قاعة كبيرة مزينة بأحلى وأجمل أنواع الزينة! تتوسطها لوحة فنية كبيرة قديمة تحمل صورة المرحوم رئيس الشركة وبجانبه ابنه الصغير الحالي، إلا أن إطارها الخشبي لم يسلم من نخر الحشرات! تضيئيها ومضات نور من ثرية كبيرة تتدلى من الأعلى تملأ القاعة نورا وضياء تكفي لإنارة قرية صغيرة بحالها جلبت من إيطاليا! وباقة كبيرة من الزهور والورود من جميع الألوان والأشكال والأحجام تقدر بمئات الدولارات وضعت أمام المنصة جلبت من هولندا خصصيا لهذه اليوم، قد لا تتفقون معي عندما أقول تقاسمت قيمتها أيد متنفذة من تحت الطاولة، كما يتقاسم المتنفذون اليوم علاوات ومكافآت موظفين الشركات الغلابة، وضعت هذه الباقة بجانب رئيس الشركة وصاحبها احتفاء بقدومه وهو يحضر هذا الحفل ولأول مرة.
عندما يلقي كلمته في هذه القاعة الكبرى التي يكتنفها الهدوء والانصياع لما يقول والإنصات التام له، ما خلاء هزهزات الرؤوس لكبار المنافقين الذين اعتادوا على ذلك، مصحوبة بابتسامات مصطنعة خبيثة، أو خرير الماء الذي يتدفق من نافورة كبيرة وسط فناء مبنى الشركة متناغما مع هزيزالرياح الذي يطل عليهم بين الفنية والأخرى محتجا هو الآخر، ينبئهم بقرب هطول قطرات صغيرة من المطر، لكن من نوع خاص! وهبات من الرياح تعبيرا عن تظلمات العاملات المفصولات!
لحظات وينتهي الرئيس من كلمته الحزينة المؤثرة، ليعلو القاعة تصفيقا حارا ووقوفا من الحضور تقديرا ونفاقا له، ثم ماذا؟ ثم القنبلة التي فجرتها فتاة جميلة محجبة انبرت واقفة من وسط الحفل الكبير لا تتجاوز 33 ربيعا من حضر احتفاء في يوم الذكرى السنوية لتأسيس الشركة! حيث وقفت هذه الشابة الجريئة من بين ما يقارب من مئة موظف وموظفة حضروا الاحتفال، طالبة الاذن بالكلام حيث جوبهت بالرفض بداية من قبل مدير الشركة الفض سمين القول والبدن، لو لا تدخل الرئيس الذي سمح لها بالكلام إذ تقدمت بكل أدب واحترام لكن قبل أن تبادر بتفجير قنبلتها، سبقتها ميلان الأعناق والوجوه واستدارة الرؤوس إليها، كأنها مفاجأة الحفل، تستكشف ما أمر هذه الفتاة وما حقيقتها وماذا تريد أن تقول؟
سيدي الرئيس... اسمحوا لي بهذه المداخلة المختصرة أن أطلعكم على أمر مهم جدا فيما كان يدور في شركتكم هذه طوال العشر سنوات مضت، لا يختلف أهمية عن فصل زميلاتي في الشركة، الممنوعات من الدخول والجالسين خارج القاعة كالمتسولين أو كالعبيد والإماء، بينما مدراء الشركة سمحوا للفساد المالي والإداري بالدخول للشركة من أوسع أبوابه والتعشيش فيها سنيين طويلة! سيدي الرئيس... بداية وكما تعلمون بأن الحشرات في هذه الدنيا كثيرة منها نافعة للجسم وللبشر وخصوصا المستضعفين، ومنها ضارة جدا مذلة للمستكبرين... التاريخ يستعرض لنا أنواعا منها، فحشرة الأرضة التي سخرها البارئ العلي القدير خير برهان لتأكل صحيفة قريش تماما، ولم تترك إلا البسملة، لتفسد عليهم خطتهم خطة المقاطعة، والتي علقوها وكتبوا فيها بنود المقاطعة والحصار الذي فرضوه على الرسول (ص)! وكذلك ذبابة «المأمون» أحد الخلفاء العباسيين آنذاك التي أذلته وقضت عليه عندما دخلت في أنفه ولم تخرج إلا بخروج روحه، ولا بد أنكم سمعتم عن حشرة الرئيس الأميركي الجديد الأخيرة إذ عكرت صفو حياته في هذه الدقيقة الحرجة أثناء مقابلته مع أحدى محطات التلفزة الأميركية
سيدي الرئيس... لا أعتقد أنها فاتتكم حشرة الرئيس الأميركي السابق كلينتون وعلاقته الفاضحة مع متدربة البيت الأبيض التي طيرت عقله ومنصبه!
