العدد 3537 - الأحد 13 مايو 2012م الموافق 22 جمادى الآخرة 1433هـ

مسار الرّشدية وقصديات العقل العربي (2 – 2)

الرباط - عبدالحفيظ بن جلولي 

13 مايو 2012

إن رحاب الرّشدية المفقودة، تفتح المجال واسعاً أمام تجاور تواصلي واستعادة أدوار نقاشية لعقل تماهى في الجزم الانتحاري من حيث تفشي الإقصاء، ولعلي أؤكد فكرة أنّ حوار الخاصة لا يمكن أن يؤدّي بأيّة حال من الأحوال إلى التصادم والإقصاء، لأنّ خطاب العقل بثرائه الرّؤيوي وتداعياته المقولاتية يمنع مثل ذلك من الحصول، فبالبداهة أن الفكرة تجر غيرها، لهذا أجد أن فكرة الحصار الذي تعرّض له ابن رشد لا تعود كما يشاع إلى رؤية الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة»، فلو كان الحال كذلك لما جاراه ابن رشد في «تهافت التهافت»، لكن إشكالية العقل الإسلامي تنبع من التحريض الذي يقع على المثقف الذي يُنظر إليه بريبة، لأنّه قد يشكل في بعض المخيال الإسلامي مناقضة لسلطة الفقيه، الذي يحوز المقام كله والحظوة جميعها ويستفرد بلباب العامة، فالإشكال القائم في الوعي الإسلامي يكمن في تعلق العقل بثنائية التقابل والتفاضل، ومن هنا تصبح مثلاً مجرّد إثارة اسم المعتزلة مشكلة كبيرة، لأن الاسم ارتبط في الوعي العام الجمعي بتغليب العقل على النص، وتأتي الرّشدية بميراثها الفكري لتنبّه العقل الحداثي إلى تبنّي المشروع الثقافي العربي في تقارباته المناطقية بين العقل والنص؛ أو ما يسمّى بالتوفيقية الرّشدية، وأما المواجهة بين الرّشدية والغزالية فلا تعدو بالنسبة إلى قراءاتي المتواضعة سوى تكاملاً إذا طالت قراءاتنا جوهر الخلاف دون إثارة المنزع الذاتي لهذا الخلاف، لأن الإختلاف قائم بين الطروحات، والغزالي كان يرمي إلى هذا الهدف الذي يجعل من الذوق الباطني إضاءة يهتدي بها القياس العقلي، لكن ابن رشد كان يحتمي بالتقريب بين العقل والنص، في إشارة واضحة إلى عقلانية القصدية الرشدية؛ ما يبيح لكليهما أن يضيء مجال حفره المعرفي بلغة فوكو بما توفَّر لديه من أدوات. لقد تأزّمت العلاقة بين فكريهما حينما أصبح الجمهور طرفاً ثالثاً في إدارة الحلقة الحوارية؛ أي تسرّب بقايا العقل التقابلي/التفاضلي، على رغم أن العقل الإسلامي على مدار عصور الرّيادة كان يحتكم إلى الواقع، ولا أدل على ذلك من أن الشافعي كان له مذهب بالعراق ولما سافر إلى مصر ظهر له رأي جديد، فأسّس مذهباً جديداً في ضوء الواقع الجديد، لأنّ معطيات الواقع تغيّرت، وسمِّي بصاحب المذهبين.

إنّ إشكالية الإختلاف، حينما تقاد إلى لا موضوعيتها، تؤسس لمرمى الفجائع المتعلقة بنزاعات تخرج عن إطار استقلالية العقل بالرّؤية، وبالتالي احتفاظ الأطراف الباحثة بحقّها في الدعوة إلى مجالها النظري الفكري بما تراه مناسباً وفق الأدوات المعرفية والعقلية المتاحة، وما يترتب على الإختلاف من صدامات هو من مخلفات الخلاف الذي تثيره العامة، ومثاله في الواقع ما تحدثه مجرّد رواية من إثارة للشارع، والتي لا يقرأها حتى من يصدر أحكاماً قيمية في حقها لا تتوافق ومنحى القراءة الرّوائية، التي تحتكم لمعيارية النقد الأدبي أو الثقافي؛ أي ومواجهة النص بالنص.

إنّ تفعيل إوالية الحداثة، ليس بمنظورها الكوني المعزول عن سياقات التّبيئة، قد تساهم في تحيين أدوات المشتغل بالفكر الذي قد تغيب عنه فكرة التاريخ الذي تساهم في صنعه الذات، وبالتالي تصبح منخرطة في حركته ـ التاريخ ـ لا موازية له تستلهم أحكامه لتجعلها نهائية بما يقمع حركة العقل، وهو ذات ما تُنبّه إليه الرّشدية حين أقحمت ذاتها متمثلة في شخص ابن رشد كقربان على عتبة المعرفة لنجدة العقل في أزمته البنيوية التي راحت تشطح بعيداً منغلقة على ذاتها، معتقدة الكمال في ما تتبناه من إعادة إنتاج ذاتها عبر الميراث الماضوي للأفكار والمظاهر، بعيداً عن الجوهر الذي هو محكّ العقل، وبذلك نستطيع تجاوز محنة «اغتيال العقل» بتعبير برهان غليون.

العدد 3537 - الأحد 13 مايو 2012م الموافق 22 جمادى الآخرة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً