في فبراير/شباط الماضي صدر العدد الأول من مجلة «ثقافات» عن كلية الآداب بجامعة البحرين في حلة قشيبة أدهشت الساحة الثقافية بامتدادها الجغرافي، لتضع نفسها بقوة بين مثيلاتها لا على الساحة المحلية فحسب، بل على الساحة العربية كذلك. بعد تحضيرات طويلة واستعدادات كبيرة لضمان تفردها، وبانتظام صدور «ثقافات» صدر العدد الثاني، والعدد الثالث الآن جاهز للدفع به إلى المطبعة، تكون «ثقافات» قد حققت حضورا لافتا على جميع المستويات، ومن جميع الزوايا، ومن هذا المنطلق كان لنا اللقاء الآتي مع رئيس تحريرها الناقد علوي الهاشمي، والذي أكد أن ردود الفعل والصدى الطيب الذي حققته «ثقافات» كان مدهشا، وأن الانتقاء الصارم للمواد المنشورة هو الضمانة الأكيدة لنجاح المجلة، وأن المجلة في حركة تصاعدية للأفضل مع توالي صدور الأعداد وفيما يلي نص اللقاء.
بداية، نود منكم تقديم إطلالة على مشروع «ثقافات» منذ بواكيره الأولى، حين كان هاجسا شخصيا، وصولا إلى صدور عددين منها؟
- كانت مجلة ثقافات تمثل حلما في رؤوس الكثير من أساتذة الجامعة، وخصوصا المشتغلين بهموم الثقافة والفكر والإبداع، وفي نظري أن مثل هذه الشريحة تمثل نخبة ممتازة لا ينبغي التفريط بها، والاكتفاء بمجرد توظيفها، أو الاستفادة منها في التدريس الأكاديمي. فممارسة الإبداع، والكتابة الثقافية، والتحليل الفكري، تمثل بالنسبة إلى هذه الفئة / النخبة لذة خاصة تساعد أصحابها على أداء وظيفتهم الأساسية المتمثلة في العمل الأكاديمي.
وبالنسبة لي كان هذا الحلم يداعبني منذ عشرات السنين، فحين أسسنا أسرة الأدباء والكتاب سنة 1969، كنت مسكونا أنا وزملائي من الأدباء والشعراء المؤسسين للأسرة بهذا الحلم، وعملنا عليه دائبين، صبورين، مناضلين في سبيل تحقيقه، إلى أن تحقق الحلم بعد أكثر من 15 سنة من تأسيس الأسرة، فكانت مجلة «كلمات» التي استمرت عددا من السنين ثم توقفت.
وحين انضممت إلى الهيئة التدريسية في الكلية الجامعية التي كانت نواة جامعة البحرين العام 1979، عاودني الحلم مرة أخرى في إصدار مجلة ثقافية، وكادت أن تصدر لولا أنها حجزت في وزارة الإعلام التي لم تجز إصدارها.
وأخيرا تحقق الحلم في الجامعة على يد رئيسها السابق، ومجلس جامعتها اللذين تفهما قيمة هذه المجلة وأهميتها، فتبلورت فكرتها والاستعداد لها في مرحلة الدكتور محمد بن جاسم الغتم، حتى تمت ولادتها، واحتضانها، ورعايتها، والدفع بها إلى الأمام في مرحلة الدكتور ماجد بن علي النعيمي رئيس الجامعة الحالي.
ولا شك في أن لكون عظمة الملك رئيسا أعلى للجامعة الدور الأكبر والأهم في ولادة هذه المجلة وامتداد عمرها، وهذا ما ذكرته لعظمته عندما تشرفت مع رئيس الجامعة بزيارته، وقمنا بإهدائه العدد الأول من المجلة، فكان دعمه لنا معنويا يفوق كل تصورات المثقفين في كل مكان، فوجود عظمته على رأس الهرم الجامعي الذي ينتج هذه المجلة ضمانة للاستمرار والتطور والوصول إلى دائرة العالمية.
انطلقت «ثقافات» إلى الساحة المحلية والعربية حاملة شعار التعلق بالشمس والحرية، ما المقصود بهذا الشعار، وما مدى تأثيره على الإبداع في العطاء؟
- من حظ هذه المجلة الأوفر أن تولد في مهاد المشروع الإصلاحي الذي يقوده عظمة الملك، والذي يأتي ثمرة ناضجة لكل الجهود والنضالات التي عاشها هذا الوطن منذ مئة عام تقريبا. إنها شمس الحرية تبزغ أخيرا من ظلام العقود، وحتى تقترن هذه الشمس، بشمس المعرفة، فإن كليهما يزداد توهجا وتأثيرا في العطاء، إننا سنقف بشمس المعرفة التي تغمر مجلة «ثقافات» مع مشروع الحرية والمعرفة، الأمر الذي يقود إلى تكامل الاثنين مع امتداد التجربة، وليس بالضرورة تكاملها بمجرد الولادة. إننا دائما نراهن على المستقبل. لذلك حلمنا منذ العدد الأول من «ثقافات» بالحرية، وتفاعلنا مع الزمن الأجمل، حتى وهو وعد يترقرق على لسان صاحبه عظمة الملك، حين كان يبشر به شعب البحرين في مقتبل عهده الميمون.
