العدد 3537 - الأحد 13 مايو 2012م الموافق 22 جمادى الآخرة 1433هـ

المعجم الزراعي البحراني: مصادر مياه الريّ

تسمّى عملية تزويد النبات بالماء أو عملية الريّ عند أهل العامة في البحرين بعملية لتسِگي (أي السقاية)، والذي يقوم بالعملية يسمى لمسِگي، ومن الكلمات التي لم تعد تستخدم وتدل على سقاية النباتات هي «التزييم» ومنها الفعل «زيم»، ويبدو أن هذا المصطلح كان مرتبطاً بعملية السقاية قديماً؛ إذ كان يخصص وقت معلوم لكل أرض تسقى فيها وهو نظام «الوضح»، وقد اشتق الاسم من «زام» وتعني نوبة عمل ومنها نظام «الزامات» أي نوبات العمل (Holes 2005، p.58). وأصل لفظة زام تحريف زمن، وتأتي زام أيضاً بمعنى عصر أو عهد، وأيام زامي تعني أيام عهدي، ومنها المثل الحضرمي «أيام زامي ما حد قدم قدامي».

كانت هناك عدّة مصادر لمياه الريّ، أهمها العيون الطبيعية، وبالإضافة لها كانت هناك آبار ارتوازية تحفر وتستخدم لعملية الريّ، وفي لهجة الخليج العربي عموماً يستخدم الاسم العام «جليب» ليدل على الآبار المحفورة. بينما في اللهجة البحرانية هناك ثلاثة أنواع رئيسية من هذه الآبار وهي: المغرس والجفر أو البير والجدحة. فأما المغرس فهو عبارة عن بئر غير عميقة وليس لها سور يحيط بها، والمغرس أيضاً من طرق زراعة النخيل؛ إذ تحفر حفرة حتى يخرج الماء (فتعرف حينها بالمغرس) وبعدها تزرع به الفسيلة. وتعرف قطعة الأرض التي زرعت فيها النخيل بهذه الطريقة باسم «المغارس».

وأما الجفر أو البير وتلفظ «أجفر»، وهي بئر عميقة لها سور يحيط بها، وهو ما يعرف في لهجة الخليج العربي باسم «الجليب». وأما الآبار العميقة التي يتم حفرها بالآلات الحديثة فتعرف باسم «الجدحة» وهذه تسمية حديثة بعض الشيء، فالجدحة هي البئر التي يتم حفرها بآلة الحفر الحديثة ويوضع عليها مضخة تعمل بالديزل لتستخرج الماء وتضخه في حوض خاص يجمع فيه الماء يسمى «البركة». وتعرف المضخة عند العامة باسم «جداحة» أو «جدابة» وقد اشتق الاسم الأخير من لفظة «الجذب» بمعنى الشفط أي شفط الماء من باطن الأرض. أما اسم الجداحة فقد اشتق من الجدح وهو مصطلح عامي يعني الثقب ومنه اسم الآلة «المجداح» وهو عبارة عن مثقاب بدائي يتكون من قطعة خشبية مدبّبة الرأس يتم تدويرها من قبل قوس به وتر. وأصل المصطلح مشتق من عملية الدوران أثناء الحفر، فالجدح هي عملية خوض الماء أو اللبن بأداة عرفت بالمجدح تحرك بصورة دائرية (لسان العرب: مادة جدح)، ومنه عمّمت اللفظة لتشمل كل عود يتم تدويره سواء لتحريك اللبن أو الماء أو لثقب شيء ما؛ وبذلك اكتسبت اللفظة معنى جديداً وهو عملية الثقب ومنه سمّيت آلة الثقب بالمجداح أو المجدح، وعرف الثقب الذي تحدثه الآلة في الأرض باسم الجدحة وعرفت آلة شفط الماء من الثقب بالجدّاحة.

الساقية والساب والجدول

الساقية والساب والجدول عبارة عن تسميات عامة يطلقها العامة في البحرين على القناة التي تحفر في الأرض والتي تخرج من مصدر الماء وتسير باتجاه الزرع لتسقيه. والساقية هو الاسم العام الذي كان مستخدم سابقاً، وهو الاسم العربي الذي ورد في كتب اللغة، جاء في معجم «تاج العروس» (مادة سقي): «السَّاقِيَةُ: النَّهْرُ الصَّغيرُ مِن سَواقِي الزَّرْعِ». والتسمية وردت برسم شبيه في الآرامية والأكدية أي «شاقية». أما الساب والجمع سيبان فهو اسم عام يقصد به أي قناة تشق في الأرض ويجري فيها الماء، وقد تخصص اللفظة فتعني الساقية الرئيسية التي تخرج من مصدر الماء، وأصل اللفظة من العربية «السِّيب». جاء في معجم «تاج العروس» (مادة ساب): «السِّيبُ بالكَسْرِ: مَجْرَى الماءِ، جَمْعه سُيُوبٌ».

وكذلك الاسم جدول والجمع جداول يعتبر اسماً عاماً يقصد به القنوات التي تحفر ويجري بها الماء، وهي الآن مساوية لكلمة السيبان، وقد تخصص اللفظة فتعني القنوات الفرعية أي غير القناة الرئيسية، واللفظة عربية. جاء في معجم «تاج العروس» (مادة جدل): «الجَدْوَلُ، كجَعْفَرٍ وخِروَعٍ : النَّهْرُ الصَّغِيرُ والجَمْعُ: الجَداوِلُ».

