل؛ إذ يتم نقلها إلى حوض آخر من الأرض إما الشرب أو المشعاب. وفي الأدبيات الحديثة استبدلت لفظة نچيلة باسم مستورد هو «الشتلة» وجمعها شتلات وقد شاعت هذه التسمية بين العامة.
ومن الأمور التي يجب مراعاتها في الخافور أن يوفر إنبات أعلى نسبة من البذور بدون تلف أو خسارة ثم الحصول من تلك البذور على شتلات ذات جودة عالية وسليمة وخالية من الإصابة بأي نوع من الأمراض، وكلما توافرت لدى المزارع الإمكانات وجب عليه استخدام أفضل التقنيات لإنتاج أفضل الشتلات؛ إذ إن وفرة الإنتاج فيما بعد تتوقف، إلى حد كبير، على قوة وحيوية الشتلة ولذلك يتم إعداد الخافور بصورة تختلف عن الأحواض الأخرى، ومن الخضروات التي تزرع في الخافور ثم يتم تنقيلها: الملفوف والقرنبيط والطماطم والفلفل والباذنجان والخس (المفكرة الزراعية 1997، ص 24).
عملية التسني
تسمّى عملية نقل الشتلات أو النچايل من الخافور إلى الشرب أو الشعم بعملية التسني، ومنها عرفت نچيلة باسم سِنّاية. والسنو والسناية في اللغة العربية هي عملية سقاية الأرض، وتسمى البئر التي يسقى منها عن طريق الدلو باسم السناية، والسناية كذلك هي ما تسميها العامة الآن «الزاجرة».
العدد 3534 - الخميس 10 مايو 2012م الموافق 19 جمادى الآخرة 1433هـ