ما الذي تراهن عليه «ثقافات»، هل تراهن على الأسماء، أو على طبيعة المواد، أم الاثنين معا، وهل للمجلة حدود معينة تراهن عليها؟
- تراهن «ثقافات» على كسب ثقة المثقف العربي وغير العربي من خلال ما تتضمنه المجلة من خط فكري حر ساعدته ظروف البحرين المحلية وهي تعيش المشروع الإصلاحي الكبير الذي يرعاه صاحب العظمة ملك البلاد، إذ إن الثقافة الحقيقية عادة ما تلد في مهاد الحرية.
ثم راهنت المجلة على كسب ثقة المثقفين من خلال مستواها، أو مستوى ما تقوم بنشره من مادة ثقافية وفكرية وإبداعية وفنية لا تتراجع عنه مهما يكون السبب.
وراهنت ثالثا على أن يكون مستوى تصميمها، وإخراجها الفني في أحسن المستويات، وعلى أبرع الأيدي الفنية، لذلك أوكلنا هذا العمل إلى فنان معروف عربيا وعالميا هو الفنان رافع الناصري.
ثم راهنا على إدارتها إدارة دقيقة ومنضبطة للمحافظة على رسائل المساهمين، وتصنيفها، وعلى المواد وتسلسل أرقامها، وتواريخ وصولها، والرد برسائل على وصولها بمجرد الوصول، ثم رسالة أخرى تتضمن قرار هيئة التحرير، ورسالة ثالثة على العدد الذي ستنشر فيه المادة، ثم المكافأة المالية، وإهداء العدد.
وهذه الحلقات في سلسلة من الاتصال بين المجلة ومنتجها الثقافي، وهي حلقات متعاقبة تقوم على احترام القارئ والمثقف والمساهم في المجلة... ويقود هذا الفريق الإداري الأديبة الشاعرة مي مظفر أمينة تحرير المجلة. كما أننا نراهن على هذه الهيئة اللامعة من أعضاء هيئة التحرير، ابتداء من نائب رئيس التحرير منذر عياشي، ومدير التحرير عبدالحميد المحادين، وباقي أعضاء هيئة التحرير من الأساتذة المتخصصين أصحاب الانشغالات النقدية والفكرية والإبداعية، أما عن رهاننا الأخير فهو يأتي من الصف الرفيع من الأسماء التي تتشكل منها الهيئة الاستشارية مثل كمال أبوديب، أدونيس، إدوارد سعيد، أهداف سويف، ضياء العزاوي، أندريه ميكيل، عبدالفتاح كليطو، عبدالسلام المسدي، جابر عصفور، وغيرهم. وبالإضافة إلى ذلك فالمراهنة مستمرة على مجلس إدارة المجلة وعلى رأسها رئيس الجامعة ماجد بن علي النعيمي وباقي الأعضاء.
إلى أي مدى تستطيع ثقافات أن تكون محتوية أو حاضنة لنبض الشارع الثقافي المحلي، وهل يمثل الإنتاج المحلي هاجسا أساسيا في استراتيجية عمل المجلة؟
- قضينا عامين كاملين للإعداد لهذا المشروع قبل إصدار العدد الأول، وكان هذا الوقت كافيا لضبط كل الأمور، والاستعداد لجميع الاحتمالات. وكان من ضمن تنظيم نشر المادة في كل عدد هو أن تنشر قصة أو قصتان، وقصيدة أو قصيدتان لمبدعين بحرينيين، إضافة إلى المواد الأخرى على صعيد المقال، أو البحث، أو من خلال الملف الفني.
فحين نراجع العدد الأول مثلا سنجد أن الموضوع الرئيسي والأول في المجلة للناقد المعروف إبراهيم غلوم، وهناك نص إبداعي لقاسم حداد، وآخر لفوزية السندي، ومقال نقدي للقاصة منيرة الفاضل، وقصة لمحمد عبدالملك، وكان حوار العدد مع الشاعر الراحل أديب البحرين المعروف إبراهيم العريض، كما تضمن الملف الفني موضوعا موسعا عن الرسم الحديث في البحرين، إضافة إلى افتتاحية العدد التي انصبت على تعلق «ثقافات» بالشمس والحرية والزمن الأجمل. وأتصور أن هذه النسبة معقولة، وتعطي فكرة عن الحراك الثقافي في البحرين بما يستحقه هذا الحراك من عناية واهتمام، ولم يكن العدد الثاني مختلفا في هذه المساحة.
فهذه هي سياسة المجلة، إلا أن ذلك لا يطغى على الاهتمام بالساحة الثقافية العربية، فهي الساحة الأوسع والأغنى، كما أننا لا نغض الطرف على الثقافات العالمية التي يزخر بها العالم، لذلك فتحنا قسما خاصا بلغاتها نختزله في اللغتين الإنجليزية والفرنسية، إضافة إلى الإطلالات المترجمة.
بالإضافة إلى ذلك فإن إدارة المجلة على معرفة بالواقع الثقافي في البحرين، وتتمحور سياسة عملها في إنتاج المعرفة على الانتقاء الصارم لما هو أفضل للمحافظة على المستوى، الذي يسير بطرق تصاعدية من عدد إلى آخر، وهي التي تضمن نجاح هذا المشروع، واتساع رقعته في الوطن العربي.
قد تحيل مفردة «ثقافات» على فضاءات أرحب من مجرد العناية بالخطاب الإبداعي أو الأدبي، أو ما ينطوي تحت باب العلوم الإنسانية، هل يوجد توجه مستقبلي للانفتاح بشكل أكبر على مختلف العلوم والفنون بما يكون محققا دلاليا لمفردة «ثقافات»، ويمثل فرادة يمكن ضمها للفرادة المتحققة فعلا؟
- لأننا انطلقنا من كلية الآداب، فمعظم المشاغل التي أسست إنتاج المعرفة لكل العاملين هي متصلة بفضاءات هذه الكلية، لكن لا أخفي عليك أننا كنا منذ البدء نضمر النية في فتح المجال لفضاءات أخرى غير أدبية، أو متصلة بها مباشرة كالمجالات الفنية، والسينمائية، ومجالات تتصل بالعلوم والهندسة والرياضيات والفلك، وكل صنوف المعرفة والنظريات العلمية، لكن بشرط أن تتأسس كتابة هذه المقالات على القاعدة الفكرية والثقافية. فكاتب المقال ينبغي أن يكون عالما ومفكرا في آن، بحيث يمتلك ناصية التعبير والتفكير، إلى جانب الموضوع التخصصي العلمي، وهذا ما نحتاج إليه في المجلة، ولن ننشر مقالات تتسم بالجفاف حتى لا ينفر القارئ العام أو المثقف منها، إننا نريد من قارئ هذه المجلة أن يفكر ويتأمل ما يقدم له من تحليلات وأفكار حتى لو كانت مادته تصب في العلوم الدقيقة.
وفي الواقع فقد اتصل بنا الكثير من أساتذة جامعة البحرين والجامعات الأخرى، يسألون عن هذا الجانب، وقد طمأناهم على حرصنا الشديد عليه، وقد وصلنا عدد من البحوث والمقالات سنختار منها، ما هو متصل بالجانب الفكري لنشرها مستقبلا... من هنا فنحن نفكر أن نجعل هذه المجلة تصدر عن جامعة البحرين بمجملها وليس عن كلية الآداب فحسب، حتى تحسب على فضاءات المعرفة المفتوحة على بعضها بعضا بما يحقق مفهوم المجلة بشكل أدق وأعمق.
كيف كان تلقي المجلة من عموم القراء بعد صدور عددين منها؟
- فوجئت بردود الفعل الطيبة التي وصلتنا من عموم الوطن العربي، عن طريق ما نشر في الصحافة ومختلف وسائل الإعلام، أو من خلال الرسائل التي تصل من القراء والمساهمين، وهذه الردود الطيبة كنا نعد لها، وأعددنا بالفعل طويلا لإنتاج عمل لابد أن يحظى برضا المثقفين، ولم نغامر في أية خطوة من الخطوات. وكما قلت لك «سنتان من التخمر قبل الولادة». كما أننا قد وضعنا التجربة على طريق تصاعدي بصورة تراكمية، فحين أصدرنا العدد الأول، وهو عدد متميز من جميع الجوانب بحسب انطباع الجميع، لم نكن وقتها نستند إلى قاعدة كبيرة من قانون الاختيار، فكانت مساحة الاختيار قليلة قياسا بما هو عليه الوضع اليوم، إلى حد أن ما تلقيناه من مواد لأعدادنا المقبلة وصل إلى 500 مادة موزعة ما بين القصة والقصيدة والمقال والترجمة، ولن ينقذنا إلا قانون الاختيار، وهو ضمانة التصاعد نحو الأفضل، لذلك كان انطباع الجميع أن العدد الأول ولد مكتملا، ولكن بصدور العدد الثاني وجدوه أكثر اكتمالا ونضجا، وهكذا نأمل في مواصلة عملنا
العدد 20 - الأربعاء 25 سبتمبر 2002م الموافق 18 رجب 1423هـ