اتخذت الإدارة الأميركية الحالية بالفعل قرارا بالتدخل في العراق واسقاط نظامه، والجدال الدائر الآن في الساحة السياسية الأميركية والأوروبية حول هذا القرار لا يجب ان يتسبب في قراءة خاطئة للموقف. يتعلق هذا الجدال في غالبيته بالوسائل السياسية والعسكرية الأفضل توظيفها واتباعها لإنجاز الهدف الأميركي ولا يتعلق بالمبدأ. أما تصريحات الرئيس جورج بوش المتكررة عن انه مازال يتداول الرأي حول المسألة فالمقصود بها ان مخططا عسكريا وسياسيا نهائيا لم يتفق عليه بعد، أو ان الرئيس الأميركي لم يضع توقيعه على هذا المخطط ان وجد. وبالتأكيد، ليس لدى الإدارة الأميركية مبررا للاستعجال، فمخطط التدخل، حربا كان أو نصف حرب، لن يجرى تنفيذه إلا في نهاية العام الجاري أو مطلع العام المقبل. ما تحتاجه واشنطن الآن هو التمهيد السياسي، أميركيا وأوروبيا وعربيا ودوليا، وهو عمل قد بدأ بالفعل. الولايات المتحدة، تحتاج إلى هذه الحرب أكثر مما تحتاج إلى تجنبها، تحتاجها لاستعادة القدرة على الردع في الشرق الأوسط، وتحتاجها لإعادة بناء جدر الحماية للدولة العبرية التي سقط الكثير منها خلال الأعوام القليلة الماضية، وتحتاجها لإزاحة قضية الصراع العربي - الإسرائيلي عن قمة جدول أولويات المنطقة.
القرار الأميركي اتخذ فعلا، وما قد يحدث خلال الشهور القليلة المقبلة هو تعديل ما في هذا القرار أو تأجيله أو انفاذه إلى النهاية.
الموقف الأوروبي
كما ان تعليق الآمال على الموقف الأوروبي هو خطأ فاحش، فالموقف الأوروبي لم يتحدد بعد، كما ان المعارضة الأوروبية للحرب مهما بلغت لن تصل حد القطيعة مع واشنطن أو محاولة تقويض سياساتها. خصوصا في ظل الإدارة العراقية غير الحكيمة للأزمة. الموقف البريطاني الرسمي، مثلا، وعلى رغم اضطرابه الحالي سيأخذ في النهاية جانب واشنطن، لأمور تتعلق بوزن بريطانيا الدولي ونفوذها، وارتباط هذا النفوذ بالتحالف مع واشنطن في السرّاء والضراء. مشكلة حكومة طوني بلير في هذه المرحلة انها لا تعرف تماما حجم دورها ونصيبها ومكاسبها من التحالف ضد العراق. ايطاليا هي بالتأكيد أقرب إلى التأييد غير المتحفظ للسياسة الأميركية، وفرنسا قد لا تشترك فعليا في التحالف ضد العراق (وهي التي شاركت في حرب الخليج الثانية) ولكنها ستجد نفسها مضطرة للتعاون الهادئ عندما يبدأ دوي المدافع. أما التوجه الالماني، وألمانيا مقبلة على انتخابات عامة على أية حال، فليس بذي ثقل مهم في السياسة الدولية بعد.
يدرك غالبية العرب المعارضين للحرب هذه الحقائق، حتى ان لم يصرحوا بها علنا.
أما من اخذوا على عاتقهم الدفاع عن وجهة النظر العراقية، فقد أسسوا دفاعهم على خطاب يدين الدول العربية الرئيسية وموقفها غير الحاسم من السياسة الأميركية، ويدين المعارضة العراقية وتحالفها المتصاعد مع إدارة الرئيس بوش. وفي غالبية الأحيان، يتجنب هذا الخطاب القيادة العراقية والسياسات التي اتبعتها وتميزت بها خلال العقود الثلاثة الماضية، أو السياسات التي تتبعها الآن في مواجهة الأزمة المتفاقمة. حقيقة الأمور ان ليس هناك من ثقة تربط القيادة العراقية الحالية وكل دول الجوار العراقي، كما ان الثقة مفتقدة تماما بين بغداد ومعظم الدول العربية ذات الشأن.
غياب الثقة هذا لا يعود إلى قضية الكويت بل يسبقها بسنوات طوال، سنوات شهدت حربا عراقية باهظة، غير مسوغة ولا مفهومة، ضد إيران، كما شهدت توظيفا عراقيا لأساليب دموية غير مسبوقة في العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية وسورية والقوى الوطنية اللبنانية. ما تعيشه الدول العربية (ومعها إيران بلا شك) حال من التمزق والاضطراب بين ضرورات حماية العراق والأمن العربي القومي من مزيد من التغلغل الأميركي، وبين قيادة عراقية يصعب التعامل وبناء علاقات طويلة الأمد معها، وبين إرادة عربية ممزقة تفتقد القدرة على الحشد الجماعي أمام حال الهجوم الأميركي والرغبة في الثأر، وبين حاجة الدول العربية الرئيسية إلى الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مصالح ومقدرات.
ولا شك في ان وضع المعارضة العراقية لا يقل صعوبة. فالمعارضة العراقية هي في غالبيتها قوى عراقية وطنية تمثل تيارات وقواعد شعبية لا ينبغي التقليل من ثقلها. ولكن نظاما في المنطقة لم يغلق الأبواب أمام المختلفين معه ويستخدم من الوسائل أكثرها دموية لاخماد أصواتهم وتصفيتهم، كما فعل النظام العراقي. وحدها الحكومة العراقية أجبرت مئات الألوف من مواطنيها على هجرة بلدهم ومسقط رأسهم بحجة أصولهم غير العراقية قبل ولادة العراق الحديث وتحديد حدوده في 1920. ووحدها الحكومة العراقية استخدمت الأسلحة المحرمة دوليا ضد مواطنين عراقيين، ووحدها الحكومة العراقية تطال العقوبات التي تمارسها ضد خصومها من العراقيين المتهم والبريء، بل وعائلات وعشائر بأكملها، ليس في حال أو حالتين بل كسياسة دائمة. بالنسبة إلى قطاع واسع من المعارضين العراقيين، بل ومئات الألوف من المغتربين طوعا أو كرها، لم يعد هناك من سبيل للتخلص هذا الكابوس. تدرك قوى المعارضة العراقية بلا شك انها تتحالف مع أبشع أجنحة الإدارة الأميركية، وتدرك ان الولايات المتحدة إن نجحت في إسقاط النظام العراقي فإن وجودها في العراق لن يقتصر على عام أو عامين، وتدرك ان واشنطن لا تريد خيرا بالعراق ولا العرب ولا إيران ولا تركيا. ولكن سنوات طوال من السياسات البشعة أوصلت الكثيرين إلى حال من اليأس وفقدان التوازن السياسي، بعد ان أصبحت أولوية التخلص من النظام مقدمة على كل أولوية أخرى.
