حيال الفن والأدب والفلسفة يتسارع انتقال السؤال من البحث عن الضرورة إلى البحث عن الدور والوظيفة، وذلك في عالم تتسارع فيه على الوتيرة نفسها، ولادة الأفكار وغيابها فلا تكاد تنقضي فترة وجيزة على سيادة فكرة معينة، حتى تغيب هذه الفكرة لصالح فكرة صاعدة تسود بدورها فترة وجيزة من الزمن، إن انتاج الأفكار يبدو على سباق مع انتاج السلع المادية، كأنما الانسان المعاصر يستهلك «السلعة في الثقافة» كما يستهلك السلعة في الانتاج المادي، من حاجاته الضرورية إلى الكمالية، إلى تلك الحاجات التي لا يمكن تصنيفها إلا في خانة تشجيع حركة الاستهلاك نفسه، وعليه يكون الانتاج من اجل تشجيع الاستهلاك هو في سوق التداول يوازن ما كان يعرف بالفن من أجل الفن. وإذا كانت غلبة المادة بدأت مع تطور الصناعات مع بداية عصر النهضة الأوربية، بعدما حقق علم الميكانيكا - الذي كان ابناء العصر الوسيط يعرفونه بعلم الحيل - قفزاته الكبرى، فقد صار الفن والثقافة من الاختراعات الانسانية القابلة للقياس والمستوفية لشروط السوق التبادلية، وقد حملت هذه الحقيقة القاسية دافينشي للقول «إن الابتسامة الشهيرة للموناليزا كانت هدية صريحة من عصر العلم». فيما كتب ديكارت قائلا «وهكذا تصبح الفلسفة بكاملها اشبه ما تكون بشجرة جذورها الميتافيزيقا وجذعها الفيزياء والأغصان التي تتفرع من هذا الجذع تمثل العلوم الاخرى التي تختصر في ثلاثة رئيسية هي :
الطب والميكانيكا والأخلاق وأعني بالأخلاق اسماها وأكملها، تلك التي تفترض معرفة كاملة بالعلوم الأخرى فتصبح بالتالي الدرجة الأخيرة من الحكمة».
هكذا صار بالإمكان الحديث عن الحاق للفن والأدب والفلسفة بالعلوم، لا يشبه ذلك الالحاق القديم للعلوم بالفلسفة، بل يعبر عن سيطرة الحاجات المادية التي تفرضها ضرورة الحياة وقساوة ظروفها، ليتحول فيها كل من الفن والأدب والفلسفة إلى انتاج من النوع الذي تبيحه الضرورات الكماليات، على قاعدة مادية هي: الأرض الصالحة تنبت عليها ابداعات الروح.
لم يصمد هذا الاعجاب بالسيطرة المادية طويلا، لأن حركة الحياة والنتائج التي أفضت اليها التجارب، والفرضيات العلمية التي توالت من خلال المراقبة المستمرة واعادة التجربة في ضوء الأخطاء التي كشفتها المراقبة المنهجية، وطرح فرضيات جديدة تتخطى سابقاتها حتى بات تاريخ العلوم يتحوّل إلى تاريخ أخطاء هذه العلوم مما اكسب الفن والأدب والفلسفة جولات جديدة في ميدان الإبداع الانساني، ولم تعد هذه الساحات الفكرية ملحقة من الناحية الابستمولوجية بتطور العلوم وان كانت حققت قفزات هائلة بالاستناد إلى نتائجها كما هو الحال مع الفلسفة المعاصرة على سبيل المثال، وكذلك الفن والأدب في سعيهما إلى اثبات ضرورتهما المستفادة من نزعات النفس الانسانية بصرف النظر عن القفزات العلمية والاكتشافات الثرية للعقل الانساني، وفي هذا التفاعل في سباق التنافس صعدت من أعماق الوجدان صرخات عالية تشبه ما قاله جان كوكتو : «الشعر ضروري وليتني اعرف لماذا؟...».
