قبل أن تتخذ بطولة العالم لسباقات الفورمولا ،1 أو الجائزة الكبرى "غران بري" طابعا تنظيميا دوريا، بحيث تجري كل عام بطولة كاملة تحتوي على سباقات متعددة وتضم تقريبا معظم الدول الكبرى في الكرة الأرضية، كانت تلك الهواية إذا جاز التعبير تتضمن سباقات متفرقة تجرى في دول مختلفة من دون أي رابط فيما بينها. لذلك شكل كل سباق حدثا وبطولة بحد ذاتها ويمكننا تقسيم بروز بطولة الجائزة الكبرى إلى قسمين: الأول ما قبل العام 1950 والثاني ما بعد العام .1950
عرفت مرحلة ما قبل العام 1950 سباقات متفرقة غير نظامية كانت في تلك الفترة حكرا على شركات السيارات الكبيرة مثل مرسيدس، أوتو يونيون، الفاروميو، مازيراتي وفيراري، إلى جانب عدد محدود جدا من الفرق الصغيرة أو المشاركين المنفردين وهم غالبا ما كانوا من الأثرياء في العالم بحيث كانوا يشاركون إرضاء لهوايتهم وعشقهم لرياضة السيارات السريعة وحبا وطمعا في البروز والتألق داخل مجتمعاتهم. ولم تكن تخضع تلك السباقات غير النظامية لقوانين محددة، بل كانت تتماشى مع متطلبات المرحلة أو المناسبة التي أجريت من أجلها.
أما المرة الأولى التي شهد فيها العالم سباقا بقوة الدفع الميكانيكي فكانت خلال العام 1887 إذ بلغت مسافة السباق 21 كلم وعرف باسم "لافيلو سبيد" ودار حول العاصمة الفرنسية "باريس" وفاز به الكونت غول فيليكس فيليب البير دو ديون وبلغ معدل سرعة سيارته 59 كلم/س.
ومع حلول القرن التاسع عشر بدأت سباقات الطرق تنظم بشكل دوري انطلاقا من باريس. وفي يونيو/ حزيران 1895 جرى أول سباق طرقات حقيقي من باريس إلى بوردو ذهابا وإيابا.
ومع تزايد المنافسات وتعدد السباقات، وضعت أولى القواعد المنظمة لسباقات السيارات، وطبقت العام 1898 في سباق باريس أمستردام باريس. وكان صناع السيارات بدأوا في تلك الفترة إنتاج طرازات أكبر حجما وأكثر قوة، فعمدت تلك القواعد على رغم بساطتها وعدم نضجها، إلى تقسيم السيارات إلى فئتين: الأولى تتضمن سيارات ثقيلة الوزن والثانية تضمنت سيارات خفيفة الوزن. واعتبرت هذه القواعد أن السيارات التي يتعدى وزنها الـ 400 كلغ هي من السيارات الثقيلة الوزن.
العام 1900 عرف العالم أول سلسلة كبيرة من السباقات، عرفت باسم سباقات "غوردن بينيت" التي اعتبرت ممهدة لسباقات "الغران بري". ومنذ البداية شكلت هذه السلسلة تحديا كبيرا لمهارة وبراعة صناع السيارات، إذ اشترطت قوانين تلك السيارات أن يتم تصنيع جميع أجزاء السيارات المشاركة في بلد المنشأ.
وعلى رغم القواعد المتعلقة بالتصميم، فإن تلك الرياضة بدأت تأخذ منحى تصاعديا مختلفا. فقد بدأ تصنيع السيارات بمحركات قوية إضافة إلى أن تلك السباقات بدأت تشكل خطرا على السلامة العامة.
وبعد إيقاف سباق باريس - مدريد العام 1903 بسبب حوادث عدة تعرض لها المشاة على الأرصفة منعت سباقات الطرق، انطلقت هذه الرياضة إلى الحلبات المسيجة والمطوقة على غرار حلبة "إيثي" في إيرلندا الشمالية و"تاونوس" في ألمانيا.
العام 1906 أي بعد ست سنوات على انطلاقة سلسلة "غوردن بينيت"، أفسح المجال لأول سباق حمل اسم الجائزة الكبرى "غران بري" وأقيم في مدينة لومان الفرنسية فاز به المجري فرانسيس سيمز. وكان السباق الصعب والمتطلب فرصة لمشاركة كل من تمتع بكفاءات تؤهله خوض غماره، الأمر الذي دفع بالمنظمين إلى وضع قواعد لمراقبة وضبط السباقات. ففرضوا حدا لوزن السيارة "1000 كلغ".
مقابل ذلك وجد الصناع أن عملية إنتاج سيارات خاصة بالسباقات باتت مكلفة فخفت وهج تلك السباقات في أوروبا وأخذت في التضاؤل. إلا أنه في العام 1911 وحين أدخل الأميركيون على تلك الرياضة سباق 500 ميل في إنديانابوليس الشهير، عادت سباقات الغران بري لتنتعش من جديد في القارة الأوروبية.
وعلى رغم إعادة إحياء سباقات الغران بري الفرنسية العام ،1912 فإنها لم تتطور في فرنسا إلا بعد الحرب العالمية الأولى إذ حذت دول أوروبية أخرى حذوها وبدأت بتنظيم هذه السباقات من بينها بريطانيا، التي شيدت حلبة بروكليندز الخاصة بالسباقات.
وعرفت رياضة السيارات العام 1933 حدثا مهما تمثل في ولادة سباق 24 ساعة في لومان وبعدها بأربع سنوات، أي في العام ،1937 اتجهت الأنظار إلى سباق ميللي ميليا الإيطالي "1000 ميل" الذي فاقت شهرته سباقات الطرقات الأخرى.
ومقابل النزال المكشوف على الحلبات دار تنافس مستتر بين الصناع على إنتاج أفضل السيارات تميزا في الأداء والمتانة والقوة وشهد ذلك التنافس ولادة سيارات تركت بصماتها على الحلبات. فلا شيء في تلك الفترة كان يضاهي أناقة وسرعة سيارات بوغاتي طراز 35 الذي أنتج العام 1934 وحقق على الحلبات ما يقارب الـ 200 فوز.
وساعدت السيارات المتمايزة على إيجاد سائقين مميزين. وكان البريطانيان الثريان اللورد هاو والسير جيفري بيركين من بين عدد من الأرستقراطيين الذين جربوا حظوظهم في هذه الرياضة. إلا أن السائقين المجليين قدموا من البلدان الأوروبية الأخرى شأن لويس شيرون القادم من فرنسا والألمانيين رودولف كاريشيولا وهيرمان لانغ. وإذا كان هؤلاء الثلاثة اعتبروا من السائقين الطليعيين على الحلبات قبل الحرب العالمية الثانية، فان الإيطالي تازيو نوفولاري، الذي اعترف أنزو فيراري بفرادته وتميزه بأن الحلبات لن تشهد مثيلا له أبدا، كان أبرعهم وأفضلهم.
إن التقدم التقني الكبير الذي أحرزه الصناع في إنتاج سيارات ضخمة ذات محركات كبيرة الحجم وقوية، حذا بمنظمي السباقات إلى التشدد في الأنظمة المعمول بها. ففي العام 1921 حددت الأنظمة سعة المحركات بثلاثة ليترات ومن ثم عادت في العام 1922 وخفضت السعة إلى ليترين. والعام 1925 تم الاستغناء عن الفني المرافق لسائق السيارة أثناء السباق وقد كان ذلك ضروريا في تلك الفترة لأسباب تتعلق بالسلامة العامة. أما العام 1926 فتم خفض سعة المحرك المسموح باستعماله في سباقات الجوائز الكبرى إلى ليتر ونصف الليتر. وبعدها بعامين أضيفت فئة جديدة إلى السباقات عرفت باسم "فورمولا حرة" إذ لا تتحكم الأنظمة بسعة المحرك.
وأعيد العمل العام 1938 بالأنظمة التي تحد من حجم المحركات المزودة بشاحن ليصبح 3 ليترات فقط. أما المحركات غير المزودة بشاحن فحددت سعتها بأربعة ليترات ونصف الليتر. وبعد الحرب خفضت سعة المحرك المزود بالشاحن إلى ليتر ونصف الليتر.
وأدخلت العام 1947 على رياضة السيارات سلسلة من السباقات الجديدة عرفت بالفورمولا 2 وكان الهدف منها إفساح المجال أمام هواة تلك الرياضة من الشباب الذين لا يملكون القدرة على دخول معترك سباقات الغران بري للمشاركة في السباقات. وتدريجيا أصبحت هذه السباقات بمثابة "حضانة" لمن أصبحوا فيما بعد من أهم سائقي الفورمولا .1 أما القيود التقنية على الفورمولا 2 فقد كانت تقضي بأن تكون سعة محرك السيارة غير المزود بشاحن 2000 سنتم 3 أو 500 سنتم 3 للمحرك المزود بشاحن.
المنامة - الوسط
الحدث الأهم الذي عرفته رياضة السيارات كان إعلان الاتحاد الدولي للسيارات "فيا" العام 1950 إقامة بطولة العالم لسباقات الفورمولا .1 ففي 10 ابريل/ نيسان 1950 فاز السائق الأرجنتيني خوان مانويل فانجيو على متن سيارة مازيراتي في سباق غران بري "باو"، وهو أول حدث أطلق عليه تسمية سباق الفورمولا 1 الدولي. وبعد شهر واحد استضافت حلبة سيلفرستون البريطانية في 13 مايو/ أيار أول سباق غران بري للفورمولا 1 ضمن إطار جولات بطولة العالم. وفاز في الحدث السائق الإيطالي جيوسيبي فارينا على متن سيارة الفاروميو. ومن سيلفرستون، التي كانت مطارا حربيا خلال الحرب العالمية الثانية، بدأت حقبة تاريخية جديدة في رياضة السيارات.
واعتبر ذلك العام بمثابة نقطة تحول في تاريخ سباقات الغران بري أو الجوائز الكبرى حتى يومنا هذا. وأخذت ترتسم ملامح نظامية لهذه البطولة التي رأت النور يوم ذاك. لتنظم بداية بطولة للعالم احتسبت للسائقين ومن ثم للصانعين منذ العام .1958 ومنذ تلك الفترة حتى اليوم تغيرت القوانين والمواصفات التي ترعى هذه البطولة مرات عدة في محاولة لخفض السرعة وتفعيل السلامة وخفض النفقات، وأيضا لجعلها تتماشى مع متطلبات العصر التقنية والفنية.
أما بطولة السائقين التي اعتمدت بمفردها في البداية، فقد استحوذت على أهمية كبرى من قبل المنظمين والجمهور على حد سواء نظرا إلى تركيزها على العنصر البشري في هذه الرياضة. أما بطولة الصانعين فشهدت صراعا وأحيانا مستميتا بين صانعي سيارات الفورمولا 1 ومحاولاتهم الحثيثة للفوز بلقب البطولة.
ومنذ تاريخ تنظيم بطولة العالم للفورمولا 1 وحتى اليوم، أي ما بين العامين 1950 و،2004 بلغ عدد سباقات الجوائز الكبرى 733 سباقا وكان عددها يرتفع في كل عام عن العام الذي سبقه، نظرا إلى التزايد الملحوظ في شعبية هذه البطولة إذ تهافت المشاركون والصانعون على المشاركة فيها.
وخلال حقبة الخمسينات تراوح عدد السباقات بين 7 و8 خلال كل موسم وفي حقبة الستينات ارتفع العدد ليتراوح بين 9 و12 سباقا، أما حقبة السبعينات فقد عرفت عددا كبيرا من السباقات وصلت إلى 17 سباقا، بينما شهد العام 2004 تنظيم 18 جولة وهو رقم قياسي بعد انضمام كل من البحرين والصين إلى الروزنامة العالمية، بينما سيعرف العام 2005 تنظيم 19 جولة وهو رقم قياسي جديد، بعد انضمام سباق جائزة تركيا الكبرى إلى عداد جولات البطولة
العدد 908 - الثلثاء 01 مارس 2005م الموافق 20 محرم 1426هـ