حذر الباحث الاقتصادي رئيس جمعية الاقتصاديين البحرينية هاشم حسن الباش من زيادة التضخم في البحرين بسبب زيادة الانفاق العام بدون زيادة مماثلة في الإيرادات او الضرائب مايمكن ان يؤدي الى حدة في الردود الشعبية، وقال ان أهمية دارسة الموازنة الحكومية تنبع من قبل مختلف فئات المجتمع (سياسيون واقتصاديون وفاعلون اجتماعيون... الخ) لما تثيره السياسات المالية من انعكاسات على حياة الأفراد والمجتمع من خلال إشباع حاجاتهم. وقد تختلف وجهات النظر إزاء هذه السياسات انطلاقا مما يعتنقه الفرد من نظريات اقتصادية وفلسفة اجتماعية وما يدين به من عقيدة سياسية.
وترتبط زيادة النفقات في الموازنة العامة بصورة عامة بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الإنسانية ودور الدولة وأهدافها ونشاطها المالي لإشباع الحاجات العامة. وبكلمات أخرى، هناك علائق قوية بين النشاط المالي للدولة والمرحلة التي وصل إليها المجتمع من تقدم اقتصادي واجتماعي، وهذا يتحدد بتفاعل العوامل السياسية ومدى توافر الموارد الاقتصادية لإشباع الحاجات العامة أي إمكان ان تسيطر الدولة على الموارد مباشرة عينا وإجبارا، لأن ذلك هو الطريق للحصول على الإيرادات للإنفاق على تلك الحاجات وتحقيق أهداف المجتمع المختلفة. جاء ذلك في ندوة عقدت يوم امس الاول في جمعية المنبر الديمقراطي دارت حول الموازنة العامة للبحرين ،وهنا النص الكامل لمحاضرة هاشم الباش.
إن السعي الدائم إلى إشباع الحاجات العامة من قبل الدولة، على ضوء فلسفتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يواجه ما يمكن ان نطلق عليه بـ «المشكلة المالية» أي القيام بسلسلة من الاختيارات بين عدد محدود من وسائل الإشباع لهذه الحاجات التي يتيحها الدخل القومي في سبيل تحقيق أقصى منفعة ممكنة.
أولا: التطورات الاقتصادية
عرف اقتصاد البحرين انعطافا كبيرا وعميقا في المناشط الاقتصادية منذ اكتشاف النفط وتسويقه في الثلاثينات. وحمل النفط بتدفقه وتسويقه الكثير من التغييرات الاقتصادية والاجتماعية، إذ كانت البلاد تعاني من الكساد التجاري للؤلؤها بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية ومنافسة اللؤلؤ الصناعي الياباني بالإضافة إلى كثرة ما يستخرجه الغواصون من لؤلؤ ولعدم اتفاق تجاره على سعر معين لأنواعه.
وواكب التغيير في المناشط الاقتصادية وازدياد دخل البحرين من النفط اتساع حركة التجارة (الداخلية والخارجية) وكبر القطاع التجاري وعدد العاملين فيه وتطورت تجارة الترانزيت ولعب الموقع الجغرافي دورا لا بأس به في الاستيراد والتصدير إلى الدول المجاورة.
لم تبدأ تباشير الازدهار الاقتصادي بالظهور بوضوح، بعد اكتشاف النفط إلا في الخمسينات، إذ تميزت هذه الفترة بارتفاع العوائد المالية المتأتية من النفط، إذ وصلت إلى 5,271 مليون دولار في العام 1951 بسبب مباشرة عمليات الحفر وفتح بعض الآبار المنتجة التي أغلقت أثناء الحرب العالمية الثانية والتعديلات التي طرأت على اتفاقات تقاسم الأرباح مع الشركات النفطية العاملة في منطقة الخليج.
أصبح النفط المصدر الرئيسي لتوليد الدخل والركيزة الأساسية لإيرادات الدولة، إضافة لاحتلاله موقعا مهما من إجمالي إيرادات الموازنة العامة حتى انها تتجاوز في أكثر الأحيان 50 في المئة من مجموعها، على رغم تراجع نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.
إن التغييرات الاقتصادية التي أصابت هيكل الاقتصاد البحريني، قد جرّت معها توسعا في أعمال الدولة التقليدية (حماية الأمن الداخلي والدفاع الخارجي والعدل وتزويد المجتمع ببعض المرافق العامة التقليدية من دون محاولة التأثير على النشاط الاقتصادي) ورافق ذلك تعاظم وتعمق دورها وتوسع الأجهزة التنفيذية وتشعب المسئوليات واستحداث النظم والقوانين، إلا ان هذا لم يحدث فجأة وإنما قد تم تدريجيا منذ إنشاء أولى الوحدات الإدارية الحديثة العام 1962م. وقد رافق ذلك ازدياد في أعداد العاملين في القطاع الحكومي وخصوصا بعد الاستقلال في السبعينات، فقد بلغ عددهم في العام 2002 حوالي 32 ألفا مقابل أحد عشر ألفا في العام 1974. كما ان النفقات العامة قد ازدادت لتبلغ في موازنة العام 2002 (1046 مليون دينار) تمتص منها نفقات القوى العاملة ما يقارب 41,19 في المئة. أما الاعتمادات المالية لموازنة 2003 و2004 فستكون 1129 مليون دينار و1152 مليون دينار على التوالي.