ربما ترتكب المعارضة العراقية بذلك خطأ استراتيجيا. وربما ستدفع كثير من الدول العربية ودول الجوار الإسلامي ثمنا باهظا لعجزها عن إيقاف عجلة الحرب الأميركية. ولكن ماذا عن القيادة العراقية، ماذا عن النظام الذي أوصل هذا البلد العربي والإسلامي الكبير إلى ما هو عليه الآن، ماذا عن السياسات التي تنتهجها القيادة العراقية في مواجهة هذا المأزق الهائل؟
ثمة خيارات ثلاثة رئيسية أمام بغداد:
الأول هو الإمعان في السياسة الحالية، أي منع عودة المفتشين الدوليين أو تأجيل الموافقة على عودتهم (كالعادة) إلى اللحظة الأخيرة، تعليق الآمال على تصدع التأييد للولايات المتحدة عربيا وأوروبيا، والاستمرار في اتهام قوى المعارضة بالخيانة والتوهم بأن ذلك سيعزلها عن الشعب العراقي. ستؤدي هذه السياسة بالتأكيد إلى نتائج وخيمة بالنسبة إلى العراق إلى، شعب العراق، إلى وحدته ترابا وشعبا، إلى القيادة العراقية الحالية، وإلى المحيط العربي - الاسلامي ككل. ستمهد هذه السياسة الطريق إلى الولايات المتحدة، ليس فقط في حشد القوى الاوروبية خلفها بل وربما معظم الاعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وتوفير غطاء دولي شرعي لمشروع الاعتداء على بلد مستقل وتغيير نظامه. ليس العراق، وطنا وشعبا وثقافة، بالبلد سهل المنال، وحتى لو نجحت الولايات المتحدة في اطاحة النظام الحاكم في بغداد، فإنها سرعان ما ستغرق في تعقيدات علاقات الطوائف والأعراق والقوى السياسية والمصالح الاقليمية، وقبل ذلك كله في العداء المتصاعد للسياسة الاميركية عبر المشرق العربي بدوله وشعوبه كافة، بما في ذلك العراق نفسه. ولكن هذا سيحدث على خلفية من الدماء والدمار وعدم الاستقرار وتهديد الأمن القومي العربي وأمن الجوار الاسلامي. العراق والمنطقة في غنى عن هذا الطريق، الطريق الذي لن يخدم إلا امتدادات الدولة العبرية في واشنطن، الدوائر الصهيونية الاميركية التي تسعى إلى اشعال نيران حرب دائمة بين الولايات المتحدة والمسلمين لا سيما العرب.
يتعلق الخيار الثاني بتغيير جوهري وحقيقي وسريع في بنية النظام العراقي الداخلية وسياساته تجاه قوى وفئات الشعب العراقي كافة، وبتغيير ناجز في السياسة الخارجية والسماح لفرق التفتيش الدولية بالعمل بلا شروط ولا تأخير.
لابد ان يشمل التغيير الداخلي الافراج عمن بقي حيا من آلاف المعتقلين، كشف الحقيقة فيما يتعلق بمصير آلاف المفقودين، التعويض عن كل من تضرر من سياسات العسف بشكل شبيه لما حدث في المغرب والسماح لكل عراقي مهجر او مغترب بالعودة إلى بلاده من دون خوف ولا تهديد، واطلاق تحرك جاد للانفتاح السياسي الداخلي، يتضمن اجراء تغيير جوهري في بنية النظام ونخبته الحاكمة. يترافق هذا مع السماح لفرق التفتيش بالعودة، ليس لأن لدى اي عربي ثقة بهذه الفرق (فهي فعلا مجموعات تجسس)، ولكن لأن هذا هو السبيل الوحيد المتبقي لاجهاض محاولة الولايات المتحدة تأسيس تحالف واسع للعدوان وإعطاء هذا التحالف صبغة شرعية دولية. مثل هذا الاجراء سيعطي الكثير من الدول والقوى الاوروبية المعارضة للحرب المبرر لأن ترسم خطا فاصلا بينها وبين السياسة الاميركية، كما سيجعل من المستحيل الحصول على تأييد اممي للعدوان، وسيعزز بلا شك من الدعم العربي الشعبي والرسمي للعراق، خصوصا من قبل الدول العربية الرئيسية.
بل ان هذه الخطوة قد تربك القرار الاميركي ذاته، حتى ان لم تكن ضمانا قاطعا لمنع الحرب.
الخيار الثالث هو ان تقوم القيادة العراقية الحالية، بمن فيها الرئيس، وصف القيادة السياسية والامنية الاول، بالاستقالة وتجنيب العراق وشعبه والوضع العربي ككل الحرب وذيولها. ليس ثمة قيادة جرت بلادها إلى ثلاث حروب كبرى، مكلفة وخاسرة، مهما بلغت قناعتها بأن الحق هو إلى جانبها، واستمرت في مواقعها القيادية.
باحث فلسطيني متخصص في التاريخ العربي الحديث
العدد 4 - الإثنين 09 سبتمبر 2002م الموافق 02 رجب 1423هـ