أعادت محكمة دولية أمس (الأربعاء) ترسيم حدود منطقة أبيي الغنية بالنفط المتنازع عليها بما يمنح شمال السودان حقول نفط مهمة في قرار وصف بأنه حل يستحق الإشادة لنزاع طويل على الأراضي. وتعهد زعماء من الشمال والجنوب باحترام الحكم الذي أصدرته محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي بينما رقص أكثر من ألف شخص في شوارع أبيي للاحتفال بالقرار. لكن محللين قالوا إنه لا يزال هناك خطر من عودة النزاع بشأن منطقة وسط أبيي لدى استيعاب الشماليين والجنوبيين وسكان المنطقة لتداعيات الحكم المعقد الذي أصدرته محكمة لاهاي.
وقضى قرار المحكمة بتقليص حدود المنطقة من 18500 كلم مربع إلى 10 آلاف كلم مربع، بحسب خريطة أصدرتها المحكمة، وبناء عليه باتت الحدود الشمالية للمنطقة عند خط العرض 10 درجات و10 دقائق.
لاهاي - أ ف ب
حسمت محكمة التحكيم الدولية في لاهاي أمس (الأربعاء)، النزاع الدائر بين الخرطوم وجنوب السودان بشأن منطقة ابيي الغنية بالنفط، بقرارها تقليص مساحة المنطقة، وبالتالي منح الخرطوم السيطرة على الحقول النفطية، في قرار أكد طرفا النزاع قبولهما به.
وأعلن طرفا النزاع أي حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان (التمرد الجنوبي السابق)، اللذان رفعا في ديسمبر/ كانون الأول 2008 إلى محكمة لاهاي نزاعهما بشأن حدود هذه المنطقة اثر معارك دامية فيها، قبولهما بالقرار التحكيمي.
وقضى قرار المحكمة بتقليص حدود منطقة أبيي من 18500 إلى 10 آلاف كيلومتر مربع، بحسب خريطة أصدرتها المحكمة، وبناء عليه باتت عليه الحدود الشمالية للمنطقة عند خط العرض 10 درجات و10 دقائق.
وبحسب حكومة الخرطوم فإن هذا القرار يمنحها السيطرة المباشرة على الأراضي الواقعة شمال خط العرض هذا، وهي أراض غنية بالحقول النفطية وكانت حتى الساعة جزءا من منطقة أبيي.
وكانت الخرطوم تخشى من أن تعتبر محكمة التحكيم هذه الأراضي جزءا من منطقة أبيي، وبالتالي أن تصبح في قبضة الجنوبيين إذا ما قرر سكان أبيي الانضمام إلى الجنوب.
وينص اتفاق السلام الشامل الموقع بين الشمال والجنوب العام 2005، على تنظيم استفتاءين في 2011، أولهما في أبيي حيث سيقول سكان المنطقة كلمتهم فيما إذا كانوا يريدون الاحتفاظ بالوضع القانوني الخاص لمنطقتهم في إطار سيادة الشمال عليها، أم يرغبون بالانضمام إلى الجنوب. أما الاستفتاء الثاني فسيجري في الوقت عينه في الجنوب حيث سيحدد السكان ما إذا كانوا يريدون الاستقلال عن الخرطوم أم لا.
وقال ممثل حكومة الخرطوم درديري محمد أحمد، إثر النطق بالحكم «ربحنا كثيرا بهذا الحكم»، مؤكدا أن الأراضي التي أصبحت بموجب القرار تحت سيطرة الحكومة «تتضمن الحقول النفطية المتنازع عليها».
من ناحيته، أبدى رئيس محكمة التحكيم الدولية في لاهاي، القاضي بيار ماري دوبوي: «ثقته في أن طرفي النزاع سينفذان الحكم بنية حسنة». ولفت إلى أن «الطبيعة النهائية والملزمة للحكم الصادر اليوم (أمس) حاسمة لمواصلة عملية السلام»، داعيا طرفي النزاع إلى تشكيل لجنة مشتركة مهمتها تعليم الحدود على الأرض.
من جهته، قال ممثل الحركة الشعبية لتحرير السودان في لاهاي، ريك مشار تيني، إثر النطق بالحكم «لم يخب أملنا جراء القرار. أعتقد بأنه قرار متوازن سيؤدي إلى ترسيخ السلام في السودان».
بدوره، أعلن وزير الخارجية السوداني والقيادي الكبير في الحركة الشعبية لتحرير السودان، دينغ الور، أن «قرار محكمة التحكيم الدائمة ملزم لطرفي النزاع. الحركة الشعبية لتحرير السودان وشعب المنطقة سيحترمون هذا القرار».
غير أن الوزير الجنوبي المتحدر من أبيي كان أكثر دقة في تفسيره للقرار، ناصحا بالتروي لرؤية تطبيقه. وقال من أبيي «هناك نفط أينما كان في هذه المنطقة، علينا أن ننتظر لرؤية الحكم على الورق وعلى الأرض لتحديد أين توجد فعلا الثروات».
وقال درديري محمد أحمد «لقد حصلنا على ما كنا نعتبره عادلا، إنها الصيغة التي يمكن أن نحيا معها. يمكننا الآن المضي قدما نحو الخطوة المقبلة في 2011».
من جانبه، أعلن ممثل الأمم المتحدة في السودان اشرف قاضي، أن الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفقا على أن النزاع بينهما على هذه المنطقة قد سوي.
واقتطع قرار المحكمة مساحات واسعة من أبيي في الشرق والغرب أيضا. وكانت حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان رفعتا في ديسمبر/ كانون الأول 2008 إلى محكمة لاهاي نزاعهما بشأن حدود هذه المنطقة التي شهدت في مايو/ أيار 2008 معارك أدت إلى تدمير مدينة أبيي ومقتل نحو 100 شخص ونزوح عشرات الآلاف.
ويهدد تجدد أعمال العنف اتفاق السلام الشامل الذي ابرم في العام 2005 بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان والذي وضع حدا لحرب أهلية دامت عشرين عاما، هي الأطول في إفريقيا.
وخشية تجدد المواجهات في أبيي بعد قرار قضاة لاهاي، نشرت الأمم المتحدة أعدادا إضافية من جنود قوة حفظ السلام في هذه المنطقة الواقعة على الحدود بين الشمال السوداني المسلم والجنوب ذي الغالبية المسيحية والأرواحية.
وفي أول رد فعل خارجي على القرار دعت باريس طرفي النزاع إلى تطبيق قرار محكمة التحكيم الدائمة الذي وصفته بـ «الجوهري».
وقالت الخارجية الفرنسية، إن «فرنسا تدعو الطرفين اللذين اتفقا على إحالة نزاعهما الحدودي على المحكمة الدائمة واتفقا على تشكيل محكمة تحكيمية لهذه الغاية، إلى التطبيق الكامل لهذا القرار في أسرع وقت ممكن»، مذكرة بأنها ساهمت بملبغ 100 ألف يورو لتمويل محكمة التحكيم بشأن أبيي.
وفي وقت لاحق أمس، دعا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حكومة السودان والمتمردين الجنوبيين السابقين إلى تطبيق «فوري» لقرار محكمة التحكيم في لاهاي.
وقالت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في بيان مشترك من بروكسل، إنهما «تطلبان معا من طرفي اتفاق السلام الشامل (الموقع العام 2005) أن يطبقا فورا قرار محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي».
وأضاف البيان أن على الجانبين، أي حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان (متمردون سابقون)، «أن يستخدما سلطتهما ونفوذهما لضمان احترام قرار المحكمة وتطبيقه في شكل سلمي»، معتبرا أن هذا القرار يشكل «مرحلة أساسية» نحو تطبيق اتفاق السلام.
العدد 2512 - الأربعاء 22 يوليو 2009م الموافق 29 رجب 1430هـ