إنني اليوم أمامكم أود أن أطلعكم عن هذه الحشرة الصغيرة الوافدة إلينا والتي تكاثرت وانتجت حشرات من بني جنسها راحوا ينخرون في جسم الشركة تماما كما سبقوا ذلك النخير في صورة والدكم! وهنا علت القاعة من جديد سخرية وضجة وتمتمات كبيرة! وتساؤلات كثيرة بين الحضور عن ماهية هذه الحشرة، ومن تكون، متبوعة باستدارات الرؤوس إلى الخلف من جديد تستكشف الفتاة التي كشفت المستور وعرت الممنوع في يوم التكريم، تاركة علامات استغراب في وجوه الحضور! بينما سمين الجسم والكلام اندس في مقعده الأمامي يبحث عن منديله الخاص ليخفي وجه، ولسان حاله يقول ماذا فعلت بنا يا فتاة خصوصا في هذا اليوم؟
وأما نائبه الواقف أمام رئيس الشركة صار كالصنم الأصم لا يحرك ساكنا!
سيدي... هذه الحشرة ومنذ أن قدمت إلينا من أقصى الأرض عريانة الآداب والمنطق واللباس! خاوية من المؤهلات الأدبية والعلمية! ما خلا المؤهلات الفاضحة التي تستعرضها كل يوم على موظفي الشركة! كالتلاعب بخصلات شعرها وتلوينه بشتى الألوان والأشكال، فيوم متموج كموج البحر الأزرق الجميل وخصوصا عند مقابلتها المتنفذين! ويوم آخر كتسريحة كيرلي! وتختتمها قبل ألويك أند بالتسريحة الطويلة! تغري إليها المغفلين، وكأنها تعمل موديل في صالة رقص، وليست موظفة حسابات في أهم أقسام الشركة! ناهيك عن مفاتنها التي توزعها على الموظفين كل يوم، كاشفة لهم عن جزء من جسمها من فساتينها المختلفة الشكل والحجم، تتمايل بكامل جسمها في أروقة مبنى الشركة كما تمرر قراراتها المشبوهة عند مدير الشركة على الموظفين!
أو تأخذ منه توقيعه لشيكاتها المزيفة دون رقيب أو حسيب، ومنذ أن جاءت لا تحمل جوازا ولا هوية، ولا حتى شهادة ولا تعرف أصلا من أمور المال والإدارة شيئا، ولكن تعرف عن أمور الكذب والخبث والنفاق وأسلاك الوصول لأغراضها، التي وطدت علاقاتها بكبار المدراء في مناسبات الشركة المشبوهة، حتى انحنى لها الكبير وانصاع لها البسيط إجلالا ليس لأخلاقها ولكن لميوعتها وحلاوة لسانها، فاخترقت الحواجز، وغلقت الأبواب، وجمعت الأسرار، وفتحت الخزائن لأمرها، وصارت تملك القرارات وتصدر الأوامر! وتسرح الموظفين، وتستبدلهم من بني جنسها متى تشاء، فالواقفة أمامكم من أصابهم التسريح تحت مبرر الأزمة المالية!
والاستغناء عن خدماتي المهنية ابتداء من تاريخه دون سبب ولا مبرر! وعادت الضجة من جديد وهبت رياح الخماسين لكن بنوع مختلف، إذ علا التصفيق وعبارات التأييد من قبل المفصولين والمفصولات لهذ الفتاة، وعلت أصوات من المقاعد الخلفية تطالبها بكشف اسم الحشرة، وعادت هذه الفتاة تهدئ روع وحماس الحاضرين، سيادتي سادتي... هذه الحشرة جالسة أمامكم!
وكما قلت من قبل إذا لم يستطيع أكبر رئيس دولة في العالم أن يتحملها دقيقة واحدة عندما هاجمته في البيت الأبيض، فكيف سيدي استطعتم أن تتحملونها 10 سنوات تلهو وتعبث في أمور الشركة، سيدي إنني لست نادمة على إقالتي من هذه الشركة ولا حتى زميلاتي نادمات بقدر ما أننا نادمون على مصير الشركة التي صارت تملكها هذه الحشرة، واستغرابي الكبير هو كيف أوصلت شركتك هذه إلى هذا الوضع دون أن تحركوا ساكنا ضد هذه الموظفة؟ وهنا لم يتحمل رئيس الشركة الكثير من الفضائح فقاطعها بشكرها لينهي ليلة التكريم والتتويج الحزينة، بدموعه التي بدت جارية على خديه التي لم يستطيع أن يمسحها أو يخفيها، لأن المخفي أعظم!
وكأن دموعه صارت حال لسانه! حينما قالت هذه الفتاة والتي سميتها حشرة هي فعلا حشرة طيرت عقلي ومنصبي حتى استولت على جميع أموالي كما طيرت بأكبر رئيس دولة في العالم!
وصارت تمتلك الشركة، وإن حضوري اليوم لتسليمها جميع أمور الشركة، ولم يتبقَ لي شيء فيها، وعلت الضجة والصراخ من جديد ولكن هذه المرة من الحشرة الكبيرة وأنصارها الحشرات الصغيرات المجنسات فرحا وابتهاجا باستلام مهام ومقاليد الشركة، واليوم يتواجد على شاكلتهم في وطننا، يمتلكون الكثير من الأسواق والشركات والمشاريع التجارية، بل قريبا سيملكون الوطن!
مهدي خليل
العدد 2521 - الجمعة 31 يوليو 2009م الموافق 08 شعبان 1430هـ