تقول الحكمة الشائعة إن تحقيق تسوية بين المتفاوضين على أعلى المستويات على طاولة المفاوضات هي الصعوبة الرئيسية في تحقيق السلام. الواقع أن أكبر مشكلة هي أحيانا ليست على الطاولة وإنما خلفها. لا يقطر السلام ببطء من الأعلى، بل يجب نثر بذوره بشكل واسع وفلاحته بنشاط عبر مجتمع منذ بداية مرحلة التحول تقريبا.
أحد أسباب نجاح مفاوضات جنوب إفريقيا هو أن السياسيين الذين صمموها كانوا أسرع من الجميع في تعلّم ذلك. هدد موسم مرير من أعمال القتل العملية برمّتها بعد أقل من سنة على بدئها العام 1990. بعد عدة شهور من التلّمس والتعثّر، تجاوب الزعماء الجنوب إفريقيين من كل الأطراف بإنشاء هياكل واستراتيجيات على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية للتعامل مع التهديدات التي تواجه السلام والتي واجهت كل مستوى من مستويات الدولة الممزقة بمرارة. فعلوا ذلك بينما كانت نتائج المحادثات على أعلى المستويات مازالت معلقة في ميزان متأرجح، قبل فترة طويلة من التوصل إلى اتفاقات عن القضايا الرئيسية التي توجه النزاع. تؤدي احتمالات حدوث تغيير كبير إلى إطلاق طاقات مكبوتة واسعة في أي مجتمع. يجري تصعيد العواطف البشرية، الجيدة والسيئة. يقوم الناس الذين يتوقون بشدة للتغيير بالدفع قدما مستخدمين أحلامهم وكلهم أمل. هؤلاء الذين يخافون من التغيير أو تكرار الصدمات يرفعون أصواتا عالية ثاقبة تحذيرية. هؤلاء الجائعين للسلطة يمسكون بما يستطيعون الإمساك به.
أبرزت المجموعات السياسية من جميع المناصب والرتب طروحاتها في محاولة لكسب الدعم لمعادلاتها المفضلة. سرّع المتطرفون من نشاطاتهم. ازدادت حوادث التهديد والتخويف والعنف. بحلول العام 1991 قرأ الجنوب إفريقيين في الصحف في نهاية الكثير من عطلات نهاية الأسبوع أخبارا مرعبة: قتلى عديدون في اقتتال بين الفصائل في كيب تاون، مقتل العشرات في غارات من قبل رعاع محليين يقودهم أصحاب عصابات سياسية في مقاطعة الناتال، قتل مزارعين بيض في مناطق ريفية من قبل متطفلين غير معروفين دخلوا عنوة، قتل وجرح العشرات في جميع أرجاء الدولة في عنف مازالت أسبابه غير واضحة، تحرك الشرطة بسيارات مصفحة ضد أشخاص يلقون الحجارة، إطلاق الغاز المسيل للدموع على مئات المتظاهرين وهوجموا بالكلاب المتوحشة واستهدفوا بالرصاص المطاطي من قبل الشرطة. بدا وكأن الدولة كلها قد تشتعل، بينما جلس السياسيون في نقاش لا ينتهي. صعقت مساء أحد أيام الجمعة عندما أدركت أن كل جسر مررت فوقه في طريقي إلى منزل صديق كان تحرسه قوات مسلّحة جيدا. «إنها الحرب!» قلت في نفسي.
في ذلك الوقت التقت مجموعة صغيرة من أصحاب الأعمال والزعماء الدينيين السود والبيض معا واتفقوا على استراتيجية: سيعقدون مؤتمرا حول العنف برعايتهم المشتركة وسيدعون السياسيين للمشاركة. كانت المجموعة متوازنة بشكل جيد من السود والبيض. كانوا يعرفون بعضهم ويثقون ببعضهم بعضا. كانت لهم ارتباطات جيدة بالزعماء السياسيين الرئيسيين. لا يمكن لمجموعة واحدة أن تحصل على السلطة أو الصدقية من خلال عقد المؤتمر باسمها. قبل السياسيون من جميع الخلفيات دعوتهم إلى مؤتمر ثانٍ عقد في يونيو/ حزيران 1991.
