العدد 1418 - الإثنين 24 يوليو 2006م الموافق 27 جمادى الآخرة 1427هـ

برغكامب: «هولندي غير طائر» حلق عالياً في «الهايبري»

الأستاذ حاز الإعجاب بأهدافه الأسطورية

من ملعب «هايبري» القديم إلى «استاد الإمارات» الحديث يمضي نادي ارسنال الانجليزي أمس لتسطير حقبة جديدة من تاريخه الكروي المجيد، وبقدر الفرحة التي لاقت بها الجماهير اللندنية التحفة الهندسية الضخمة للمرة الأولى، كان الحزن سيد الموقف لان المناسبة حملت عنوان اعتزال احد أهم النجوم الذين عرفهم الفريق هو المهاجم الهولندي دينيس برغكامب.

ولا يختلف اثنان على أن برغكامب من طينة أولئك اللاعبين القلائل الذين يتركون أثرا واضحا على فرقهم أثناء مسيرتهم وبعد اعتزالهم على حد سواء، لذلك سيكون غروبه عن «المدفعجية» بمثابة نقطة بداية جديدة للنادي الذي سيقلب الصفحة ليبدأ عملية البناء للمستقبل على أسس مختلفة.

وغالبا ما حاز برغكامب الإعجاب وأطلقت عليه الصفات الحسنة للإشادة بعظمته الكروية، وانطبق عليه لقب «الأستاذ» بامتياز نظرا إلى أناقته الكروية وطريقة لعبه المتقنة، إلا أن مدرب ارسنال الفرنسي ارسين فينغر وصف لاعبه الفذ بـ «العبقري» بعدما شهد طوال مواسم عدة مآثره الفريدة التي رسخت اسمه في السجلات الذهبية على الساحتين العالمية والانجليزية.

وسيذكر «برغي» دائما بصفته صاحب الهدف الذي احتل المرتبة السادسة على لائحة أجمل الأهداف التي شهدها كأس العالم على مر التاريخ، وذلك في الدور ربع النهائي لمونديال فرنسا العام 1998 بين هولندا والأرجنتين عندما تلقى كرة طويلة لعبها فرانك دي بوير من مسافة 50 مترا وروضها الأول متخطيا روبرتو ايالا قبل أن يودعها شباك الحارس كارلوس روا بطريقة فنية رائعة.

وسيبقى هدفه في مرمى نيوكاسل على ملعب «سانت جيمس بارك» موسم 2002/2001 راسخا في أذهان المتابعين، عندما تخطى المدافع اليوناني نيكوس دابيزاس بلمسة سحرية فائقة مسجلا في مرمى الحارس الايرلندي شاي غيفن، وقتذاك قال مدرب المضيف «السير» بوبي روبسون «لم أتمكن من إعطاء التعليمات للاعبي الفريق في فترة الراحة بين الشوطين لأننا قضيناها نحاول إيجاد تفسير للطريقة التي سجل عبرها برغكامب هدفه الأسطوري»!

وكانت أهداف الهولندي في كثير من الأحيان مختلفة ومميزة في آن معا، و«ماركة مسجلة» يصعب على اللاعبين الآخرين مجرد التفكير في إمكان تقليدها، وهذا الأمر ذكره في إحدى المرات الهداف التاريخي لارسنال الفرنسي تييري هنري بقوله: «عندما يسجل برغكامب لا يكون شكل الهدف عاديا لان أهدافه حملت دائما صبغة خاصة. انه أفضل شريك لعبت إلى جانبه وحلم كل مهاجم أن يكون لديه برغكامب إلى جانبه في الفريق».

ولا شك في أن العبارة الأخيرة يتقاسمها هنري والكثير من النجوم الذين عاصروا برغكامب واستفادوا من وجوده إلى جانبهم للارتقاء إلى مصاف النجومية، فهو كان مهاجما استثنائيا يجيد تمهيد الأهداف لزملائه بقدر إجادته تسجيلها بطرق استعراضية.

ويمكن القول ان برغكامب نصب نفسه شريكا في تحويل اللاعبين المغمورين إلى أسماء رنانة، بعدما شرع فينغر في استقدامهم إلى عاصمة الضباب إذ تحول «هايبري» بفضل الشراكة الهولندية الفرنسية مصنعا حقيقيا لنجوم اللعبة.

لقد أدرك فينغر انه يملك احد أفضل اللاعبين مهارة ممن عرفهم الدوري الانجليزي الممتاز، فمنح برغكامب دورا حرا خلف المهاجمين لحيازته اللمسة السحرية الحاسمة والرؤية الثاقبة اللتين فك عبرهما صاحب القميص الرقم 10 شيفرة أقوى خطوط الدفاع مانحا رفاقه فرصة هز الشباك بأقل جهد ممكن.

وبدا برغكامب مستمتعا بإتاحته الفرص لزملائه أكثر من التسجيل بنفسه، بينما استفاد هؤلاء إلى ابعد الحدود من مهارات «القاتل الصامت» ليرتقوا سلم النجومية، ولعل المثال الأبرز على هذا الأمر المهاجم الفرنسي نيكولا انيلكا الذي وصل إلى لندن لاعبا مغمورا وخرج منها هدافا أصيلا بفضل الأهداف الغزيرة التي سجلها وحملت في لمستها قبل الأخيرة بصمة برغكامب من دون سواه.

ويضاف إلى قائمة المستفيدين من رعاية «فان غوغ الكرة الهولندية» الذي رسم بريشته الخاصة الطريق المؤدي إلى الشباك، كل من أيان رايت والسويدي فريدريك ليونغبرغ والفرنسي تييري هنري وحديثا الاسباني خوسيه انطونيو رييس، الشاهد على الواقعة غير المسبوقة في ختام الموسم قبل الماضي عندما نادت جماهير ارسنال بصوت واحد «سنة أخرى» مناشدة فينغر تمديد عقد برغكامب بعدما مهد ثلاثة أهداف وسجل واحدا في المباراة التي سحق فيها فريقه ايفرتون 7/صفر، فما كان من الفرنسي إلا الاستجابة للمطلب الجماهيري.

واللافت أن الجماهير قابلت برغكامب لدى وصوله إلى ارسنال العام 1995 بالحماسة عينها مرددة في ظهوره الأول عبارة «لدينا الآن دينيس برغكامب»، وكأنها عرفت بأن اللاعب سيكون رائد ثورة النادي اللندني الذي قدم بفضله أجمل العروض الهجومية، في موازاة حسرتها وتقبلها في آن معا انه «هولندي غير طائر» لخوفه من ركوب الطائرة ما أدى إلى غيابه عن عدد لا يستهان به من المباريات المهمة على الصعيد القاري.

وانطلاقا من تركيبة الدوري الانجليزي ونادي ارسنال والحياة في العاصمة الانجليزية التي يقطنها بعدما أحبها منذ الصغر متأثرا بلاعب توتنهام غلين هودل، عوض «المايسترو» إخفاق تجربته في الدوري الايطالي مع فريق انتر ميلان الذي انتقل إليه ومواطنه فيم يونك العام 1993 اثر تألقه مع فريقه الأم أياكس أمستردام مسجلا 103 أهداف في 185 مباراة أولها تحت أنظار يوهان كرويف الذي رفعه إلى الفريق الأول العام 1986.

ووقف برغكامب هداف الدوري الهولندي لثلاثة مواسم متتالية متفرجا على انجازات مواطنيه الثلاثي رود غوليت وماركو فان باستن وفرانك ريكارد مع الغريم التقليدي ميلان، في الوقت الذي اعتمد فريقه الأسلوب التقليدي «الكاتيناتشو» ما قضى على حسه الهجومي مكتفيا بتسجيل 11 هدفا في 52 مباراة إضافة إلى 8 أهداف ساهمت في حمله كأس الاتحاد الأوروبي للمرة الثانية العام 1994 بعد إحرازها مع أياكس العام 1992.

ووجد برغكامب الذي سمي تيمنا بنجم مانشستر يونايتد السابق دينيس لو، ضالته في «الجنة الانجليزية» بعد هجره «المنفى الايطالي»، وبلغ أعلى المستويات بمؤازرة فينغر صاحب الأسلوب الهجومي الذي يتناسب تماما مع أسلوب خريج المدرسة الهولندية التقليدية التي تعتمد الكرة الشاملة، فكانت النتيجة الفوز بالدوري الممتاز 3 مرات وكأس انجلترا 4 مرات، في موازاة اختياره أفضل لاعب العام 1998 من قبل الاتحاد الانجليزي والصحافيين المتخصصين.

120 هدفا في 423 مباراة أدخلت برغكامب أسطورة ارسنال، بينما لم تأخذ أهدافه الدولية الـ 37 في 78 مباراة خاضها مع منتخب بلاده قيمة اكبر من كونه احد أفضل هدافي المنتخب البرتقالي الذي شارك معه في مونديالي 1994 و1998 وبطولة أمم أوروبا أعوام 1992 و1996 و2000 بيد انه يبقى احد اللاعبين الذين لا يتمنى عشاق اللعبة سماع كلمة الوداع تخرج من أفواههم

العدد 1418 - الإثنين 24 يوليو 2006م الموافق 27 جمادى الآخرة 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً