«انفجر المجتمع التركي عند صناديق الاقتراع». هذا القول تصدر صحيفة «حريت» التركية، وأردفت «المشهد التركي امتزج بغضب شعبي من أولئك الساسة الطاغين على حكومة رئيس الوزراء بولنت أجاويد، والمنتمين إلى ثلاثة أحزاب، كونهم مسئولين عن الأزمة الاقتصادية.
أما وكالة الأنباء الهولندية فنشرت تقريرا لـ «كريستوفر ويد» يذكر فيه «ان تركيا استيقظت الاثنين (الماضي) على مشهد سياسي مختلف تماما بعدما منح الناخبون حزب العدالة والتنمية الإسلامي غالبية ساحقة في البرلمان، ولعبت القيم المحافظة لزعيم حزب العدالة رجب طبي أردوجان والتي لاقت التأييد عند الكثير من الناخبين دورا في الفوز الكاسح لحزبه. وكتبت صحيفة (ميلليت) اليومية «ارتدت الضغوط الرامية الى تجاوز القانون».
وقالت صحيفة (ييني سافاك) القريبة من حزب العدالة في عنوانها الرئيسي «تنظيف تاريخي». وكتبت صحيفة (حريت) الواسعة الانتشار «كان الشعب الذي كان يائسا يبحث عن منقذ، كان هذا المنقذ حزب العدالة». بهذه الغالبية الكاسحة، من الممكن أن تشكل الحكومة في غضون أسابيع، وهو رقم قياسي بالنسبة إلى تركيا.
تركيا تعيد تأكيد أن
«السياسة هي اقتصاد مكثف»
حزب العدالة والتنمية الإسلامية حزب حديث العهد، إذ لم يمض على تشكيله أكثر من عام واحد تقريبا!، وسيكون أمام الحكومة مهمة معالجة مشكلات لا حصر لها، سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي، لعل أهمها إخراج الاقتصاد التركي من حال الركود، والدخول في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والخوض في مسألة جزيرة قبرص المقسمة، بجانب حسم الموقف العاجل بصدد الهجوم الأميركي المحتمل على العراق المجاورة.
يذكر إن أيا من أعضاء الحزب لا يحظى بخبرة في تولي مناصب على الصعيد القومي. وبجانب ذلك، يرجح انه سيواجه ضغط القوات المسلحة التي تعتبر نفسها حامي الدولة العلمانية. يذكر أن رئيس الوزراء الإسلامي الأول في تركيا استبعد من منصبه في «انقلاب لين» في العام 1997 وفقا لقول كريستوفر ويد (وكالة الأنباء الهولندية).
الوضع الاقتصادي يلزم أجاويد
وزعماء «فاشلين» بالتنحي عن مناصبهم
تمر تركيا بأسوأ ركود اقتصادي تشهده منذ الحرب العالمية الثانية، وواقع الأمر يكشف ان الوضع الاقتصادي التركي يفسر الوضع السياسي التركي برمته، إذ وقف وراء انخفاض نصيب حزب اليسار الديمقراطي بقيادة اجاويد من 22,2% في انتخابات 1999 إلى 1% في الانتخابات الأخيرة، وقد دفع ذلك اجاويد إلى القول: «لقد انتحرنا بخوض انتخابات مبكرة»، وأوضح أنه قلق على تركيا من أداء حزب العدالة. وقال «إن حزب العدالة لم يقدم أفكارا واضحة عما سيفعله إذا تولى الحكم». هكذا شهد اجاويد لحظة انهيار حزبه بعينيه.
كان رئيس الوزراء أجاويد خلال الحملة الانتخابية قد قال أنه سيتخلى عن منصبه خلال العام، إلا أنه مع حصول حزبه على نحو واحد في المائة فقط في الانتخابات، فإنه قد يتنحى قبل ذلك، ليصل بذلك إلى نهاية مستقبله السياسي غير المتألق، والذي استمر 45 عاما. وقال أيضا زعيما حزب الحركة اليميني وحزب الطريق القومي إنهما سيتنحيان عن منصبيهما. ومن المتوقع أن يقوم زعماء فاشلون آخرون بانتهاج السلوك نفسه. أما رئيسة حزب الطريق القويم، ورئيسة الوزراء السابقة تانسو تشيلر فأعلنت في بيان خطي الاثنين الماضي أنها لن ترشح نفسها في الانتخابات القادممة لقيادة الحزب.
الاتحاد الأوروبي يقول
في خضم ذلك ارتفع الدولار الأميركي لأعلى معدلاته ليصل إلى 1,7. مليون ليرة. ولكن بعد القلق المبدئي انخفض سعره، وبدا أن المتعاملين في الأسهم أعطوا الحكومة الجديدة موافقتهم، إذ ارتفع المؤشر العام لبورصة اسطنبول.