وضعت معاهدة السلام الوطني التي نتجت عن ذلك أسسا لأوسع هيكل أوجده إنسان دعما لعملية سلمية. تشكلت عشرة لجان إقليمية مكونة من زعماء محترمين من السود والبيض. أشرفت لجنة سلام وطنية مكونة من كبار السياسيين الوطنيين على اللجان الوطنية. أُنشئت عشرات من لجان السلام المحلية في المناطق الساخنة. عقدت أكثر من ألفي ورشة عمل، معظمها استمر لمدة عدة أيام، لتدريب الناس على مهارات مراقبة العنف والتفاوض وتحليل النزاع والتوسط. عمل مئات الموظفين برواتب وعدد أكبر بكثير من المتطوعين كمراقبين على المسيرات والمظاهرات، وكمحامين يمثلون احتياجات المجتمعات المحلية، وكوسطاء لنزع فتيل نقاط التوتر المحلية، وكمشجعين للسلام داخل مجتمعاتهم المحلية. قامت مجموعة إعلامية بتنظيم حملة إعلامية تطالب بالسلام. سردت برامج في المدارس قصص السلام ودربت الصغار في مجال حل النزاعات. من مفاتيح نجاح معاهدة السلام الوطني أنها تعاملت بشكل فوري ومباشر مع التظلمات والشكاوى اليومية التي كانت فاضحة وشائنة للجنوب إفريقيين السود. كان تصرُّف قوات الأمن الجنوب إفريقية ولسنوات طويلة وحشيا. ضمت معاهدة السلام الوطنية أمرا كان هو الأول من نوعه في الدولة، لائحة سلوك للشرطة وعملية ومنهجية يسيطر عليها الطرفان بشكل مشترك للتعامل مع حالات الإساءة. بدأت صناديق تنمية المجتمعات كذلك بالانسياب عبر معاهدة السلام الوطني إلى المجتمعات السوداء التي تحتاجها.
جلست بصفتي مدير تدريب في منظمة لحل النزاعات مع عدد من مستشاري المجتمع المدني على لجنة التدريب في هيكل معاهدة السلام الوطني. كان نصف أعضاء اللجنة من السياسيين ذوي المناصب الرفيعة الذين كانوا أيضا منخرطين بعمق كمفاوضين في المحادثات الوطنية. تساءلت أحيانا كيف وجدوا الوقت للاجتماع مرات كثيرة كل شهر للخوض في تفاصيل المؤتمرات التدريبية عن التفاوض ومراقبة العنف. ولكن ها هم. رأى الزعماء السياسيون على الجانبين أنهم لا يستطيعون وحدهم دفع البلد نحو السلام. بذلوا جهودا متواصلة لتجذير العملية إلى الأسفل ومعالجة الأمور التي تدفع الناس إلى اليأس، بسرعة. وعلى رغم أن السياسيين أجروا حديثا عالي المستوى فإنهم اتخذوا الإجراءات لتحقيق نتائج عملية معينة على جميع مستويات الأمة. ليس العام المقبل وإنما هذا الشهر. سمح هذا بوجود الأمل وقوة الاندفاع نحو التغيير لأن تنمو وتنمو.
ما نجح في جنوب إفريقيا لن ينجح كله في أي مكان آخر. ولكن بينما نرى عملية سلام إسرائيلية فلسطينية تغرق بسرعة فأنني أتساءل:
- ما إذا كان الزعماء السياسيون على الجانبين يرون الآن حدود توجههم في «السلام الذي يقطر من الأعلى إلى الأسفل» ويدركون أن الإبقاء على عملية السلام حية يتطلب تقديم نتائج فورية للناس على الجانبين على الأقل بأساليب مختارة بدقة وحكمة؟
- ما إذا كان السياسيون على الجانبين منفتحين تجاه تجذير عملية السلام بعمق أكبر في المجتمعات وبطبقات إضافية من قادة المجتمع المدني الذين كُلّفوا بالمساعدة على التعامل مع الاحتياجات الفورية الملحة على أسس مستعجلة؟
- ما إذا كان زعماء المجتمع المدني هنا على استعداد للالتزام كما فعل الجنوب إفريقيين حتى يدعموا بنشاط عملية السلام المتعثرة؟
- ما إذا كان الزعماء على الجانبين يدركون كيف تؤذي الخلافات المرة على الجانب الآخر احتمالات السلام للجميع، وما إذا كانوا منفتحين للحوار عن أساليب الحد من الخلافات الداخلية؟ هذه مهمة سيساعدها بشكل كبير وجود التفاهم المتبادل.
- ما إذا كان المجتمع الدولي، الذي موّل بكرم معاهدة السلام الوطنية في جنوب إفريقيا بعد أن قام الجنوب إفريقيين بتحقيقها، مستعد للتقدم مرة أخرى لدعم هيكل كهذا إذا وجد هنا؟
* مستشار تدريب لمعاهدة السلام الوطني في جنوب إفريقيا، 1993 - 1995. مركزه الآن القدس وعمان كمستشار كبير حول بناء السلام والدبلوماسية للجنة خدمات الأصدقاء الأميركيين (الكويكرز)
العدد 2135 - الخميس 10 يوليو 2008م الموافق 06 رجب 1429هـ