طبقا لما يقوله خبراء الاقتصاد في القطاع الخاص فإن وجود خطة جيدة لحفز الاقتصاد الأميركي يمكن أن تقلل من حدة أزمة الركود الاقتصادي التي تعصف بالاقتصاد الأميركي وأن ترسي دعائم النمو الاقتصادي المستديم في المستقبل القريب.
وطلب الرئيس المنتخب باراك أوباما من فريقه الاقتصادي العمل مع زعماء الكونغرس لسن تشريع يستهدف إنعاش الاقتصاد الأميركي المتباطئ واستحداث فرص عمل جديدة. وفيما هُرع الزعماء الديمقراطيون في الكونغرس لإعداد خطة تحفيز الاقتصاد لتكون جاهزة لتوقيع أوباما فور تنصيبه يوم 20 من يناير/ كانون الثاني المقبل، فإن أخبار الاقتصاد الأميركي تزداد قتامة. إذ أصبح الاقتصاد الأميركي في حالة ركود، وتزايدت نسبة البطالة إلى حد كبير.
ويتفق معظم الاقتصاديين على الحاجة إلى وجود خطة حفز اقتصادية ضخمة. وفي رسالة إلى أعضاء الكونغرس يوم 19 نوفمبر/ تشرين الثاني دعا ما يقرب من 400 خبير اقتصادي بالقطاع الخاص، بينهم حاصلون على جوائز نوبل إلى إعداد خطة «سريعة وفعالة» لمواجهة الركود الاقتصادي. لكن مكونات وحجم خطة تحفيز الاقتصاد ما زالت موضع جدل.
وطبقا لما يقوله خبراء الاقتصاد فإنه لكي يكون للخطة أثر فعال كبير فإنها ينبغي أن تتراوح بين 400 إلى 600 بليون دولار، أي ما يتراوح بين 2.5 في المئة إلى 4 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة، الذي يعد مقياس الناتج النهائي لكل السلع والخدمات خلال فترة محددة من الزمن. وحسبما تقول التقارير الإخبارية فإن زعماء الكونغرس يتفقون مع المدى الذي طرحه خبراء الاقتصاد.
وذكر موريس غولدستين، أحد كبار الباحثين في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، أن أي خطة لتحفيز الاقتصاد يجب أن تستخدم الإنفاق الحكومي بشكل جيد- وخاصة في استحداث فرص عمل جديدة. ويقول العديد من خبراء الاقتصاد إن الخطة ينبغي أن تتضمن تقديم العون للولايات والحكومات المحلية التي تعاني بسبب الركود، وأن تشمل توسيع نطاق الخدمات الاجتماعية مثل إعانات البطالة للعاملين، كما تتضمن تمويلا لمشروعات البنية الأساسية. وهناك مقترحات أخرى تتراوح بين الإعفاءات الضريبية لفترة محددة إلى إلغاء كل الضرائب على الشركات.
وكان أوباما أكد على أن الاستثمار في البنية الأساسية يعتبر أفضل السبل لانتشال البلاد من الركود الاقتصادي. وقال الرئيس المنتخب «إننا بحاجة لأن نتصرف بالسرعة التي تقتضيها الضرورة الملحة في الوقت الراهن من أجل الحفاظ على 2.5 مليون فرصة عمل أو استحداث مثل هذا العدد من فرص العمل على أقل تقدير، لكي يدرك ما يقرب من المليوني أميركي الذين فقدوا وظائفهم أن أمامهم أملا في المستقبل».
بينما ذكر خبير اقتصادي آخر من الباحثين في معهد بيترسون، وهو سيمون جونسون أنه بفضل انخفاض أسعار البترول والمواد الخام، فإن «القوة الشرائية للأموال» بالنسبة لتوفير فرص العمل من خلال الإنفاق على البنية الأساسية ستكون مرتفعة بصفة خاصة.
ويقول الخبير غولدستين إن إنفاق الحكومة لحفز الاقتصاد سيكون فعالا إذا تم ضخ الأموال في الاقتصاد خلال النصف الأول من العام 2009، حينما سيكون الاقتصاد في أضعف أحواله كما هو متوقّع.
وكان حكام الولايات أبلغوا أوباما في اجتماع عقدوه معه أخيرا أن ولاياتهم لديها مشروعات لبناء مدارس وتشييد جسور وإنشاء طرق قيمتها 136 بليون دولار، من الممكن أن تبدأ خلال ستة أشهر. ووضع مؤتمر رؤساء البلديات بالولايات المتحدة خططا لمشروعات مشابهة في المدن الأميركية تبلغ قيمتها 73 مليار دولار، وبمقدور تلك المشاريع أن توفر 850 ألف فرصة عمل.
غير أن أوباما أشار إلى أن الاستثمار في البنية الأساسية يجب أن يؤدي أيضا إلى إرساء الأساس للنمو الاقتصادي على المدى الطويل وأن يعطي دفعة مبدئية للإصلاح في مجالات الطاقة والرعاية الصحية وإصلاح مجالات أخرى واسعة النطاق دعا إليها أثناء حملته الانتخابية. ومن بين الأمثلة التي أشار إليها كمجال لتلك الاستثمارات ذكر أوباما تطوير إنتاج الطاقة، وترشيد استخدام الطاقة بالمباني العامة، وتزويد المستشفيات بالسجلات الطبية إلكترونية، وتزويد المناطق المحرومة بالخطوط السريعة للإنترنت.
ويشكك البعض في أن يكون لخطط التحفيز القصيرة الأجل في مشروعات البنية الأساسية تأثير يُذكر نظرا لأن الأمر يستغرق وقتا طويلا قبل أن تتدفق الأموال إلى شركات البناء والمقاولات وفي الاقتصاد الأوسع نطاقا. وكتب جون ميكين الباحث، في معهد أميركان إنتربرايز، وهو مؤسسة أبحاث سياسية، في مقال نُشر أخيرا أن «ظهور الأثر الفعال لتطبيق تلك الإجراءات من حيث التكلفة يتطلب وقتا، بينما يؤدي التعجل في تطبيقها إلى فقدان موارد نادرة».
لكن مارك زاندي من موقع «موديز إيكونومي دوت كوم»، وهو موقع أبحاث واستشارات يقول إن المشكلات الاقتصادية ستبقى لفترة طويلة تكفي لأن يستفيد الاقتصاد من الاستثمار في البنية الأساسية.
وفي أغلب الأحيان يعارض الجمهوريون في الكونغرس أي إنفاق جديد على أساس أنه سيؤدي إلى زيادة الدين القومي وعجز الموازنة الفيدرالية، الذي بلغ 455 بليون دولار خلال العام المالي 2008، وهو ما يساوي 3 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.
ومن جهته قال أوباما إن إنعاش الاقتصاد سيكون له أولوية على المخاوف المتعلقة بعجز الموازنة حينما يتولى منصب الرئاسة. وقال وهو يشبّه الوضع بمريض في حالة صحية حرجة «إننا يجب أن نقوم بعملية نقل دم للمريض فورا لكي نضمن أن تكون حالته مستقرة.» وعلى الرغم من ذلك وعد أوباما بإجراء مراجعة دقيقة للموازنة لإلغاء أي إسراف أو نفقات غير ضرورية.
ويتفق الزعماء الديمقراطيون في الكونغرس إلى حد كبير مع أوباما في ترتيب أولويات خطة تحفيز الاقتصاد. وقالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي «إن الكونغرس مستعد لأن ينطلق في العام القادم لمساعدة الرئيس أوباما في تمرير خطته». وأضافت إن إعادة بناء البنية الأساسية وتوفير فرص عمل جديدة ستكون «في مقدمة المهام» بالنسبة للكونغرس الجديد.
ويحذر القريبون من فريق أوباما الانتقالي من التوقعات المبالغ فيها من خطة تحفيز الاقتصاد . فالخطة لن تكون كافية لإحداث تغيير اقتصادي سريع، كما يقولون، لكنها يمكن أن تؤدي لأن يكون الكساد أقل حدة
العدد 2296 - الخميس 18 ديسمبر 2008م الموافق 19 ذي الحجة 1429هـ