تزعمت أوروبا الجهود الدولية الرامية إلى ترتيب أوضاع العالم المالية بعد الأزمة الحادة التي طالتها عام 2008، مستفيدة في ذلك من تراجع الدور الأميركي بسبب مسئولية واشنطن في هذه الكارثة ووصول إدارة جورج بوش إلى نهاية عهدها، غير أنها تنتظر الآن دخول باراك أوباما إلى البيت الأبيض لتحقيق الإصلاح فعليا.
وقال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أخيرا مبديا اعتزازه «للمرة الأولى في التاريخ المالي، كانت خطط وضعها الاتحاد الأوروبي مصدر إلهام لإجراءات اتخذت في بلدان أخرى بما فيها الولايات المتحدة». وضمن ساركوزي نجاح الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي بفضل إدارته للازمة المالية في أوروبا، بعد المساعي التي بذلها لوقف النزاع بين روسيا وجورجيا في أغسطس/آب. غير أن الخطوات الأوروبية في مواجهة الأزمة المالية بدأت شاقة، حيث اعتبرت الحكومات الأوروبية بغالبيتها الكبرى على مدى تسعة أشهر أن الأزمة المالية التي نشأت في الولايات المتحدة وتحديدا في قطاع القروض العقارية، تبقى شأنا أميركيا.
وحين طاول الإعصار مصارف القارة الأوروبية في سبتمبر/ أيلول بعد إفلاس مصرف ليمان براذرز، جاءت ردود فعل البلدان الأوروبية مشتتة ومبلبلة ولم تأخذ بالاعتبار انعكاسات خططها الوطنية لمساعدة القطاع المصرفي على الدول المجاورة لها.
غير أن خطورة الوضع حتمت في نهاية المطاف ردا منسقا وجماعيا قضى بتخصيص نحو ملياري يورو لإنقاذ النظام برمته.
وقال جان بيساني- فيري مدير مركز بروغل للدراسات الاقتصادية في بروكسل «ينبغي عدم الانسياق للمفاخرة، فالأوروبيون وجدوا صعوبة في اعتماد موقف مشترك».
لكنه أضاف أنه في نهاية الأمر «أثبت الأوروبيون عن صفات قيادية ووحدة صف في ظل ظروف مؤاتية لهم مع اقتراب الإدارة الأميركية من نهاية ولايتها»، معتبرا «أنهم أثبتوا بما لا يحمل الشك عن جدارة على صعيد ضبط المالية الدولية».
وهذا الوضع سمح لهم بدفع الرئيس بوش رغم تمنعه إلى تنظيم قمة لدول مجموعة العشرين في نوفمبر/ تشرين الثاني في واشنطن لدرس إمكانية ضبط النظام المالي بعد أعوام من المضاربة العشوائية أشاعت فيه الفوضى.
ولم تسفر هذه القمة بالطبع عن نتائج عملية وتم التخلي عن الطموحات الفرنسية بإبرام اتفاقية جديدة شبيهة باتفاقية «بريتون وودز» التي وقعت عام 1944 وأعادت ترتيب النظام المالي والنقدي العالمي برمته.
وتعتزم الدول الكبرى الآن العمل على برنامج إصلاح يطبق في الأشهر الأولى من العام 2009 بعدما تكون الأوضاع تبدلت تماما في الولايات المتحدة مع انتقال مهام الرئاسة إلى الديمقراطي باراك أوباما المؤيد لضبط الأسواق المالية، وهو ما لا يحظى بتأييد كبير من الرئيس الحالي.
والموعد المقبل المرتقب لإصلاح المالية الدولية سيكون في الثاني من أبريل/ نيسان مع انعقاد قمة جديدة لمجموعة العشرين في لندن، مقر أكبر البورصات الأوروبية.
لكن يبقى السؤال مطروحا عما إذا كانت بريطانيا الشديدة الليبرالية والتي توصي اليوم بمزيد من الضوابط، ستبدي النوايا الإصلاحية ذاتها في ربيع 2009.
وشكك جاك اتالي المستشار السابق للرئيس الفرنسي الاشتراكي فرنسوا ميتران في ذلك وقال أخيرا متحدثا للتلفزيون الفرنسي «إن تنظيم قمة بشأن الإصلاح المالي في لندن أشبه بعقد اجتماع لجمعية مساعدة مدمني الكحول في حانة»
العدد 2296 - الخميس 18 ديسمبر 2008م الموافق 19 ذي الحجة 1429هـ