شكلت انتفاضة الأقصى المبارك تحديا بطوليا للمخططات الاسرائيلية الساعية لتكريس الاحتلال والهيمنة على المنطقة بكاملها، وبرهنت أن مقاومة العدوان هي المدخل المناسب لخلق الظروف الملائمة لاجبار «اسرائيل» وقادتها العنصريين على الانصياع لقرارات الشرعية الدولية واعادة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين، وفق المبادرة الاميركية ومؤتمر مدريد ومبدأ «الارض مقابل السلام» كحد أدنى.
فالالتفاف العربي حول الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت دفاعا عن الارض والوجود والمقدسات، اثبتت من جديد ان الصراع العربي - الصهيوني مستمر طالما استمر العدوان والاحتلال، وان الحل يكمن في الانسحاب الاسرائيلي من جميع الاراضي العربية المحتلة إلى خطوط الرابع من يونيو/ حزيران 1967، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة فوق التراب الوطني وعاصمتها القدس، وتأمين العودة للاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الشرعية الدولية.
وحقائق التاريخ لا تخفى على أحد، فمنذ بدايات الوجود الانساني والصراع قائم بين الحق والباطل، صحيح ان الشر يزداد شراسة وعنفا، لكن الصحيح بالتأكيد أيضا هو ان الخير يستعمل اسلحة متنوعة لاعلاء قيم العدالة والسلام على الارض، ويعلمنا التاريخ ايضا ان الحق يحتاج إلى قوة ليضمن انتصاره على الباطل.
مع استمرار انتفاضة الاقصى المبارك وتصاعدها منذ انطلاقها نتيجة تدنيس الاقصى الشريف بزيارة الارهابي ارييل شارون في 28 سبتمبر /أيلول 2000، التقت «الوسط» الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني خالد عبدالمجيد عبر الحوار الآتي:
مع دخول الانتفاضة الفلسطينية الباسلة عامها الثالث، كيف يمكننا قراءة الواقع الفلسطيني؟
- اذا نظرنا إلى الحاضر تبدو المرحلة المقبلة اكثر تعقيدا وخطورة، فالمطلوب حاليا، اسرائيليا واميركيا وقف واطفاء جذوة المقاومة التي اشعلتها الانتفاضة، وقطع شرايين الحياة المتدفقة في جسدها، والعودة إلى مفاوضات جزئية وصفقات منفردة جديدة، محكومة بتنازلات لا حدود لها، وبالتالي تنفيذ مخططات لا ترى في المنطقة سوى ارض غنية بالثروات، ينبغي نهبها بالكامل من دون اعتراض، وتحويل اصحابها العرب إلى عبيد يعملون لصالح القوة المهيمنة، ويستهلكون ما ينتجونه لهم من سلع وتكنولوجيات، ويرضون بالفتات، ولا يفكرون بماضيهم ولا بمستقبلهم، وعلى رغم بشاعة الصورة المرسومة وقسوتها، لكنها تمثل ما يفكر به الاسرائيليون وحماتهم.
واستطرادا نقول ان الولايات المتحدة التي تحاول إحكام قبضتها العسكرية على العالم منذ سقوط الحرب الباردة، تسعى لاحكام هيمنتها الاقتصادية ايضا، ويرى حكام «اسرائيل» انهم خير حليف لتطبيق هذه الاستراتيجية في المنطقة، وانهم اكبر المستفيدين، وامام هذه الحقائق لا يبقى امام العرب إلا ان يطرحوا مشروعا بديلا يقوم على مفهوم (سلام القوة) و(سلام الاقوياء)، ولديهم الامكانات البشرية والمادية، والاهم من ذلك لديهم ارادة المقاومة والصمود، فالرأي العام العربي، وكما برهنت الشهور الاخيرة، اي منذ اندلاع الانتفاضة المباركة، لا يمكن ان يقبل بسلام مشوه ومنقوص، والالتفاف حول الانتفاضة والدعم الذي لقيته في ارجاء الوطن العربي وجد صداه ايضا إلى حد كبير في مؤسسة القمة العربية، وكذلك الالتفاف حول الانتفاضة الباسلة من قبل الشارع الاسلامي الذي عبر عن تضامنه مع حقوق ومقدسات الشعب العربي الفلسطيني، ولم يبخل الرأي العام العالمي في التعبير عن هلعه من مشاهد الجرائم الاسرائيلية البشعة ضد شعب اعزل.
واضح، اذن، ان الطريق إلى السلام العادل والشامل هو في توظيف هذه الامكانات جميعا ليصبح العرب قوة لا يستهان بهاو وليظهروا انهم قادرون على لجم العدوان ومقاومة الاحتلال وتحقيق السلام.
ان عالم اليوم لا يصغي إلا لصوت القوى، والعرب لديهم ما يؤهلهم ليثبتوا جدارتهم وحقهم في الحياة الحرة الكريمة، فلا يكفي ان يندد العالم بالعدوان الاسرائيلي، بل يجب ان نجعله يحيي مقاومة العرب لهذا العدوان.
حمى استمرار المفاوضات
حذرتم في جبهة النضال الشعبي الفلسطيني مرارا من مخاطر المفاوضات العبثية بين السلطة الفلسطينية و«اسرائيل»، ما ملامح هذه المخاطر في هذه المرحلة؟
- لقد تحولت هموم المفاوضات، من الجانبين، في معظم جولات المباحثات السابقة، من البحث عن حلول لقضايا معقدة، باعتراف الجانبين ايضا، إلى البحث المحموم ايضا عن مبررات تسمح باستمرار المفاوضات، والتي كانت تبدو عبثية بالمطلق ولا طائل من متابعتها في ظل واقع يؤكد استفحال العداء الاسرائيلي العنصري للسلام بكل مفرداته وجميع صيغه.
وهذه العبثية كانت تتضح دوما في جميع التفاصيل القائمة، سواء لجهة عدم الاقتناع بجدوى هذا التفاوض في ظل مواقف متباعدة ومتناقضة، أم لجهة الادراك بأن الاهداف اكثر تباعدا وتناقضا من تقدير ان تستطيع اية مفاوضات، ولو كانت (ماراثونية) على انجاز اختراق يسمح بالتوافق على الحدود الدنيا المعقولة.
وفي ظل استمرار شلال الدم الفلسطيني بالتدفق، وفيما آلة القتل الصهيونية تمعن في ارتكاب المزيد من الجرائم، تزداد هذه العبثية وضوحا، بعد ان بات الموقف الاسرائيلي في استماتته من اجل استمرار المفاوضات في بعض المراحل لممارسة مناورات انتخابية فجة...
لا شك في ان عملية السلام على المسار الفلسطيني - الاسرائيلي تمر بمأزق حاد، ما تصوركم لمستقبل هذه (العملية)، لاسيما في تصاعد المد اليميني بزعامة الجنرال الارهابي الجزار ارييل شارون الذي يبدو أسوأ النتاج الصهيوني العنصري؟
- ان المأزق الذي تمر به التسوية السياسية في المنطقة عموما، وعلى المسار الفلسطيني خصوصا، نابع من سياسة التعنت والغطرسة الصهيونية، ورفض الانسحاب من الاراضي العربية الفلسطينية المحتلة، واستمرار عملية التهويد والاستيطان بشكل محموم ومتصاعد، ورفض تنفيذ تلك الاتفاقات المعقودة مع السلطة، على رغم ما تحمله من ظلم واجحاف، وبغض النظر عن موقفنا منها.
ويتحمل الاسرائيليون المسئولية الكاملة في توتير الاجواء في الاراضي المحتلة نتيجة الاستيطان والقمع والملاحقة والاعتقالات والاغتيالات والحصار وهدم المنازل الخ... من الاجراءات التعسفية التي ادت إلى تفاعلات كبيرة في صفوف شعبنا وإلى تصعيد المقاومة للاحتلال وتجذر الانتفاضة الباسلة.
ان مستقبل العملية السياسية في ظل هذه السياسة التي تنتهجها الحكومات الاسرائيلية منذ حكومة «بنيامين نتنياهو» ومرورا بحكومة «ايهود باراك» وصولا إلى « ارييل شارون» لا يبشر بأي تفاؤل، بل العكس، فإن استمرار هذه السياسة ستقود إلى مزيد من التوتر والانفجار في المنطقة وإلى الاحباط من التسويات المطروحة، لاسيما بعد ان لمست الجماهير الفلسطينية والعربية عقم النتائج التي أفرزتها الاتفاقات المعقودة منذ أوسلو...
المعارضة من الخارج
يرى البعض ان المعارضة الفلسطينية داخل المؤسسات الفلسطينية الشرعية مجدية اكثر من المعارضة خارجها التي تمارسونها، فما قولك؟
- بداية لم يقل احد من اطراف المعارضة الفلسطينية ان المعارضة مجدية في اطار المؤسسات وكان الجميع يطمح إلى تشكيل جبهة وطنية متحدة تضم كل المناضلين المناهضين لنهج اوسلو، ويقع على عاتقها استعادة منظمة التحرير الفلسطينية لدورها الوطني استنادا إلى الميثاق الوطني، في ظل الاوضاع الراهنة والتفاعلات الجارية ارى ان المعارضة يجب ان تكون خارج المؤسسات، وانه لابد من اجراء حوار وطني واسع بين صفوف كل المعارضين للاتفاقات المجحفة بحق شعبنا بهدف حشد الجهود والتوصل إلى صيغ عمل تؤدي إلى تأجيج وتصعيد المقاومة والانتفاضة للاحتلال الصهيوني ومواجهة نتائج اتفاقات أوسلو.
يأخذ البعض على المعارضة الفلسطينية عدم تمكنها حتى الآن من صوغ وحدة حقيقية فيما بينها؟
- عدم التقدم في صوغ وحدة حقيقية بين قوى المعارضة، وعدم الاتفاق على رؤية سياسية موحدة في المرحلة الراهنة تجاه البرنامج السياسي الذي يجب ان يتم الاتفاق عليه، فالبعض كان يرى في بداية تشكيل الفصائل العشرة ان البرنامج المرحلي وقرارات الشرعية الدولية هي اساس هذا البرنامح للمعارضة والبعض الآخر عارض ذلك متمسكا بالاستراتيجية الواردة في الميثاق الوطني الفلسطيني، من دون ان ينفي استعداده لبعض (التكتيكات) المناسبة لخدمة هذه الاستراتيجية.
هذا جانب، أما الجانب الآخر فهو ايديولوجي، هناك تيارات مختلفة في صفوف المعارضة، منها التيار الاسلامي والوطني الديمقراطي (اليساري)، ويرى التيار الاسلامي ان الظروف الراهنة تؤهله للقيادة استنادا إلى رؤيته الخاصة، وبالتالي فإن مرحلة منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل قد انتهت، واذا كان هناك من تعاطى معها فإنه تعاط تكتيكي.
هنا أقول لابد من حوار وطني شامل بين كل القوى والفصائل والشخصيات والفعاليات المناهضة لنهج أوسلو بهدف تحشيد هذه القوى كلها في اطار وطني واسع يعمل لاستعادة دور منظمة التحرير الفلسطينية على اساس الميثاق الوطني وبرنامج الاجماع الفلسطيني، والسعي لتشكيل جبهة متحدة يقع على مسئوليتها تحمل اعباء النضال في المرحلة المقبلة ومواجهة السياسة الصهيونية وخطوات الاستيطان والتهويد ومصادرة الاراضي ودعم الانتفاضة بكل السبل والاشكال، وتتحمل هذه الجبهة اعادة الترابط والتلاحم بين ابناء شعبنا وامتنا.
دور أميركا في السلام
هل تعتقدون ان الولايات المتحدة مازالت قادرة ان تلعب دورا ايجابيا في عملية السلام في المستقبل؟
- لا أريد ان نعيد الحديث عن دور الولايات المتحدة تجاه السلام، فلقد قبلنا، باعتبارنا عربا، مبادرتها حين شاركنا في مؤتمر مدريد، إلا انه يؤخذ عليها عدم قيامها بدورها بالشكل المطلوب بسبب محاربتها وانحيازها المطلق لـ «اسرائيل»، ولا ريب في ان الادارة الاميركية قادرة على تصويب جهودها ودفع العملية السلمية في مسارها الصحيح، اذ ان امام الادارة الاميركية اسسا ثابتة للسلام، وهي الاسس التي انطلقت منها عملية مدريد، وما عليها سوى العودة إلى هذه الاسس للوصول إلى السلام المنشود، واي استمرار للمباحثات خارجها يبقى جهدا ضائعا لا جدوى منه، وتجربة اكثر من عشر سنوات من المماحكات ومحاولات الالتفاف على اسس السلام كافية للاقتناع بأنه لا يمكن تحقيقه من دونها...
لذلك فأمام الادارة الاميركية - دوما - الفرصة لتحقيق السلام وفق اسسه والاستفادة من اخطاء الادارات السابقة من خلال التزامها بمرجعية السلام والوفاء بتعهداتها تجاهه، ولا اعتقد مطلقا انها عاجزة فعلا عن القيام بذلك.
ان السلام ليس بحاجة إلى افكار وصيغ ومقترحات جديدة لاستئناف مباحثاته، فهو بأسسه المعروفة جيدا، والتي لا يمكن تحقيقه من دون تطبيقها كاملة، ومن يرغب في السلام عليه الالتزام بها، وفي غير ذلك تبقى هذه المقترحات والافكار مجرد محاولات للالتفاف عليه وقتله واغتياله.
من هنا اقول ان الولايات المتحدة الاميركية مطالبة اليوم اكثر من اي وقت مضى بالقيام بدورها بشكل جدي تجاه السلام انقاذا لسمعتها وهيبتها ومصالحها الكثيرة في المنطقة في المقام الاول، وما يجب ان يؤخذ في الاعتبار دوما هو ان الارض هي جوهر السلام ومن دون عودتها كاملة غير منقوصة لن يكون هنالك سلام مطلقا
العدد 97 - الأربعاء 11 ديسمبر 2002م الموافق 06 شوال 1423هـ