لقد ترك فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي ثروة لا تحصى من الرسوم الكاريكاتيرية التي تعبّر عن القضية الفلسطينية والمنشورة في اكثر من مطبوعة عربية... غياب ناجي العلي عن الساحة الكاريكاتيرية من عالم الصحافة العربية وحتى في ظل التطورات المتلاحقة في الاراضي المحتلة،لا يعني ركنه في سلة الذكريات.
لقد طبع العلي في اذهان العرب اسلوبه وفنه الملتزم مع ولادة شخصية حنظلة التي لازمته كالظل ازاء رؤيته للقضية الفلسطينية كفنان وكمواطن فلسطيني غيور على قضية ارضه وصاحب مبدأ لايتزعزع...
وتقوم حاليا عائلة ناجي العلي بالإعداد لنشر كتاب يضم 250 رسما كاريكاتيريا بعضها ينشر لأول مرة مع صور فوتوغرافية واخرى نشرت للعلي في مطبوعات عربية متعددة، وتحديدا في مراحل سنواته الاخيرة. ولقد تم اختيارالرسوم بعناية حتى يكون الكتاب في جزئه الاول مرجعا فنيا وتوثيقيا للجميع.
«الوسط» حظيت بلقاء خاص عائلة ناجي العلي التي قلّما تحدثت مع الصحافة بعد مرور سنوات طويلة على رحيله. وزارت منزل العائلة في احدى ضواحي لندن، الذي كانت قد انتقلت إليه في العام 1986 قبل اغتيال العلي بعام.
تقول وداد النصر، أرملة العلي ان حياة زوجها كانت مليئة بالاحداث والتزامه بقضيته جعله من القلة التي تناضل عبر الرسم الكاريكاتيري في الصحافة المكتوبة.
وتضيف وهي تنظرالى رسوم العلي المعلقة من حولها في غرفة الضيوف «اتذكر ان ناجي كان انسانا حساسا، شفافا، صريحا، صادقا مع نفسه ولديه جرأة رهيبة لا ترهبه من احد عندما كان ينتقد اي شئ (...) وهي صفة ميّزته عن الاخرين».
«أما حياتي معه فقد بدأت منذ ان تزوجنا في العام 1966، ولا بدّ من الاشارة الى ان تجربتي النضالية كانت متواضعة بالنسبة إليه، اضافة الى تفاوت العمر فقد كان يكبرني باحدى عشرة سنة. وزواجي منه تم بصورة تقليدية فقد كان صديق أخي والعائلة».
وتتذكر النصر أن زوجها كان يجلب اوراقه واقلامه ليعمل في البيت، فأغلب الرسوم كان يرسمها في البيت و في أوقات كثيرة كان يأخذ برأيها.
قلق ونضال
وعن طبيعة الصعوبات التي واجهتها مع زوجها تقول النصر: «حياة زوجي لم تكن سهلة، كان هناك نوع من الخوف والقلق! وكثيرا ما كان ناجي يتنبأ بالاحداث، وهو في اوقات كثيرة كان على حق. لكن بعد وفاته تغيّرت الظروف ربما شعرت بالامان اكثر بعد انهى ابنائي تعليمهم هنا في لندن، العاصمة التي خطفت منّي زوجي والمحطة الاخيرة التي استقرت فيها عائلتي».
وتضيف «النضال ليس بالشئ الجديد عليّ، فوالدي من قرية «الصفورية» شارك في الثورة مع عبدالقادر الحسيني الى يوم اغتصاب فلسطين في العام1948(...) وانا فخورة بذلك وكوني زوجة ناجي العلي كنت اعرف طبيعة حياته وعايشت التهديدات التي كان يتعرض لها من الاخرين».
وتوضّح النصر ان تأمين تعليم ابنائها الاربعة خالد، ليال، جودي، واسامة هو ما سعت اليه بعد وفاة زوجها، كما ان التعليم هو أكثر مايهتم به الفلسطينيون في الغربة بعد قضيتهم.
وتضيف كل فلسطيني يدفع ضريبة قضيته، وزوجها كان يكرر دائما «اسهل عليّ الموت على أن ارسم شغلة موبقتنع فيها».
وفي سياق الحديث تؤكد النصر أن شخصية هذا الانسان لا تعوض وهذا الزمن لا يزال يحتاج الى امثاله.
التهديد
وعن علاقة زوجها مع اولادها تقول النصر «المسئولية كانت بالكامل عليّ، ولم يزعجني ذلك ابدا. كان يعلم في قرارة نفسه انه لا يستطيع ان يقسم نفسه معنا فقد كان كثير الانشغال، مقدرا دوري في ذلك».
ومن جهة اخرى تضيف ان ابنها الاصغر اسامة قد ورث عن والده طباعه، وهو يحب الرسم كهواية الاّ ان احدا من ابنائها لم يحترف فن الرسم.
وتتذكر النصر وهي تقلب شريط الذكريات في ذاكرتها انه قبل اغتيال زوجها بأيام قليلة اخفى زوجها عنها موضوع التهديد الذي تلقاه «لكن صدفة سمعت من صديق اتصل ليطمئن عليه».
«في تلك اللحظة عاتبت زوجي الذي رد بكلمات لاتزال عالقة في ذاكرتي «اسهل عليّ أن ابيع بنادورة وفلافل من ان أبيع قضية بلدي... ما فارقة معي! صح ما تركت اموال لاولادي لكني تركت سمعة جيدة عنّي...».
وتوضح النصر انها لا تزال تشعر بوجود زوجها بين افراد عائلتها فصوره واعماله تملأ جدران منزلهم «اشعر انه في رحلة سفر يتركنا ثم يعود... فلا احبذ فكرة انه غير موجود».
مشروع الكتاب
أما مشروع الكتاب فقد رحب بالحديث عنه خالد الابن البكر لناجي العلي الذي قال «لقد استغرق جمعي للاعمال الكاريكاتيرية فترة طويلة منذ رحيل والدي في العام 1987، فمعظمها كان ضائعا وقليلا منها ما كان موجودا، وهذا يرجع الى عدة اسباب مثلا، متى تم نشر الكاريكاتير؟! في اي مطبوعة؟!».
ويواصل «الصعوبة كانت تكمن في البداية في كيفية الحصول على هذه الاعمال الضائعة بصورة صالحة للنشر، فوالدي قد رسم وعمل في أكثر من بلد ومطبوعة عربية. لكن مع التطور التقني، اصبح بالإمكان جمع هذه الرسوم من الصحف مباشرة وجعلها صالحة للنشر، عبر استخدام وسائط الكترونية مختلفة».
ويوضح خالد انه بعد مشاورات واستشارات جرت بينه وبين بعض الاصدقاء والفنانين والصحافيين - دون ان يشير الى اسمائهم - تم الاتفاق على نشر مختارات من هذه الاعمال وهي مرحلة الكويت في صحيفة القبس (1983-1987) وقد تم استبعاد الاعمال التي حدثت في وقت معّين لموضوع معين.
«لقد تم اختيارمختارات من رسوم المرحلة الاخيرة من حياته لأن بعضا منها لا يزال صالحا لقضايا الوقت الحالي في العالم العربي، ومن المتوقع ان يصدر الكتاب مع نهاية العام الجاري».
قرار عائلي
وعمّا اذا كان الكتاب سيشمل جوانب لا يعرفها القارئ العربي من حياة العلي قال خالد «من دون شك السيرة الذاتية الخاصة بمرحلته الاولى ستتضمن تفاصيل اكثر. فبعض المقالات التي نُشِرَتْ عنه في الماضي حملت بعض الاخطاء في التواريخ والاحداث، و نأمل ان يكون هذا الكتاب بمثابة مرجع موثّق عن حياة والدي ايضا».
ويوضح ان مشروع جمع اعمال والده قد استغرق فترة طويلة بسبب ان الجزء الاكبر من اعماله نشر في الكويت، وقد مرت سنوات طويلة لم يستطع فيها جمع اكبر قدر ممكن من الرسوم بسبب حرب الخليج الثانية.
