أكد تقرير حديث أطلقه اليوم الخميس (28 نوفمبر / تشرين الثاني 2013) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العاصمة البحرينية المنامة أنه من الضروري أن تجابه المنطقة العربية التحديات التي تفرضها ندرة المياه وأن تتصدى لها بجديةٍ، إذا ما أرادت تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، وبلوغ مستويات من الازدهار يتمتع بها الجميع، وإدراك مستقبلٍ تسوده التنمية الإنسانية المستدامة.
وأكد التقرير، الصادر بعنوان: "حوكمة المياه في المنطقة العربية: بين تأمين العجز وضمان المستقبل،" على أن التصدي لتحديات المياه اليوم ودون إبطاء من شأنه تعزيز قدرة الدول العربية على إدارة مخاطر الأزمات المحتملة التي يمكن أن تنشأ عن تقاعسنا عن التحرك،من هجرات غير مخطط لها، وانهيارات اقتصادية، و صراعات إقليمية.
ويُذَّكِر التقرير بأن الوضع المائي في المنطقة يتجه وبخطى متسارعة نحو مستويات تنذر بالخطر، وبعواقب وخيمة على التنمية البشرية. والدلائل قد تم تداولها من قبل: فالمنطقة العربية التي تحوي 5 بالمائة من سكان العالم و تشغل 10 بالمائة من مساحته يقل نصيبها من الموارد المائية العالمية عن 1 بالمائة؛ كذلك تقل حصة المنطقة من موارد المياه المتجددة سنوياًعن1 بالمائةولا يتجاوز ما تتلقاهمن هطول الأمطار السنوي في المتوسط نسبة 2.1 بالمائة.فضلاً عن ذلك فإن الصحاري تشغل أكثر من 87 بالمائة من أراضي المنطقة العربية، كما تضم هذه المنطقة أربعة عشربلداً من بين البلدان العشرين الأكثر تضرراً من نقص المياه عالمياً ويقارب نصيب الفرد العربي من المياه المتجددة ثُمن ما يتمتع به نظيره-في المتوسط- على المستوى العالمي.
وصرحت مديرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هيلين كلارك، "في حين أن كثير من بلدان العالم تواجه اليومتحديات متنامية من شأنه أن تهدد نوعية وكمية المياه، مثل تغير المناخ على سبيل المثال، إلا أن هذه التحديات تثير القلق بشكل خاصهنا في المنطقة العربية،إذوصلت معدلات ندرة المياه بالفعل إلى مستويات حادة،" وأضافت "من المتوقعأن تسهم زيادة الطلب على المياه بسببزيادة السكان والتوسع في النمو الاقتصادي في تعميق ما يصفه كثير من الخبراء بــ"أزمة المياه "الإقليمية."
ويؤكد التقرير الذي صدر بتكليف من المكتب الإقليمي للدول العربية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أنه على الرغم من أن ندرة تشكل أساس أزمة المياه العربية، إلا أن الأزمة تكمن كذلك في إدارة هذا المورد الثمين والذي لا يتم تقديره بحق قدره في المنطقة. و تشمل التحديات الرئيسية التي يواجهها قطاع المياه في المنطقة: تجزئة عمل المؤسسات العاملة بالقطاع وتداخل، وعدم واضوحمسؤوليات كل منها؛ وعدم كفاية القدرات؛ وعدم كفاية التمويل؛ فضلاً عن مركزية صنع القرار؛ عدم الامتثال للقوانين المنظِمة وإنفاذها بشكل فعَّال، ومحدودية الوعي العام.
وأكدت الأمين العام المساعد للأمم المتحدة، والمدير المساعد ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي سيما بحوث، على أنه"يجب التعامل مع أزمة المياه العربية باعتبارها مسألة مُلِّحَّة وذات أولوية، تستحق المزيد من الاهتمام والالتزام السياسيين حتى في خضم البيئة السياسية الصعبة التي تشهدها في المنطقة اليوم"، وأضافت "في الواقع، يجب علينا اغتنام الفرصة التي تتيحها التحولات السياسية والاقتصادية العربية الراهنة لتعزيز الإصلاح في مجال حوكمة المياه."
وتشمل العناصر الأساسية لحوكمة المياه التي يناقشها التقرير قضايا العدالة والشفافية، والمساءلة، والاستدامة البيئية والاقتصادية، ومشاركة أصحاب المصلحة المعنيين وتمكينهم، إضافة إلى القدرة على الاستجابة لاحتياجات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
ويؤكد التقريرعلى أنه الحوكمة يمكنها أنتضمن ممارسات فعالة في مجال إدارة الموارد المائية عبرإعادة توجيه السياسات المائية، وإصلاح المؤسسات القائمة عليها، وتعزيز الوعي والتثقيف، وزيادة مشاركة أصحاب المصلحة المعنيين، ووضع الاتفاقيات المائية الدولية، وربط السياسات بعمليات البحث والتطوير، كذلك يؤكد على أنه من خلال تحليل فعالية التكلفة يمكن تعيينالقيمة الحقيقية للمياه، وتحديد بدائل السياسات الاجتماعية، والاقتصادية والبيئية الأكثر فاعلية من حيث التكلفة.
ويؤكد التقرير أن العلاقة المعقدة بين ندرة المياه والأمن الغذائي والطاقة تُعَمِّق كذلك من الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لأزمة المياه في المنطقة. فالأمن المائي يمثل جزءاً لا يتجزأ من الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والصحية. فلابد من ضمان اتاحة المياه لكافة مستخدميها في القطاعات "الزراعة والصناعة والنشاطات المحلية" على قدر عادل وآمن ومستداموبما يضمن استخدام المياه بكفاءة. كذلك يجب أن تكون الحوكمةالفعّالة مرنة، وقادرة على التكيف مع تغير المناخ ومراعاة التغيّرات الاجتماعية والسياسية المقترنة بالحداية.
إدارة ندرة المياه التكيف معها
تمثل ندرة المياه في المنطقة العربية حقيقة واقعة. ومع ذلك، يرى التقرير أن القدرة على التكيف في أي مجتمع—والتي هي حصيلة لعوامل متشابكةتشمل وضع البنى التحتية، ومستوى وفرة الثروة، والتركيبة الاقتصادية، والموارد المادية والبشرية والمؤسسية - هي ما تحدد كيفية تأثر ذلك المجتمع بالندرة. ومصدرهذه الندرة الاجتماعية والاقتصادية يرتبط بالعجز الاقتصادي عن تعبئة موارد مائية إضافية أو العجز الاجتماعي عن التكيف مع ظروف الندرة المادية. أما الندرة القسريةفتنشأ بسبب الاحتلال والصراع السياسي.لذلك يتطلب تعزيز القدرة على التكيف، أن تعالج حوكمةالمياه جميع أنواع الندرة كما يشدد التقرير.
الاستثمار في أساليب مبتكرة لرفع مستوى الموارد المائية
لتلبية الطلب المتزايد باطراد على المياه، لجأت دول عربية مختلفة إلى مجموعة من المقاربات لتعزيز توافر المياه و بشكل مستدام بما يحد من مخاطر الكوارث المتعلقة بالمياه.
فحيث تتوافر الموارد المائية التقليدية "المياه السطحية والمياه الجوفية"، استثمرت بعض البلدان العربية المعرضةاتقلبات كبيرة في معدلات تساقط الأمطار، وتلك ذات الموارد المائيه العابرة للحدود في تخزين المياه وشبكات النقل، وبناء السدود، والاعتمادالمتزايد على استخدام موارد المياه الجوفية الضحلة والعميقة - على الرغم من أن كثير منها تمثل موارد مائية غيرمتجددة أو من طبقات مائية أحفورية.
وقد ساهم الاستغلال المفرط للمياه الجوفية في المنطقة ليس فقط في تقليص هذه الموارد، ولكنه تسبب كذلك في الإضرار بالبيئة، وأنضب تملح المياه قد جفت الينابيع الطبيعية وأدى الى تدهور أوساط المنظومات الإيكولوجية و تدميرها.
كما سعت عدة دول عربية أيضا لاستخدام الموارد المائية غير التقليدية بما في ذلك تحلية مياه البحر،وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة،واستجماع مياه الأمطار،الاستمطار الصناعي، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي للري.
فعلى سبيل المثال، تحتل المنطقة العربية موقع الصدارة عالمياً في مجال تحلية مياه البحر، إذ تربو على نصف القدرة الانتاجية العالمية. ومن المتوقع أن يرتفع مستوى استعمال هذه التقنية من نسبة 1.8 في المائة من إمدادات المياه في المنطقة إلى ما يقدر بنحو 8.5 في المائة بحلول عام 2025.
ومن المتوقع أن تتركز معظم تلك الزيادة في البلدان المصدرة للطاقة ذات الدخل المرتفع، وبخاصة دول الخليج، وذلك لأن تحلية المياه تتطلب كثيراً من الطاقة ورؤوس الأموال.كذلك، تستخدم بعص الدول العربية مياه الصرف الصحي المعالجة - والتي تقدركمية المستخدم منها حالياً بحوالي 4.7 مليار متر مكعب سنويا وهي في تزايد مسمتمر. ويتطلب تحسين كفاءة جميع هذه المقاربات، وزيادة قابليتها للانتشار والتوسع وتعزيز استدامتهاانتهاج سياسات طويلة الأمد، وتطوير التشريعات، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية وفي عميات البحث والتطوير.
ولمواجهة الطلب المتزايد على الموادّ الغذائيّة، وجدت البلدان العربيّة نفسها مضطرّة إلى الحصول على المياه من خلال استيراد الموادّ الزراعيّة التي تتطلّب كمّيّات كبيرة منها. ولأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تستورد نصف حاجاتها من الحبوب، فإن استيراد المياه الافتراضيّة يصبح أمرًا لا مناص منه. وتضاعفت كمّيّات المياه الافتراضيّة التي استوردتها بلدان هذه المنطقة بحيث ارتفعت من 147.93 مليار متر مكعّب عام 2000 إلى 309.89 مليار متر مكعّب عام 2010.
وتظل حوكمة المياه التي تركّز على التنمية المستدامة، والكفاءة في استخدام الطاقة، والاستثمار في البحث والتطوير في مجال تقنية المياه، أساسيّةً في سبيل رفع مستوى الوفرة المائيّة. كذلك التنسيق الدوليّ وإبرام معاهدات في ما يخصّ إدارة الموارد المائيّة المشتركة من ضرورات ضمان التنمية المستدامة.