وصرح زعيم حزب العدالة بأن حكومته مستعدة «للتعجيل بدخول تركيا الاتحاد الأوروبي والحسم في تنفيذ البرنامج الاقتصادي الذي سيعزز التكامل الاقتصادي لتركيا مع سائر دول العالم». يذكر أن تركيا تعمل جاهدة لدفع الاتحاد الأوروبي إلى تحديد موعد لبدء مفاوضات العضوية بشأن دخول تركيا في التكتل الأوروبي الذي يضم 15 دولة.
كما أن الولايات المتحدة التي ترى أن تركيا حليف رئيسي في الشرق الأوسط تدفع حكومات الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ موقف أكثر تقبلا إزاء طلب العضوية الذي تقدمت به أنقرة منذ فترة طويلة. ومن المنتظر أن يحدد زعماء الاتحاد الأوروبي خلال اجتماعهم في ديسمبر/ كانون الأول في كوبنهاجن العام 2003 موعداً نهائيا لبدء محادثات العضوية مع تركيا، بشرط أن تواصل أنقرة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية. وكان قد تم الاعتراف بتركيا مرشحا رسميا لعضوية الاتحاد الأوروبي في ديسمبر العام 1999 ولكن بخلاف دول وسط وشرق أوروبا الأخرى التي تنتظر الانضمام إلى العضوية، فإن الاتحاد الأوروبي لم يبدأ بعد محادثات العضوية مع أنقرة.
الليرة التركية تهوي إلى
مستوى قياسي بعد الانتخابات
بعد الفوز الساحق في الانتخابات لحزب العدالة والتنمية صباح الاثنين الماضي، هبطت الليرة التركية إلى مستوى قياسي، مسجلة أكثر من 1,7 مليون ليرة للدولار. وبلغ سعر الليرة مليونا و724 ألف ليرة للدولار في المعاملات المبكرة انخفاضا من إغلاق الجمعة على مليون و676 ألف ليرة، ومقارنة مع الانخفاض القياسي الذي بلغته في مطلع يوليو /تموز عند مليون و706 آلاف ليرة.
قال المحلل المالي من يابي كريدي ياتيريم محمد جيرز لمحطة «إن.تي في» التلفزيونية الخاصة، «الحساب البرلماني أصبح سهلا»، وقال «ثمة حاجة للتماسك في السياسة. إن هذا تطهير تاريخي. يجب أن تستمر السوق في تجاوبها الايجابي». وقال جيرز «إذا تحركت الحكومة كما وعدت، فقد يرتفع المؤشر حتى 15,000 . التحفظ الوحيد هو قضية العراق». وقد أغلق المؤشر العام ظهر الاثنين (الماضي) عند 10,844 نقطة.
ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين في أكتوبر
أظهرت أرقام رسمية يوم الأحد الماضي ان تضخم أسعار المستهلكين في تركيا زاد 3,3% في أكتوبر مقارنة مع سبتمبر/ أيلول، ليصل المعدل السنوي للتضخم إلى 33,4% انخفاضا من 37% في الشهر السابق. وسجل تضخم أسعار الجملة زيادة شهرية بنسبة 3,1% من دون تغيير في الزيادة في سبتمبر، وبلغ المعدل السنوي 36,1% انخفاضا من 40,9% في سبتمبر. وزاد التضخم الأساسي الذي يعرف في تركيا بأنه أسعار الصناعات التحويلية للقطاع الخاص 1,8% في أكتوبر انخفاضا من 2,5% في سبتمبر. وتنفذ تركيا حاليا برنامج إنقاذ اقتصادي يدعمه صندوق النقد الدولي بقروض حجمها 16 مليار دولار ويستهدف الوصول إلى معدل تضخم يبلغ 35% بنهاية هذا العام.
الإسلاميون يطمئنون الغرب
تناقلت وكالات الأنباء قول زعيم حزب العدالة والتنمية إن حزبه يؤيد الاتحاد الأوروبي والتكامل الاقتصادي العالمي ويحترم جميع أنماط الحياة. وأضاف أردوجان «بإذن الله، سيتم فتح صفحة بيضاء جديدة في تاريخ تركيا». وأردف بكياسة قوله «إن عبء المسئولية ثقيل، ولن نضيع وقتنا في الانتشاء بالنصر».