المنجى والبِت

المنجى والجمع المنجيات وهو مجرى مائي يحمل الماء الزائد من الأرض الزراعية ويتجه إلى البحر، و قد سمي بالمنجى لأنه ينجي الأرض من الغرق. والبعض يطلق عليه مسمى «ساب» من باب التعميم. أما البِت فهي منجى فرعي أوثانوي، والجمع بِتّات وبِتيت، وبت عند العامة تعني بنت ولكن من غير المرجّح أن تكون اللفظة هنا بمعنى بنت أي متفرعة من المنجى الأم، فجمع بت بمعنى بنت بنات وليس بِتّات، والمرجذح هنا أن اللفظة من أصل أكدي ففي اللغة الأكدية پَتُ (والجمع پَتّاتُ) pattu (pl. pattatu) تعني قناة أو قناة فرعية (CAD 2005، v. 12، p. 284).

ألفاظ انقرضت أو تغيرت دلالتها

هناك عدد من الألفاظ التي تستخدم في مناطق مختلفة من الخليج العربي. هذه الألفاظ غير مستخدمة في البحرين بالمعنى نفسه، ولكن هناك دلائل تشير إلى أن اللفظة كانت معروفة في البحرين ثم أهملت أو تغيرت دلالتها أو استعيض عنها بلفظة أخرى بسبب عمليات التطور اللغوي المختلفة، وهذه الألفاظ هي السجر والغيل والفلج.

السجر وأم السجور

السجر وجمعها سجور وهي تعني اصطلاحاً «السواقي المتفرعة من قناة العين الرئيسية وهي أصغر منها»، وهي لفظة واردة في كتب اللغة، جاء في معجم «تاج العروس» (مادة سجر): «الأَسْجَرُ: الغَدِيرُ الحُرُّ الطِّينِ ... وتَسْجِيرُ المَاءِ : تَفْجِيرُه حَيثُ يريد».

وهذه التسمية انقرضت من اللهجة البحرانية لكنها بقيت في اسم «عين أم السجور» وقد سميت بذلك لكثرة السجور؛ أي القنوات الفرعية التي تخرج منها، وهذا ما وصفت به هذه العين في الروايات الشفاهية.

الغيلة والتجصيص

عملية التجصيص هي عملية تبطين أرضية الساقية وجوانبها بالأسمنت وكان يستخدم سابقاً الجص ومنها التسمية التجصيص. وتسمى حينها قاعدة الساقية وجوانبها باسم الجصة. وتسمى عملية التبطين هذه باسم التغييل. وفي الإمارات وعُمان يسمى الحوض المبطن الذي تصب فيه الزاجرة باسم المغيل. والغيل اصطلاحاً كما هو مستخدم في جنوب الجزيرة العربية كاليمن هو «مجرى العيون والينابيع الجوفية الجارية على السطح» (المشوح 2009، ص 52). والغيل واردة في اللغة بالمعنى نفسه. جاء في «تاج العروس» (مادة غيل): «الغَيْلُ أيضاً: الماءُ الجاري على وَجْهِ الأرضِ ... الغَيْلُ: ما جرى من المياهِ في الأنهارِ والسَّواقي».

وعملية التغييل عند العامة في البحرين هي عملية مزج الجص أو خليط الرمل والأسمنت بالماء وتتم عن طريق تحضير الغيلة وهي حوض مائي يصنع من خليط من الرمل والأسمنت ثم يصب الماء في وسطه، والغرض من ذلك أن يتشرب خليط الرمل والأسمنت بالماء ومن بعد ذلك يتم مزجها بالماء. ويبدو أن أصل اللفظ غيلة بمعنى حوض ماء أو قناة مائية ثم حدث تعميم للفظة.

الفلج والثقب

الفلج وجمعها أفلاج مصطلح شامل لنظام ري قديم متبع في الكثير من الأماكن في العالم، ويكثر في منطقة الجزيرة العربية، وعُمان والإمارات خصوصاً، ويعتبر الفلج من الأنظمة الفريدة للحصول على المياه من باطن الأرض عبر آبار عديدة يربط بينها قنوات أرضية تصل في آخرها إلى سطح الأرض. هذه الطريقة في توزيع الماء عرفت في البحرين باسم «لفگب» أي الثقب وذلك إشارة للحفر أو الثقوب المتجاورة التي تظهر على سطح الأرض كالمداخن خارجة من تلك القنوات التحت أرضية وهذا يعني أن العامة في البحرين عممت مسمى «الثقب» على هذا النوع من أنظمة الري. بينما في مناطق أخرى في الخليج وبالتحديد في سلطنة عمان مثلاً عرف هذا النظام باسم الأفلاج ومفردها «فلج». ولفظة فلج وردت في المعاجم العربية. جاء في معجم «تاج العروس» (مادة فلج): «الفَلْجُ: شَقُّ الأَرْضِ للزِّراعَة، يقال؛ فَلَجْت الأَرْضَ للزِّراعَة، وكلُّ شَيْءٍ شَقَقْتَه فقد فَلَجْتَه».

واللفظة وردت أيضاً في اللغة الأكدية برسم پَلگُ palgu وهي تعني قناة ري (CAD 2005،v. 12، p. 62).

العدد 3537 - الأحد 13 مايو 2012م الموافق 22 جمادى الآخرة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 2:14 ص

      شعب أصيل وهوية تعددية

      بورك فيك أستاذ حسين، ووفقك الله للمزيد من الدراسات التاريخية عن ماضي البحرين وتراثها ومعجمها اللغوي الأصيل الذي يعبر عن حضارة شعب تمازجت فيه أطياف المدنية والبداوة وكان مصهراً لثقافات متعددة، ولم يكن شعب البحرين يوماً شعباً منغلقاً أو ذا هوية متحجرة.

اقرأ ايضاً