العدد 5368 - الخميس 18 مايو 2017م الموافق 22 شعبان 1438هـ

أرض السنابل

سنبلة نبتت على شرفات القهر، تمسح الدمع المنسكب كشلالات من أعين المعذبين، تداعب خلايا الحزن المستشرية في قلوب المكلومين، تنام على خد اليتم وحيدة فتصحو قبائل من أنجم، وكواكب من نور.

غزتهم جيوش الحقد في ظلمة إحدى الدهور، ضربتهم بمعاول غلِّها الدفين، وفؤوس شرِّها المستطير؛ كي تخلعهم من تربتهم الخضراء، وتقطع رؤوسهم اليانعة؛ لم تعد تقوى على رؤية السنابل الشقراء تحتضنها الأرض، تعانقها السماء، تلثمها بآلاف القبلات غيمات كانون.

لم تترك للريح الماجنة فرصة دك أسوار المدينة، ونثر ضفائرها المجنونة على رؤوس الشياطين، وتفتيت القلوب الشقراء، وبعثرة ما في أفئدتها من حبوب.

لمَ كل هذا الخوف من سنبلة برية نبتت صدفة على شرفة أحد المقهورين؟!

من أن تملأ الكون سنابلَ تشرق الشمس من عينيها، وينام على كتفيها قمر تشرين؟!

أم أن الحقد لم يتسع مداه، ويمتد أفقه، لتتربع غطرسة الشتاء في أحضانه؛ فيشير إليه بطرف خفيِّ ليحصد البراعم الخضراء قبل أن يصبِّح عليها ربيع؟!

أو ربما ساورته بعض الشكوك في مدى بطش الريح حين تنتابها ثورات الجنون فتفجر براكين الغضب، وتحرق بشرارة عمياء كل الحقول؟!

أم أنه يعلم علم اليقين أن هذه الريح العاتية، المزمجرة، المعربدة، لابد أن تنحني أمام جيد سنبلة يتمايل نحو الشمس بحب طهور؛ فتسدل خيوطها الأرجوانية على خاصرته، تغمره بكفيِّن من ضياء بهيج فيضحك وجه النهار بعد طول عبوس، وتزول تجاعيده المكفهرة من بطش القطيع.

أم أنه خاب ظنه في معاول الشيطان وفؤوس الحديد أن تقتلع حبة واحدة من حبوب سنبلة اختارتها السماء، وتوجتها أميرة على شرفات المنكوبين؛ لتثر الدفء والآمن في قلوبهم، لتبث الأمل في نفوس مقهورة تحيا منذ أزمان بعيدة على طيف سنبلة ينبلج عنها الضوء فتلوح من أفقها حبال فجر جديد.

ميساء بشيتي

العدد 5368 - الخميس 18 مايو 2017م الموافق 22 شعبان 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً