العدد 4409 - الخميس 02 أكتوبر 2014م الموافق 08 ذي الحجة 1435هـ

جيل حماة البيئة الأنيق

البيئة والتنمية - باتر محمد علي وردم 

02 أكتوبر 2014

عندما نظم الأردن في العام 2000 المؤتمر الدولي للاتحاد العالمي لحماية الطبيعة، وشارك فيه نحو 3000 خبير وباحث مختص في حماية البيئة، لفت نظري رجل في منتصف الستينيات من عمره ذو لحية كثة وملابس رثة، يدور بين المشاركين ويتحدث مع الجميع بطريقة مباشرة وحماسية. اعتقدت في البداية أن هذا الشخص قد يكون دخيلاً على علماء البيئة المشاركين. ولكن عندما سألت عنه عرفت أنه تاجي فرفار، وهو إيراني الجنسية وأحد أهم العلماء المحترفين في مجال التنمية الاقتصادية الاجتماعية وحماية الطبيعة، ورئيس اللجنة الاقتصادية في الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة. أثار الرجل اهتمامي كثيراً، فتحدثت معه وتابعت ورش العمل التي شارك فيها، ووجدته يمتلك علماً وخبرة ومعرفة كبيرة جداً ويحظى باحترام كبير من المشاركين. وتعلمت ألا أحكم على أحد بناء على المظهر.

لكن تاجي فرفار هو نموذج لجيل من حماة البيئة الذين عملوا في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، في أصعب ظروف حماية الطبيعة سياسياً واقتصادياً. وهم قضوا سنوات وشهوراً في مواقع معزولة وظروف عمل صعبة، ما جعل خياراتهم الشخصية محصورة وأعطاهم مظهراً يشبه إلى حد كبير “الهيبيين”، ولكن ليس لأسباب تتعلق بالتمرد على المجتمع بل نتيجة الرغبة في بساطة العيش والملبس والتركيز على الإنجاز في العمل. الغالبية العظمى من خبراء ونشطاء البيئة من ذلك الجيل لم يمثلوا أي مرجعية في الأناقة أو “الموضة” أو التميز الاجتماعي. لكن هذه الحال تغيرت في السنوات الماضية.

مع تطور مفهوم حماية البيئة من قضاء الساعات الطويلة في البراري والصحارى والغابات إلى نشاط القطاع الخاص والمجتمع المدني والإعلام، ودخول مفهوم “الاستدامة” إلى قاموس حماية البيئة، نشأ جيل جديد من الناشطين والمختصين ولاسيما الشباب ممن أصبحت حماية البيئة بالنسبة إليهم ذات ميزة جاذبة حتى على المستوى الاجتماعي.

أن تكون من حماة البيئة في هذا العصر يعني أن تكون صاحب شخصية فريدة وجذابة ومتواصلاً مع عدة فئات في المجتمع والقطاعات الاقتصادية، ومشاركاً في نشاطات اجتماعية ومؤتمرات وورش عمل وشبكات من العلاقات العامة وفرص عمل جيدة برواتب مغرية وضمن عدة تخصصات. الجيل الجديد من حماة البيئة من الشباب والصبايا يتميز بالأناقة والذكاء الاجتماعي، وبحسب المصطلح المتداول cool في الأوساط الاجتماعية المختلفة. لقد ذهبت إلى غير رجعة حالة الملابس الرثة وشظف العيش الذي أصبح مقتصراً على بضعة باحثين ميدانيين يصرّون على إبقاء صورتهم “الفوضوية” السابقة.

ليس في هذا الأمر ما يعيب سواء من ناحية الناشطين الأنيقين أو الفوضويين، فالجميع يعمل على الهدف نفسه ولكن بطرق مختلفة. من المهم أن تصبح حماية البيئة ذات مواصفات جذابة للشباب العصري الذي يطمح إلى مهن مجزية مالياً واحترافياً واجتماعياً، لأن ذلك يعني أيضاً دمج البيئة في القطاعات الاقتصادية الرئيسية. دور حماة البيئة الأنيقين في المجتمعات العربية بات مهماً في هذا الزمن، ونتمنى لهم كل التوفيق، ولا بأس علينا نحن المعتادين على سراويل الجينز والقمصان الخفيفة والأحذية الميدانية الثقيلة وحقائب الظهر والقبعات الواقية من الشمس، فالزمن بدأ يتغير!

العدد 4409 - الخميس 02 أكتوبر 2014م الموافق 08 ذي الحجة 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً