يزداد رسوخ الفكرة القائلة بأن الهجوم على العراق هدفه وضع اليد على نفطه. على رغم ان بعض الخبراء يرى ان الذهب الأسود ليس السبب الرئيسي لعملية عسكرية غير محسوبة العواقب ضد هذا البلد. ومع ذلك فإن السيطرة على النفط العراقي تعطي في حال تحققها ورقة استراتيجية في يد الولايات المتحدة، البلد الذي لا تنفصل فيه التجارة عن الاهداف السياسية.
ويقول الاستاذ في مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون الأميركية جان فرنسوا سيزنيك: «لا أعتقد أن النفط هو السبب المباشر وراء السياسة الاميركية حيال العراق، مع ذلك فإن بعض الاوساط في الولايات المتحدة تعتقد ان الحكومة الاميركية ترى ان صدام حسين يريد تطوير ترسانته النووية والبيولوجية بما يمكنه من تخويف المنتجين الآخرين وإرغامهم على اتباع خطه». وتابع: «اذا كان الحال كذلك فلماذا لا يسعى الاميركيون عوضا عن ذلك إلى الارتباط بشكل أوثق بالسعودية». والرد قد يكمن في شعور حكومة بوش بالاحباط وخيبة الأمل من السعودية منذ هجمات سبتمبر/ أيلول الماضي، متضافرا مع الضغوط التي يمارسها الصقور في البتناغون لتهميش هذا البلد وكسر التحالف الاستراتيجي القديم القائم بين البلدين منذ العام 1945، وعلاوة على ذلك فإن الاميركيين بجعلهم انفسهم اسياد الموقف وتهميش السعودية يستطيعون على المدى البعيد عزل ايران وحملها على اتباع سياسية اقل عداء. ومع ذلك فإن شن عمل ضد العراق قد يكون «قفزة إلى المجهول» كما يقول مدير مجلة «البترول والغاز العربي» المتخصصة نقولا سركيس، ويشاركه سيزنيك هذا الرأي اذ يرى انه «إذا تدهور الوضع في العراق فإن المنطقة قد تتحول إلى مستنقع لن يستطيع الأميركيون الخروج منه بسهولة». وهو السيناريو الذي يثير قلق الأوساط النفطية. ويرى سركيس مع ذلك أن «النفط هدف كبير لأن الولايات المتحدة في احتياج مطّرد لاستيراد النفط الذي يتوقع ان يزداد اعتمادها فيه على الخارج والذي يبلغ حاليا 45 في المئة من استهلاكها».
ويضيف «في هذا السياق فان العراق والدول المجاورة له فقط تستطيع تأمين احتياجات الولايات المتحدة التي لا يتمثل هدفها الحيوي في التمكن من شراء النفط فحسب، وإنما ايضا في الحصول عليه بأسعار منخفضة. وهو ما تستطيع تحقيقه اذا توصلت إلى فرض نظام موال للغرب في بغداد وبأي ثمن».
وذكر سركيس بأن هذه المنطقة تضم ثلثي الاحتياطي العالمي، وتغطية نمو الطلب العالمي ستأتي في الجزء الاكبر منها من الشرق الاوسط. ويقدر العراق اليوم قيمة الاستثمارات اللازمة لتنمية قطاعه النفطي ورفع قدرته الانتاجية إلى ستة ملايين برميل يوميا بحوالي 30 مليار دولار. ويقدر احتياطي العراق النفطي المثبت بحوالي 115 مليار برميل مما يضعه في المرتبة الثانية عالميا بعد السعودية ويقول مسئول في وزارة النفط العراقية «انه لولا الخطر لوصلت قدرة العراق الانتاجية إلى ما بين ستة وسبعة ملايين برميل يوميا، وارتفعت قدرته التكريرية 200 ألف برميل يوميا على الاقل».
ويقر سيزنيك بأنه «اذا نجح الاميركيون في السيطرة على العراق ونفطه فمن المؤكد أن دور المملكة العربية السعودية سيهمّش». وقال: «ان الامر يتطلب فقط عشرة مليارات دولار لزيادة الانتاج العراقي بمقدار مليوني برميل يوميا في غضون عام، وأن ذلك سيؤدي إلى هبوط الاسعار بحوالي ثمانية دولارات للبرميل».
واضاف علاوة على ذلك «عندئذ لن يمنع العراق شيء من زيادة انتاجه ليصل إلى حجم الانتاج السعودي نفسه (سبعة ملايين برميل يوميا) وأخْذ الوضع المهيمن الحالي للسعودية في اسواق النفط».
واذا ما نجح الأميركيون في تحقيق هدفهم فان شركات النفط الانجلوسكسونية التي تريد تنمية احتياطاتها النفطية ستكون أول من يصل العراق، السوق التي تغيب عنها الشركات الاميركية منذ مطلع السبعينات كما يقول سركيس. مثل هذه العودة قد تشكل ضربة قاسية للشركات الفرنسية مثل «توتال - الف» التي تنتظر بنفاد صبر للتمكن من تنفيذ مشاريعها النفطية والغازية، وكذلك روسيا التي تقول بغداد انها ستوقع معها اتفاقا اقتصاديا على مدى خمس سنوات بقيمة أربعين مليار دولار يتضّمن شقا نفطيا كبيرا».
(هنري معمر باشي، أ.ف.ب
العدد 4 - الإثنين 09 سبتمبر 2002م الموافق 02 رجب 1423هـ