فتحت السيرة الذاتية للمغامر المصري حافظ نجيب ـ البطل الحقيقي لقصة المسلسل التلفزيوني «فارس بلا جواد» ـ الباب واسعاً أمام محاكمة ما يعرف بـ «بروتوكولات حكماء صهيون» في مصر، وتحولت ردود الفعل الغاضبة أو المؤيدة حول المسلسل من مجرد «نقد فني لمسلسل ضعيف المستوى ولم يرق الى مستوى الضجة التى اثيرت حوله» الى محاكمة نقدية وفكرية لـ «البروتوكولات» والحركة الصهيونية في العالم في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفجر المفكر المصري البارز عبدالوهاب المسيري مؤلف «الموسوعة الصهيونية» الأشهر بين موسوعات عربية علمية صدرت في القرن الفائت مفاجأة من العيار الثقيل، إذ يوجه حالياً نقداً لاذعاً لفكرة المسلسل، في وقت وصف فيه آخرون القائمين على انتاج المسلسل على هذا النحو بأنهم كانوا «مثل (الدُّبَّة) التى قتلت صاحبها، عندما أرادت أن تهش ذبابة وقفت على وجهه فقتلته». واعتبر المسيري الجدل الدائر حالياً حول البروتوكولات لا يصب إلا في صالح الصهيونية العالمية، لافتاً الى عدة دلائل تشير بوضوح الى أن قصة «بروتوكولات حكماء صهيون» ليست سوى خدعة أو وثيقة مزورة كونها لم تتضمن شيئاً من المصطلح الديني اليهودي، ولم تستخدم أية كلمات عبرية أو يديشية، مرجحاً أن يكون نشر البروتوكولات «تم بإيعاز من الشرطة السياسية الروسية للنيل من الحركة الثورية الليبرالية، ومن أجل زيادة التفاف الشعب حول القيصر والارستقراطية والكنيسة، بتخويفهم من المؤامرة اليهودية الخفية العالمية». وتقع البروتوكولات ـ البالغ عددها أربعة وعشرين بروتوكولاً ـ في نحو مئة وعشرين صفحة، ونُشرت لأول مرة في العام 1905 كملحق لكتاب من تأليف سيرجي نيلوس وهو مواطن روسي أدّعى أنه تسلم المخطوطة في العام 1901 من صديق له حصل عليها من امرأة تدعى مدام «ك» ادّعت ـ بدورها ـ أنها سرقتها من أحد أقطاب الماسونية في فرنسا، لكن نيلوس نفسه أخبر أحد النبلاء الروس وقتها بأن هذه المرأة أخذتها من رئيس البوليس السري الروسي في فرنسا، بعد أن أخبرها أنه هو الذي سرقها من أرشيف المحفل الماسوني. ولاقت «البروتوكولات» رواجاً كبيراً بعد نشوب الثورة البلشفية، وانتقلت إلى غرب أوروبا في العام 1919، بواسطة بعض المهاجرين الروس، لكنها لم تبلغ قمة رواجها إلا في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين، عندما حاول الألمان تبرير هزيمتهم بأنها «طعنة نجلاء من الخلف قام بها اليهود المشتركون في المؤامرة الكبرى». وأصبحت «البروتوكولات» أكثر الكتب رواجاً في العالم بعد الإنجيل، إذ تُرجمت إلى معظم لغات العالم ومن بينها العربية، وحظيت باهتمام مشتغلين بالتأليف والإعلام أشاروا إليها باستحسان كبير كونها «وثيقة ذات شأن» غير أن أيّاً من مراكز الدراسات العربية لم يعرها اهتماماً. ويتساءل المسيري: «إذا كانت البروتوكولات وثيقة سرية، فلماذا لم يكتبها حاخامات اليهود بالعبرية، أو الآرامية أو اليديشية ليضمنوا عدم تسربها على هذا النحو»، مشيرا إلى أن كثيراً من يهود روسيا «كانوا حينئذ يتحدثون اليديشية ولا يعرفون لغة غيرها». ويدلل المسيري على ذلك بأن الموضوعات الأساسية المتواترة في البروتوكولات موضوعات روسية بحتة، كما أنها تتضمن دفاعاً عن الاستبداد المطلق، وما يسمى بـ «الأرستقراطية الطبيعية الوراثية» فضلا عمّا تنطوي عليه من هجوم شرس على الليبرالية والاشتراكية، وكلها أمور «تبيّن أن اهتمامات كاتبها كانت روسية محضة، وتعكس رؤية الطبقة الحاكمة الروسية في السنين الأخيرة من نظام الحكم القيصري». وتبدو نبرة «البروتوكولات» ساذجة للغاية، وهو ما يرجّحه المسيري أن يكون كاتبها الذي زيفها «لا يجيد التزييف» مشيرا إلى أنه حاول أن يبين الخطر العالمي لليهود، وحتى يعطي وثيقته درجة من الصدقية جعل «حكماء صهيون» يتحدثون عن الخطر اليهودي حتى يبدو الأمر كله وكأنه «شهد شاهد من أهلها»، ويدلل المسيري على ذلك بما تضمنته الصفحة الأولى من البروتوكول الأول عندما ينطق حكيم صهيون قائلاً: «يجب أن يلاحظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عدداً من ذوي الطبائع النبيلة»، وهي ملحوظة تبيّن الشر المتأصل في صاحبها، ويتساءل المسيري: «لماذا يصر كبير حكماء صهيون على نقل هذه الآراء لحكماء صهيون؟ أليس كل الحاضرين من الأشرار الذين لا توجد شبه في شرهم؟». ويشير المسيري إلى أن واضع البروتوكولات حاول أن يضخم اليهود وقوتهم ليخيف الناس منهم فيجعلهم ينسبون لأنفسهم في البروتوكول الثاني كل شر إذ يقول: «نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتّبناه من قبل»، لكنه ينسى نفسه بعد قليل وتتبدل النبرة، إذ يبدأ اليهود في توجيه الاتهامات لأنفسهم في البروتوكول الثاني نفسه «من خلال الصحافة اكتسبنا نفوذنا، وبقينا نحن وراء الستار، وبفضل الصحافة كدّسنا الذهب، ولو أن ذلك سبب أنهاراً من الدم». ويقول المسيرى: «هذه في الواقع عريضة اتهام موجهة للذات، فلماذا يكلف كبير الحكماء خاطره ليقدمها لبقية أعضاء المجتمع الذين يعرفون ذلك مسبقاً؟ ولماذا يصر على أن يخبرهم في البروتوكول الثالث أن «أسرار تنظيم الثورة الفرنسية معروفة لنا جيداً، لأنها من صنع أيدينا، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم قدماً من فشل إلى فشل»! ويعتبر المسيري «البروتوكولات» ليست نقداً لليهود، بمقدار ما هي تعبر عن إحساس الإنسان الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر بأزمته، وبقدر ما هي تعبير عن إدراكه السطحي المباشر لها بعد تزايد معدلات العلمنة في الغرب وبعد تفكك المجتمع التقليدي الذي كان يوفر له قدراً كبيراً من الطمأنينة، حتى وإن سلبه حريته وفرصه في الحراك الاقتصادي، ويقول المسيري إن المجتمع الذي يحاول اليهود فرضه على العالم حسبما جاء في البروتوكولات «ليس عالماً شريراً بشكل شيطاني ميتافيزيقي، وإنما هو في الواقع العالم الغربي الصناعي الذي سادت فيه قيم العلمنة والنفعية». والفكرة الأساسية في «البروتوكولات»، هي فكرة الحكومة اليهودية العالمية بينما المعروف تاريخياً أنه لم تكن هناك سلطة مركزية تجمع سائر يهود العالم بعد تحطيم الهيكل على يد بختنصر في العام 586 ق.م، وذلك بسبب طبيعة الوجود اليهودي في العالم، إذ انتشر اليهود على هيئة أقليات دينية لا يربطها رابط قومي، وقد كان لكل أقلية محاكمها وهيئاتها الخاصة التي تقوم برعاية شئونها، ولكن اليهود لا يختلفون في ذلك عن أية أقلية دينية أو جماعة وظيفية أخرى. ويتساءل المسيري: «هل للجماعات اليهودية في العالم من القوة ما يمكنها من تنفيذ هذا المخطط الإرهابي العالمي الضخم؟». ويقول: «الدارس لتواريخ الجماعات اليهودية يعرف أنها كانت دائماً قريبة من النخبة الحاكمة، لا بسبب سطوتها أو سلطانها، وإنما بسبب كونها أداة في يد النخب، ولأنها لم تكن قط قوة مستقلة أو صاحبة قرار مستقل». ويرى الخبير البارز في الدراسات الإسرائيلية أن الإشارة إلى البروتوكولات واستخدامها في الإعلام المضاد للصهيونية «أمر غير أخلاقي» لأنها وثيقة مزورة، مشيراً الى أنه «لا توجد دراسة علمية واحدة، سواء بالعربية أو بغيرها من اللغات، تثبت أنها وثيقة صحيحة»، ويضيف: «حتى ولو كانت (البروتوكولات) وثيقة صحيحة، فإن من يستخدمها يفقد صدقيته وفاعليته أمام الرأي العام الغربي الذي لا يؤمن بصحتها، كما لا يمكن إثبات أن هذه الوثيقة تعبر تعبيراً حقيقياً عن دوافع غالبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، أو أنهم يأخذون بها كوثيقة ملزمة تحدد سلوكهم وأهدافهم». وبسبب السمعة الشائنة للبروتوكولات، فإن الصهاينة يصفون أي نقد موجه إليها بأنه وقع في أحابيل «البروتوكولات». ومن الطريف أن هناك وثائق يتداولها بعض أعضاء الجماعات اليهودية تحتوي على آراء أكثر تآمرية من البروتوكولات مثل ما يسمى «كتاب التربية» الذي يوزع في «إسرائيل» في الوقت الحالي، كما يحوي التلمود وتراث القبالاه (كتابات يهودية لا شك فيها) مقطوعات عنصرية إلى أقصى درجة، ولكن يبدو أن مروجي البروتوكولات لا يعرفون عنها شيئاً، وهي على كلٍّ، كتابات لا يعرف عنها معظم أعضاء الجماعات اليهودية بدورهم شيئاً، ولا يتداولها في الغالب إلا بعض العنصريين الموجودين في كل المجتمعات وبين أتباع كل العقائد. ويشير صاحب موسوعة «اليهود والصهيونية» الى رأي يذهب إلى أن الصهاينة يقومون بالترويج لهذه البروتوكولات لأنها تخدم المشروع الصهيوني الذي يهدف إلى ضرب العزلة على اليهود وتحويلهم إلى مادة خام صالحة للتهجير والتوطين في فلسطين المحتلة، ويقول أن كثيراً من الافتراضات الكامنة في البروتوكولات مثل «الشعب اليهودي» و«الشخصية اليهودية» و«المصالح اليهودية» هي جميعاً افتراضات صهيونية أساسية والهجوم عليها هو في واقع الأمر تسليم غير مباشر بوجودها، وسواء أكان هذا الرأي الأخير صحيحاً أم كاذباً، فإن ترويج البروتوكولات يخدم المصالح الصهيونية من الناحية العملية، ويتم الآن في العالم العربي، تداول كم هائل من الكتابات «مثل أحجار على رقعة الشطرنج وغيرها» كل هدفها إشاعة الخوف من اليهود والصهيونية بتبني رؤية بروتوكولية تنسب إلى اليهود قوة عجائبية. ويساهم بعض أعضاء النخب الحاكمة في الترويج لهذه البروتوكولات لتبرير العجز العربي والتخاذل أمام العدو الصهيوني من دون أن يدركوا أنهم بهذا إنما يخدمون مصلحة العدو. ويلفت المسيري إلى تصريحات صدرت قبل سنوات عن المعلق السياسي الإسرائيلي يوئيل ماركوس في صحيفة «هاآرتس» تشير إلى أن كثيراً من الدول باتت تغازل «إسرائيل» وتحاول أن تخطب ودّها، نظراً لأن حكام هذه الدول يؤمنون بأن البروتوكولات وثيقة صحيحة، وأن ما جاء فيها هو المخطط الذي يتحقق في العالم والذي سيؤدي إلى سيطرة اليهود، وأن اليهود يتحكمونـ بالفعل ـ في رأس المال العالمي وفي حكومة الولايات المتحدة، ومن ثم فالطريق إلى المعونة الأميركية يمر من خلال اللوبي الصهيوني والدولة الصهيونية، ويضيف ماركوس معلقاً على هذه المفارقة: «إن البروتوكولات بسبب أثرها هذا الذي يولِّد الرهبة في النفوس ويدفع الناس لمغازلة إسرائيل واليهود» تبدو كأن الذي كتبها لم يكن شخصاً معادياً لليهود وإنما يهودي ذكي يتسم ببعد النظر.
العدد 89 - الثلثاء 03 ديسمبر 2002م الموافق 28 رمضان 1423هـ