على رغم وضوح هذه الضرورة المؤيدة بالتجربة الانسانية وحاجات النفس الناطقة إلى السمو والتعالي، ينبت في حدائق السؤال استفسار عن المساحة التي تشغلها الفنون والآداب والفلسفة في حياة الانسان المعاصر وأي نوع من هذه الفنون والآداب والفلسفات يحقق حاجة الروح الانساني إلى السمو والتعالي، وكذلك بلوغ الكمالات في السعي الدائم للاتصال بالمطلق، الم يذهب سبينوزا، ومن قبله افلاطون وديكارت إلى ان المعرفة تتدرج من أسفل إلى أعلى وأن معرفة الوجود الحسي أقل وضوحا من الموضوعات المفارقة وان المعرفة ستبلغ قمتها وعلوها وكمالها اذا اتجهت إلى معرفة الكون والمطلق، وكذلك ذهب الفلاسفة المسلمون إلى القول بقاعدة الاشرف، وان الكدح الانساني متعدد الوجوه والطرق إلى الله بعدد انفاس الخلائق والاسفار العقلية والقلبية معارج يشترط للطيران في فضاءاتها تزكية النفس، وتدريب ملكة الخيال الذي يدور في عالم الامكان، تتحقق له امكانات لا حدود لها يبلغ فيها مرتبة الخيال الخلاّق القادر على خلق الصور ورسم عوالم جديدة، وجمع أنّات الزمان في وحداتها الممتدة بين الحاضر والماضي والمستقبل لتتحول إلى ديمومة هي الزمان الوجودي، الذي فيه تكون الأقوال شرحا لواقع الحال، فإذا بالقول قاصرا عن ادراك الحقيقة التي يلبسها الحال لبوسا جوهريا ليست فيه من طرائق اللبس والخلع شيئا يذكر، الوجود فيه حقيقة عينية جاهزة متحققة، واقعية متحركة في جوهرها لبلوغ كمالاتها القصوى، في هذا السعي الانساني الذي ندعوه الكدح لارتباطه بشروط جده واجتهاده، يتواصل في كدحه وحركته الجوهرية، ولبوسه الدائم، ما يرام يحتاج إلى لبوس جديد، حتى تنبت للانسان الى جانب حواسه حواس اخرى ، فيصبح له بصر جديد وسمع وشم وذوق ولمس يضاف إلى ما عنده من هذه الحواس، وحتى حواسه الباطنة تتضاعف من حاسيته المشتركة إلى ذاكرته المتوقدة، ومخيلته الخلاقة في عالم الاوطان الواسع. لا حدود في هذا الكدح الصاعد على معارج الروح لحاجة الانسان إلى الفن والأدب والفلسفة. ولا ادوار ثابتة، معينة، ومرسومة مسبقا وهذا الواقع المتحقق، يلزم عنه وهو المعبر عن الضرورة، أن لا يكون لأشكاله صنف وقوالب ثابتة، فلا الفن يقف عند حدود مدارسه السائدة ولا الأدب يستعيد بشكل تكراري اشكاله وأنواعه المعروفة، ولا الفلسفة تقف عند حدود حلقاتها ومذاهبها السابقة، بل سير خلاق، في مسيرة ابداع لا يحدها حد او رتم او يحصرها تعريف او مقولات.
هذا الابداع الانساني هو فيها قبسات من نور الأنوار لأنه سعى إلى كمال وجوده فلا تشوبه ظلمة ولا كدورة، وكانما شرط هذا النوع من الكدح الانساني هو شرط ابداعه وهو كذلك لأنه في اصل تحققه عالم الامكان الواسع سواء في هذا العالم الواقعي أو في عوالم اخرى، تكشف عن وجودها ما اعتادته المخيلة الانسانية من فصل الصورة وتركيبها، وفي بعض هذه الصور، ما لا علاقة له في العالم الحسي المعاش، حتى اخذها بعض الفلاسفة دليلا على هبوط النفس إلى هذا الجسد العاشق من عوالم أخرى.
قبسات من نور الأنوار، تلك هي حقيقة الحقائق، طرح السؤال عن ضرورة الثقافة أو وظيفتها ودورها. واذا كان لا بد لتجربة الانسان الروحية من معيار لقياسها على طريقة أصحاب الميكانيكا فإنه لا جدوى من استخدام آلات العلوم ومناهجها، ولا حاجات السوق وقوانينها بل تستخدم مناهج من نسخية الموضوع، وآلات من طبيعة تقنياته، لأن غاية الفن والأدب من عالم الروح وتلك حكاية فريدة، ترويها النفس الانسانية في تسبيحاتها ونشاهد آثارها في مظاهر التجليات.
حوار
من عند الخبّاز
أتيت بهذا الورد؟
ثلاث ليالٍ
نأكل ملح الجسد
وعظام الأطفال تئن
صوفي ويجن؟
صبرا يا إمرأة الستر
أتيت لك بالوردة
من خباز الروح
أوقات
وحدائق هذا الوجد
تفوح..
العدد 20 - الأربعاء 25 سبتمبر 2002م الموافق 18 رجب 1423هـ