فتحت أنباء إصدار وزير العدل والشئون الإسلامية الشيخ خالد بن علي آل خليفة مؤخرا تعديلا على قراره السابق بشأن ضوابط الخطاب الديني باب الجدل مجددا في ساحة الخطابة، وذلك إثر تحويله من الصفة الإلزامية إلى الإرشادية.
وأثار هذا القرار حفيظة بعض الخطباء بين معارضٍ ومؤيدٍ للضوابط من أصلها، فالبعض اعتبرها بادرة للهيمنة والوصاية على المساجد والمآتم بكل معنى الكلمة، في حين أكد البعض الآخر الحاجة الملحة إليها في ظل وجود الكثير من الخطابات الشاذة والبعيدة أصلا عن الدين والخطابة المنطقية.
وبناء على ذلك، اتضح أنه لم تسفر جهود رجال الدين والنواب والوجهاء عبر الاجتماعات واللقاءات التي عقدوها مع كبار المسئولين في وزارة العدل والشئون الإسلامية وعلى رأسهم الوزير، عن أية نتائج إيجابية توافقية حتى بعد إعطائها صفة الإرشاد بعد الإلزام، وخصوصا مع الفئة المعارضة باعتبارها ترفضها جذريا.
وتبنت وجهات نظر بعض الخطباء اتجاهات مختلفة بشأن الضوابط وقرار تحويلها لصفة الإرشاد، فورد اقتراح بتشكيل لجنة لمراجعة الخطابات تابعة لوزارة العدل أو أية جهة رسمية أخرى، وذلك لوجود خطابات شاذة وغير منطقية على مسمع ومرأى الجميع. في حين ورد توجه آخر بشأن اعتماد الدين والسنة المرجع الأول والأخير لتحديد نوعية وفحوى الخطاب نفسه.
من جانبه، أصر المجلس العلمائي الإسلامي على موقفه الرافض لهذه الضوابط سواء كانت إلزامية أو إرشادية.
وقال رئيس المجلس سيد مجيد المشعل «نحن نرى وزارة العدل ليست المسئولة أصلا عن إصدار هذه الضوابط، باعتبار أن ما في الإسلام من ضوابط كافية للالتزام بالخطاب الديني الحق، وهو ما نراه أصلا في خط العلماء المحايدين الذين يلتزمون بالحدود وفقا للشريعة الإسلامية».
واعتبر المشعل أن المرجعيات الدينية، عانيا رجال الدين والقرآن والسنة النبوية هي المصدر والمسئول الوحيد عن ترتيب هذه الخطابات، وذكر أن فحوى رفضنا لهذه الضوابط ليست في مسألة إلزاميتها أو إرشاديتها».
ووفقا لرئيس المجلس العلمائي، اعتبر أن النتائج الإيجابية لتحويل الضوابط من الإلزامية إلى الإرشادية أمرا مبهما وغير واضح الهدف، متسائلا عن المحصل الواضح بين هذين المعنيين.
وشدد المشعل على ضرورة أن تكون المساجد والمآتم ليست منضوية تحت سيطرة أي هيمنة أو توجيه، وقال: «نحن نؤكد مجددا على أن المرجعية لتنظيم الخطابة هي الدين نفسه، وبعده رجال الدين الكبار. كما أننا نؤمن بأن تكون المساجد والمآتم تابعة لتوجهات الدين، وأن تكون مستقلة عن المؤسسات الرسمية في أدائها ووظيفتها الدينية»، لافتا إلى أن «الأمر مرفوض سواء كانت هذه الجهة رسمية أم غير رسمية، فالدين نفسه كما أشرت هو الذي يوجه خطابه بناء على القرآن والسنة».
وأضاف «أعتقد أن تعديل القرار وإعطائه الصفة الإرشادية وأي تغير حدث فيه، هو نتيجة ضغط العلماء الذين يرفضون أية هيمنة أو وصاية».
وجاءت تصريحات رئيس المجلس العلمائي تضامنا مع ما تناولته خطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها الشيخ عيسى قاسم في جامع الإمام الصادق في الدراز، والتي أكد فيها أن «المسجد الحر بخطابه الإسلامي الصادق وغير المكبل، ولا مدفوع الثمن من الحكومات يعيد المسلوب من حقوق الناس، كما أعادها في زمن الإسلام بما يوقظه من عقل ويبثه من وعي ويدعو إليه من صلاح ويثيره من إرادة وعزم وينكره من منكر».
واعتبر قاسم القضاء على الخطاب قضاء على هذا الدين نفسه، مبينا أن «الدين لم يستمر إلا بالخطاب الديني الحر».
وأما الخطيب الشيخ صلاح الجودر، فقد علق على الموضوع مؤكدا على حاجة البحرين حاليا بالذات لمثل هذه الضوابط بغض النظر عما إذا كانت إرشادية أم إلزامية.
وقال: «نحن بحاجة لهذه الضوابط بصورة ملحة في المرحلة المقبلة، لأن هناك بعض الخطابات الشاذة التي من شأنها تعكر الأمن وتثير الحزازيات والمسائل التي يجهل البعض حتى كيفية التعامل معها، وهي غالبا ما تكون غريبة على المواطنين الذين لم يعتادوا عليها مسبقا».
وعلل الجودر دعمه للضوابط معللا بأن الخطيب ليس معصوما عن الخطأ، وهو بحاجة دائما إلى التوجيه وإعادة الترتيب، إلى جانب حثه مراعاة الأمانة وولاة الأمر. وخصوصا أن البحرين شهدت مؤخرا بعض الخطابات التي أثارت الرأي العام وتسببت في حدوث بعض المشكلات التي كانت لن يحمد عقباها لولا تدخل العقلاء.
وفي الوجه المقابل، شدد على ضرورة أن يحصل الخطيب على الحرية في الانفتاح على الطرف الآخر والدعوة للحرية والسعي في إصلاح الفاسد من الأمور وتنبيه المواطنين.
واقترح الجودر أن تهتم وزارة العدل أكثر بهذا الجانب، وأن تكون هناك لجنة لمراجعة الخطاب باستثناء الخطب المنشورة في الصحافة، وذلك إلى جانب وجود نوع من التنسيق والمراجعة مع الخطيب بشأن ما ألقاه.
ونبه إلى أنه يجب ألا تؤخذ هذه الضوابط وكأنها مستهدفة لفئة أو خطيب معين، وبين: «نحن نتمنى أن يكون هناك نوع من الحوار واللقاء بين العلماء الذين يجب أن يكونوا أداة بناء في هذا الوطن».
وفي سؤال لـ «الوسط» عما إذا كان هناك توجه لدى الحكومة للهيمنة على المنابر، أفاد بأن «التوجه وارد، ولكن يجب أن لا نسء الظن في القائمين على هذا المشروع، وبالتالي فإن كل المشروعات التي ستطرح مستقبلا ستكون تحت نظرية المؤامرة والهيمنة، ويجب ألا نضع كل القضايا تحت هذا المجهر، علما أنني أحد الخطباء الذين تضررت من هذه الأمور التي حدثت على الساحة».
وأبدى الجودر استغرابه من اتخاذ الأمر وكأنه قرار خطير، مؤكدا أن بنود الضوابط كلها منطقية وتتجاوب مع العقل والمنطق، ولا تتضمن مؤاخذات».
واختتم حديثه موضحا أنه «يجب أن تكون هناك رزانة في الخطابة، فالمنبر لم يجعل إلا لتطييب النفوس وإزالة ما في الخواطر من أحقاد وغيرها».
أصدر وزير العدل والشئون الإسلامية قرارا جديدا بشأن تعديل القرار السابق الخاص بضوابط الخطاب الديني، واقتضى القرار بتحويل ضوابط الخطابة من الإلزام إلى الإرشاد ضمن 14 بندا رئيسيا.
وشمل القرار الجديد رقم (23) لسنة 2009 على أن يبث الخطيب روح الانتماء للوطن والدفاع عن ثوابته الإسلامية وهويته العربية، واحترام مبدأ المواطنة الصالحة والتعايش المشترك في ظل قيادة جلالة الملك رأس الدولة، والممثل الأسمى لها، والحامي الأمين للدين والوطن، ورمز الوحدة الوطنية، ويسانده في ذلك ولي عهده.
وكذلك مراعاة الخصوصية المذهبية واحترام التعددية تحت مظلة الإسلام وتجنب الخوض في كل ما يثير الطائفية، واتخاذ الوسطية والاعتدال في الطرح منهاجا عاما في الخطب والدروس الدينية وتجنب التعصب للآراء في المسائل الخلافية، والدعوة إلى التسامح والتواصل والحوار واحترام الرأي الآخر. إلى جانب الحث على احترام النفس البشرية وحرمة الدماء والأموال والأعراض بما يحقق الأمن ويعزز الأواصر بين الشعوب والدول. بالإضافة إلى الحث على الوفاء بحقوق الأخوة الإنسانية عامة وحقوق غير المسلمين خاصة وتجنب إطلاق الأحكام التي تمس سلبا بهذه الحقوق.
وتضمنت البنود أيضا، الحث على التفاعل مع الحضارات الأخرى والاستفادة من مجموع التراث الإنساني شرقا وغربا، فيما يكون نافعا وصالحا ومتفقا مع الدين والقيم والتقاليد وملائما لظروف المجتمع. وتجنب الإساءة لأعلام الأمة وشخصياتها الإسلامية قديما وحديثا تلميحا أو تصريحا، وتجنب التعرض للأشخاص والمؤسسات والدول بأسمائها أو صفاتها. وتلافي تعبئة الناس بالفتاوى الداعية للتفسيق والتكفير. والدعوة دائما إلى احترام حقوق الإنسان كما أقرتها الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية. ونصت البنود على تجنب استغلال الخطاب الديني لخدمة اتجاهات سياسية شخصية أو فئوية أو لعمل دعاية انتخابية. والعمل على بث روح التفاؤل والأمل في الحياة والسعي إلى زرع معاني الرحمة والشكر والأمل في الله وعدم اليأس من رحمته. وتجنب التسرع في إصدار الأحكام أو إطلاقها دون استثناء أو تمييز. بالإضافة إلى مراعاة مستويات الناس الثقافية والاجتماعية والتحدث بلغة مفهومة مستندة إلى الأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأقوال آل البيت (ع) والصحابة
العدد 2494 - السبت 04 يوليو 2009م الموافق 11 رجب 1430هـ