تركيا منغمسة تماما في عملية إصلاح يدعمها صندوق النقد الدولي. وقد وعد أردوجان بمواصلة هذه العملية. وبدا وزير الاقتصاد التركي السابق كمال درويش متفائلا يوم الاثنين الماضي، إذ أعرب عن اعتقاده بأن تركيا لديها فرصة عظيمة ماثلة أمامها. وقال درويش للصحافيين في اسطنبول «إنني مسرور جدا لسماع أن أردوجان قد أعطى أولوية اهتمامه إلى (العمل باتجاه الحصول على عضوية) الاتحاد الأوروبي».
وأوضح درويش «بمشيئة الله سنعمل سويا (للوصول إلى هذا الهدف) من خلال زيادة الدخل الوطني والإسراع بخطى النمو والاستثمار والعمالة». وانتخب درويش يوم الأحد في إحدى دوائر اسطنبول نائبا عن حزب الشعب الجمهوري الذي يمثل يسار الوسط. وقال درويش، المسئول المحترم بالبنك الدولي سابقا «سنعمل يدا بيد من أجل الوصول إلى هدفنا الوطني المشترك».
ويتعين على أردوجان أن يعلن الشخصية التي يؤيدها لتولي منصب رئاسة الحكومة. وكان قد صرح مساء الأحد (الماضي) أن «أجهزة الحزب المختصة» هي التي ستقرر من سيصبح رئيسا للوزراء. وفي الوقت ذاته تواصل تساقط الأحزاب بعد الهزيمة الساحقة التي منيت بها أقوى الأحزاب التركية.
وتلاها بالخطوة نفسها ظهر يوم الاثنين عدوها اللدود مسعود يلمظ، رئيس حزب الوطن الأم. وكان دولت باهجيلي، رئيس حزب الحركة القومية قد أعلن مساء الأحد عزمه على عدم ترشيح نفسه لرئاسة الحزب. وتعد حالات الاستقالة عقب الفشل الانتخابي أمرا نادر الحدوث في السياسة التركية، وهي تدل على مدى تأثير الضربة التي تلقتها الأحزاب التقليدية في البلاد.
ردود أفعال عربية
قالت صحيفة (الرياض) ان تركيا ظلت حليفة للدولة الرأسمالية لأنها تدرك أن مشاعر شعبها وعقيدته عامل رفض للعقيدة الشيوعية، لكن مناخات التقلبات الدولية فرضت على الأتراك اتخاذ حالات من الجفوة وشبه العداء مع العرب نتيجة تراكم مفاهيم خاطئة عند الطرفين، لدرجة صارت تركيا تبحث فيها عن أي تحالف يضاد العرب منذ حلف بغداد، والتحالف مع إسرائيل وقضايا المياه والحدود التي بقيت قيد أمزجة الحكومات الماضية التي لا تتحرك إلا بإرادة العناصر العسكرية.
وأضافت تقول قد لا يضيف حزب العدالة تغييرات منهجية في سلوك الدولة، لكنه أكثر اعتدالاً من غيره، وهي المخاوف التي بدأت تظهر من خلال تصريحات الإسرائيليين، إذ من المنطقي أن تكون تركيا الأقرب إلى العرب، لأنها قادرة على أن تأخذ أدواراً أهم من إسرائيل من حيث التبادل التجاري والتقني وتسهيل الطرق المغلقة بأن تكون سالكة، وهي مصالح عليا للطرفين إذا ما كرّست الثقة واعتمدت على منظور المستقبل البعيد الذي لن يدخلها الاتحاد الأوروبي، لتضيف إليه ما يقرب من سبعين مليون تركي مسلم، وهي العائق الأهم حتى لو تظاهر الأوروبيون بالتقارب مع تركيا، فهم يريدونها دولة صديقة مجاورة وليست داخل حزام اتحادهم.
أما أميركا وإسرائيل فلكل دولة رؤيتها تجاه تركيا، والتي تحددها مصالح آنية أو استراتيجية، إذ ان أميركا لاتزال ترى في الجغرافيا السياسية التركية أمراً مهماً تجاه العرب وإيران، ومستقبلاً تجاه آسيا الوسطى وروسيا، وقد تتغير الموازين لتخرج من هذا التحالف، مثلما فعلت مع شاه إيران، غير أن إسرائيل لها النظرة نفسها وتكمل الدور الأميركي، وتعتبر المستفيد الأكبر في صفقات السلاح والمياه وتكريس الخلافات مع العالم الإسلامي، غير أن تركيا ليست محكومة بهذه الاتجاهات إذا ما رأت مصالحها تتجاوز عقدة الماضي، وترى أنها عنصر فاعل في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وأقرب من يفهم هذه الحقائق الأحزاب الإسلامية التركية التي ربما تلعب هذا الدور بكفاءة أكثر.
العدد 62 - الأربعاء 06 نوفمبر 2002م الموافق 01 رمضان 1423هـ