ويضيف «عدا تعلقي بوالدي فقد كان القرار عائليا لتوثيق أعماله وتاريخه واذا لم نقم بذلك فلا اعتقد ان اية جهة كانت ستتبنى او تقوم ما قمنا به حتى الآن. كما ان الناس تتصل من فترة الى اخرى لتسأل عن بعض المعلومات. وتجميعها، هذا بحد ذاته يعد انجازا حتى لو لم تنشر!».
يذكر ان هناك نية لجمع مواد الكتاب الاول في اقراص السي دي وطرحها في موقع الكتروني خاص بناجي العلي.
وشخصيا يرى خالد ان اعمال والده التي لم يشهدها قبل ولادته خلال عملية البحث والجمع، كانت بمثابة مراحل جديدة يتعرّف عليها لاول مرة واكتشف منها ملامح شخصية والده في مرحلة مبكرة بينما رسومه التي يعرفها وعايشها فأغلبها في منتصف السبعينات وحتى الثمانينات.
تقدير
وحول الاعمال الفنية التي صورت شخصية العلي في صور سينمائية او فنية مختلفة،قال خالد: «اولا اشكر اي شخص او جهة اومؤسسة تخلّد ذكرى الوالد لكن ليس بالضرورة ان اي عمل يظهر يكون ناجحا او يلقى الرضى من عائلتي (...) طبعا هناك شكر وعرفان الا ان هذا لا يمنع من القول ان هناك بعض الملاحظات كالدقة في سرد المعلومات».
ويوضح بأن بعض الاعمال لم يرجع اصحابها الى العائلة على الاطلاق للتأكد من صحة المعلومات «انت تلمح الى فيلم الفنان نور الشريف، اعتقد ان نية المنتجين كانت بصورة عامة حسنة لكن ليس قطعا في هذا الفيلم!».
ويضيف «في ظل هجوم غير منصف تعرض له الشريف، فعائلتي لم تشارك في هذا الهجوم، لانها تقدّر قيمة المجهود».
وفي ختام لقائي مع العائلة لابدّ من التنويه الى ان شخصية حنظلة المتمثلة في ناجي العلي ستبقى عالقة في اذهاننا مهما مرّ الزمن فرسومه كانت ومازالت صرخة الحق المسلوب عن شعب لطالما طالب بشريعة ارضه المغتصبة!
1987 أطلقت عليه النار في مساء 22 مايو/تموز بلندن عندما كان متأبطا بعض رسومه، متوجها الى عمله، فأصيب برأسه واستمر في حالة غيبوبة حتى29 اغسطس/اب حيث توفي ودفن في مقبرة «بروك وود» في العاصمة البريطانية لندن.
اختارته صحيفة «اساهي» اليابانية، كواحد من بين أشهر عشرة رسامي كاريكاتير في العالم.
1988: تسلمت زوجته وابنه في 5 مايو/أيار جائزة «قلم الحرية الذهبي» الذي منحه الاتحاد الدولي لناشري الصحف في إيطاليا. واطلق عليه وصف بأنه «واحد من اعظم رسّامي الكاريكاتير منذ نهاية القرن الثامن عشر». و يعد ناجي العلي اول رسّام كاريكاتير وصحافي عربي نال هذه الجائزة
1988-2002: صدرت عنه الكثير من الكتب وعشرات الرسائل الجامعية وإنتاج افلام سينمائية وتلفزيونية تناولت حياته وفنه. كما لا تزال صحف ومجلات في عواصم عربية وعالمية تعيد نشر اعماله في فترات مختلفة.
المصدر: عائلة ناجي العلي
العدد 6 - الأربعاء 11 سبتمبر 2002م الموافق 04 رجب 1423هـ
ناجي العلي الادهمي
أود لفت الانتباه الى ان عائلة ناجي العلي هي الادهمي وتنحدر من جذور فلسطينيه