العدد 5368 - الخميس 18 مايو 2017م الموافق 22 شعبان 1438هـ

من أخلاقيات الإسلام

أفردت العلوم الإنسانية مساحة واسعة في دراسة علم الأخلاق، الذي يعتبر القاعدة الأساسية الرصينة في بناء مجتمع متماسك، يأخذ على عاتقه مسئولية قيادة الأمة أخلاقياً، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً في آن. لم تكن هناك فضيلة يزدلف بها الإنسان إلى ربه ومجتمعه سوى الأخلاق التي تحوي من معان وقيم لا حصر لها. لا يربأ مجتمع إلا إذا اتصف بها، وقد امتدح خالق الكون ومبدع الكائنات الرسول محمداً (ص) بأحسن صفة يتحلى بها إنسان بقوله «وإنك لعلى خلق عظيم» فما أسمى هذا الخلق العظيم، عندما تذكر المبادئ والقيم. و ما أعظم صاحبه وأكرم منزلته عندما توزن الرجال بميزان الفضائل.

من معاني الأخلاق الأمانة، التسامح، الشجاعة، الكرم وحسن التعامل مع الآخرين وهي بيت القصيد.

أما اللا أخلاقية - أي التجرد من الفضائل - فإنها تقود إلى الكذب، والرياء (وما أكثره في مجتمعاتنا)، الحسد، و النميمة، الاغتصاب، السرقة، الرشوة، الغش والتزوير والخيانة والتجسس وارتكاب جميع أنواع الرذائل والموبقات، وهذه كلها متفشية في مجتمعاتنا مع الأسف. أما آفة النفاق والمجاملات فهي فاكهة أبناء زماننا.

فالمحروم من نعمة الخلق النبيلة - على عكس صاحب الأخلاق الفاضلة - إذا قال كذب، وإذا وعد لم يف بوعده (وخصوصاً إذا فيها دفع دراهم) وإذا باع غش، وإذا أحب لم يخلص وغيرها الكثير. ليس عندنا إيفاء بالوعد إطلاقاً، نعد ولم نفِ كأننا أبناء عرقوب كما كان مضرب المثل عند العرب.

ثم إن الإنسان أناني بطبعه، ونتيجة لذلك تراه يعيش لنفسه أبداً، يرى التمسك بالفضيلة سخافة، ويعتبر القيم المعنوية لا تستحق الاهتمام . ولسان الأناني دائماً مسلط عليك إن لم تقض حاجته. سأل الإمام أحمد بن حمبل حاتم الأصم، وكان من الحكماء قال: كيف السبيل إلى السلامة من الناس؟ فأجاب: تعطيهم مالك ولا تأخذ مالهم، ويؤذونك ولا تؤذيهم، وتقضي مصالحهم ولا تكلفهم بقضاء مصالحك! قال إنها صعبة يا حاتم فأجاب: وليتك تسلم... تراه لو عاش في هذه الأيام السود ماذا يقول؟

أما الإنسان صاحب الخلق يثق بنفسه، ويعتمد عليه من جهة، ويوثق به ويعتمد عليه من جهة ثانية، لأن صاحب الأخلاق يتمتع بمزايا حميدة، لا يتمتع بها غيره، فهو صادق وعفيف اليد والقلب واللسان والجنان. ومن المؤكد لا يمكن لأمة أن تبني مجداً تليداً إلا يوم كانت الفضائل عندها موفورة، يوم كانت المثل العليا تسير كتفاً إلى كتف مع القلوب العامرة بالإيمان والسواعد المفتولة والخطط المحكمة.

بعدما بعث نبي الرحمة محمد (ص) في شبه الجزيرة العربية أصبح العرب موحدين بعدما كانوا متفرقين شيعاً وقبائل، القبيلة القوية تفتك بالضعيفة، لا عقيدة دينية تجمع شملهم ولا رابطة زمنية تربط بينهم، فكان مايهم الإسلام روحاً جديدة وعزماً جديداً مضافاً إلى ما كانوا العرب يتحلون به من صفات حميدة، كالذكاء الفطري والشهامة والشجاعة وإكرام الضيف والمروءة والنجدة والإباء. بعد ما وحدهم الرسول الأكرم، ودشن أول حكومة إسلامية في المدينة المنورة قامت على العدل والأخلاق، جمع فيها الأمة على مختلف انتمائهم وعرقهم تحت ميثاق واحد يسمى «وثيقة المدينة «، وحقن الدماء ونزع الخلافات وقويت معنوياتهم، وارتفع مستواهم الخلقي، وأصبح في حالة يستطيعون معها الجهاد.

فلما عادوا إلى عصبيتهم القبلية السابقة، وتخلوا عن مكارم الأخلاق، وانغمسوا في الترف والنعيم و ملذات الدنيا، قوضتها رياح الرذيلة وذهبت بها مباهج الترف وزعزعتها رياح الظلم، وعواصف الطغيان انقسموا إلى دويلات ودويلات، ولم يلبثوا إلى أن دخلوا في عصر الانحطاط، وخضعوا طويلاً ولا زالوا للمستعمرين الغربيين لنهب ثرواتهم، وتدمير حضاراتهم، والانتقاص من قاداتهم حلت بهم النكسة تلو الأخرى.

و من الطريف أن نذكر ما جاء في كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري في الجزء الثاني - كتاب قيم يحتوى على طرائف وقصص وآداب العرب وحكمهم - قال أبو الدرداء: لا يحرز الإنسان من شرار الناس إلا قبره. وقال عمر بن عبدالعزيز لمزاحم مولاه: الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها أو فعلاً لا تحبه «فعظني عنده وانهني عنه». إن الدين يبنى بالأخلاق الحميدة لا بالغش والحسد والتهميش والعنف، وانتهاك حقوق الآخرين، وسلب ثروات الشعوب المستضعفة - يقول شاعر النيل حافظ:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وقال شوقي:

ولا المصائب إذ يرمى الرجال بها

بقاتلات إذا الأخلاق لم تصب

وقال أيضاً في شرح البردة:

صلاح أمرك بالأخلاق مرجعه

فقوم النفس بالأخلاق تستقم

علوي محسن الخباز

العدد 5368 - الخميس 18 مايو 2017م الموافق 22 شعبان 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً