من الفندق، انطلقت السيارة تشق طريقها بين الجبال، فعمان بلدٌ تغطي الجبال مساحة كبيرة من تضاريسه. وهو بلدٌ يغسل رجليه في المحيط الهندي وبحر العرب، ويستند بظهره على مياه الخليج من الجهة الأخرى.
أجداد العمانيين ركبوا البحر، ووصل أسطولهم التجاري إلى الصين وسواحل شرق آسيا، ومن الجهة الأخرى إلى شرق القارة الأفريقية، حيث كانت تسيطر على زنجبار وأجزاء من تنزانيا.
كانت أول محطةٍ توقفت فيها السيارة شاطئاً رملياًّ، منظر البحر مهيبٌ عندما تشاهده من فوق الجبال. كانت الساعة تقارب التاسعة صباحاً، ومع ذلك كانت هناك مجموعة من العمانيين أخذوا مكانهم على رمال الشاطئ. الشواطئ هنا ليست مستملكةً لأحد، وهي مفتوحةٌ للجميع. حين دخلنا أحد الفنادق الكبرى فوجئنا بأنه مفتوح على المنازل المجاورة، وكان الصبية يلعبون الكرة قريباً من السياح.
توقفنا عند النادي البحري، هناك عشرات اليخوت والطراريد تستقر في هذه المياه الدافئة.
مررنا في الطريق على عددٍ من قرى الصيادين، الذين عوّضتهم الحكومة ببناء منازل خاصة لهم. ومررنا بمنازل أخرى للمزارعين الذي عُوّضوا بعد استملاك مزارعهم لصالح مشاريع سياحية. البيوت كلها باللون الأبيض. بيوت العمانيين كلها تقريباً بالأبيض أو الأصفر الفاتح. هناك قانونٌ ملزمٌ بذلك، حفاظاً على البيئة وجمالها كما يقولون.
كانت المحطة التالية فندق قصر البستان... الذي تقام فيه مؤتمرات القمة الخليجية. فندق مقام بين الجبال من عدة طوابق، أربعة منها محفورة تحت الأرض. من الجهة الأخرى يطل على البحر. فخامةٌ وأبهةٌ تذكرك بالقصور التاريخية التي تشاهدها في الأفلام.
المحطة التالية قصر السلطان، وفي الطريق تمر بعدد من القرى الصغيرة، بناء حديث، وبنية تحتية جارٍ تحديثها، وشوارع نظيفة. النظافة ظاهرة تلفت النظر، حتى في السوق الشعبي المكتظ بالحركة والزحام.
قبل الوصول إلى القصر، تستقبلك السفينة التراثية التي قامت برحلةٍ تاريخيةٍ إلى الصين، وهي مصنوعةٌ على الطريقة التقليدية القديمة ويستخدمها العمانيون في رحلاتهم يوم كان لهم نفوذ بحري وأسطول كبير يجوب المياه بين سواحل شرق آسيا وشرق أفريقيا. بعد رحلتها الأخيرة اختاروا أن يضعوها في دوّار يحرص السياح على التقاط صور تذكارية أمامها.
وأخيراً وصلنا إلى قصر العلم. لم يكن هناك حرسٌ ولا شرطةٌ ولا قواتٌ خاصة. كان الشارع سالكاً، لم يوقفنا أحدٌ أو يسأل عن هوياتنا. أخرجنا الكاميرا والتقطنا بعض الصور التذكارية أمام بوابة القصر. في هذا القصر تتم مراسم الاستقبال للوفود الرسمية، ويلتقي فيه السلطان أعضاء الحكومة في حفل سنوي بحسب مرافقنا العماني. وبالقرب منه يوجد مسجد قديم ومأتم يحمل اسم «المرحومة هشام بنت هاشم الموسوي».
من أمام القصر تطل عليك قلعة الميراني وتستقبلك من بعيد قلعة الجلالي التي حولت إلى متحف. لم نتمكن من دخوله لأنه كان يوم جمعة. القلاع في عمان منتشرة، تنم عن مجد سابق وتاريخ عريق.
غادرنا القصر باتجاه اشهر أسواق العاصمة: سوق مطرح الشعبي، الذي يطل على البحر الممتد في منظر نصف دائري جميل. هناك سفن قديمة (لنجات) راسية فيه، مع قطع حربية أخرى حديثة. وحركة المارة لا تنقطع في هذه المنطقة، حيث تشكل منطقة جاذبة للسياح.
سوق مطرح أشبه بسوق المنامة القديم أو مشرف بالكويت، أو بر ديرة بدبي. المحلات تبيع كل شيء، من ملابس وحلويات واللبان والعطور والبخور والتحف والبهارات. أكثر الباعة والمرتادين من الاجانب، سواءً كانوا سياحاً أم وافدين آسيويين.
من الصعب هنا أيضاً التمييز بين العماني والآسيوي لارتداء كثير من الوافدين المقيمين ملابس عربية. ليس هناك زحام شديد كما نراه في مدن خليجية أخرى، كالمنامة أو الرياض أو الدوحة، لكني لاحظت أن حركة المرور انسيابية، وفي ساعات الذروة وبطء حركة المرور لا تنطلق أصوات الأبواق المزعجة. طوال أسبوع كامل لم أسمع صياح بوق واحد... هل هو الاحترام الشديد للنظام أو هدوء أعصاب يتميز به العمانيون؟
أحد معالم العاصمة العمانية متحف بيت الزبير، والزبير بن علي كان وزيراً ومستشاراً لأجداد السلطان في الثلث الأول من القرن العشرين. وقد قام ابنه في العام 1998 بتحويل منزله الكبير إلى متحف حديث، مكون من أربعة مبانٍ وعدة قاعات، تتوزع على طابقين. وأكبرها بيت الباغ (الحدائق)، حيث تحتوي قاعاته على معروضات تراثية من خناجر وسيوف وتحف وأزياء نسائية ورجالية ومجوهرات ومقتنيات المنزل العماني القديم. وهناك حديقة تقليدية تحتوي على بيت من جريد النخل، ونموذج مصغر لنظام الري المشهور في عمان بالأفلاج.
وهناك مبنى آخر باسم البيت العود، من ثلاثة طوابق يضم قاعة عرض كبيرة تحتوي خرائط قديمة لعمان والخليج وشرق افريقيا ومجموعة من آلات التصوير القديمة. إلا أن القاعة الأكثر إثارة؛ تلك التي تحتوي على صور قديمة لعمان وسلاطينها وزيارات الحكام ومناظر من البيوت والقرى العمانية.
عمان ليست قصوراً سلطانية ومتاحف وقلاعاً وشوارع حسنة التنظيم؛ فهناك مشاكل على الأرض، يعاني منها الناس، وفي مقدمتها البطالة والعدالة وتوزيع الثروة. وقد تأثرت عمان بأحداث الربيع العربي كما تأثرت بها دول خليجية أخرى، فنظّم شبّان عمانيون احتجاجات في بعض مناطق السلطنة مطالبين بالتغيير، تغيير في الساسة والسياسة. وجاءت الاستجابة سريعة، حيث تمت إقالة 12 وزيراً، كان بعضهم يُعتبرون من الوزراء ذوي النفوذ. كما تمت زيادة الرواتب، ورفع سقف الحد الأدنى للراتب من 200 إلى 400 ريال عماني (الريال يعادل الدينار البحريني)، وفتح باب التوظيف أمام آلاف العاطلين عن العمل. لقد تأثرت عمان بالربيع العربي وكانت الاستجابة سريعة لاحتواء الغضب الشعبي وإزالة الاحتقان.
عمان بلدٌ غني بالتاريخ، متنوع بالجغرافيا، وميزته الاولى تلك الطيبة والود الذي يستقبلك به العماني، وخصوصاً عندما يعرف انك من البحرين، فسرعان ما يبادرك في حميمية إلى القول، وهو ما تكرر معنا عدة مرات: لقد كان أجدادنا يحدّثوننا عن سنوات عملهم في البحرين.
العدد 3542 - الجمعة 18 مايو 2012م الموافق 27 جمادى الآخرة 1433هـ
اهات
اتحسروا يا اهل البحرين اهات طويــــــــــــــــــــــله