وهذا لا يدعو إلى الجزم باستمرارية تزايد حجم القوى العاملة في القطاع الحكومي مستقبلا لأن ذلك مرتبط بما تولده المشروعات من فرص عمل وسياسات التخصيص وطبيعة التكنولوجيا المستخدمة.
إن الوصول إلى تحقيق تلك الأهداف يتطلب إدارة مالية فاعلة وكفؤة، لأنها تمثل أحد السبل المهمة للتنمية وهي أداة لا غنى عنها للتخصيص والتوزيع الأمثل للموارد المتاحة، إلا انها ليست بعيدة عن المشكلات التي يمكن ان تثار في مجال السياسات المالية العامة بصورة عامة:
1- ظهور بعض المشكلات الاقتصادية مثل انخفاض العائدات من التصدير على سبيل المثال، هذا ما عرفته دول الخليج العربي بعد انخفاض أسعار النفط في الفترة 1982 و1986 ما أدى إلى نقص كبير في عائداتها المالية وأثر سلبا على مشروعاتها الإنمائية والاجتماعية.
2- كبر حجم الإدارة الحكومية وما ترتب عليه من تخصيص موارد أكبر لها وميل الإدارة الحكومية إلى الإنفاق بأكثر مما تسمح لها مواردها، الأمر الذي يخلق مشكلة العجز في الموازنة وضعف الإنتاجية في القطاع الحكومي وانخفاض الرواتب والأجور.
3- ظهور مشكلات جديدة في كثير من الدول النامية بعد اقتراح سبل تخفيض حجم الإدارة والقطاع العام وتخفيض مخصصات الدعم المقدم للسلع والخدمات، إذ ازدادت حدة البطالة والفقر والتفاوت في توزيع الدخل.
4- تأثر القطاع المالي الحكومي بالصدمات الخارجية وتكرارها وضعف قدرته على القيام بوظائفه، نتيجة خضوعه لمصدر رئيسي في التمويل، ما يؤدي إلى تدهور في ميزان المدفوعات.
5- كما ان التطور السكاني يزيد من الإنفاق العام لما يتطلبه ذلك من توسعة عمليات توفير الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها، وعلى سبيل المثال ان عدد سكان البحرين قد عرف تزايدا ملحوظا خلال الستين سنة الماضية فقد ارتفع من 89,970 نسمة العام 1941 إلى 650,604 نسمة في العام 2001. وقد تؤثر الزيادة في السكان على حجم النفقات العامة، وكذلك في اتجاهات هذه الزيادة.
وانطلاقا من ان السياسة المالية هي دراسة تحليلية للنشاط المالي للحكومة وما ينتج عنها من آثار بالنسبة على مختلف القطاعات الاقتصادية، ولما تتضمنه هذه الآثار من التكييف الكمي والنوعي لحجم الإنفاق والإيرادات العامة ومصادر هذه الإيرادات بغية تحقيق أهداف معينة، فإنه ينبغي دراسة بعض المؤشرات التي يمكن ان تساعدنا على التعرف على خبايا الموازنات العامة من محاولة تحليل جانبي الإنفاق والإيرادات العامة.
ثانيا: حجم القطاع الحكومي في النشاط الاقتصادي
تم اختيار ثلاثة معايير لقياس حجم القطاع الحكومي في النشاط الاقتصادي في البحرين هي: نسبة كل من الإنفاق العام والاستهلاك العام والاستثمار الحكومي للناتج المحلي. وقد تبرر محاولة قياس حجم القطاع الحكومي في النشاط الاقتصادي الاهتمام المتزايد بسياسات الإصلاح والتصحيح الهيكلي والتي تهدف بصورة أساسية إلى التخفيف من دور القطاع الحكومي في النشاط الاقتصادي لصلة هذا الدور بمستويات الإنفاق وتطوره وخصوصا في الفترات التي تعرف انخفاضا في الإيرادات المتأتية من تصدير النفط، ما قد يؤدي إلى تراجع في معدلات النمو. ويشير تقرير التنمية البشرية في البحرين للعام 2001 إلى ان «صافي الصادرات شكلت المصدر الرئيسي للنمو خلال الفترة 1987 - 1997 وكذلك للفترة 1992 - ,,1997. وتشكل إيرادات النفط أكثر من 80 في المئة من الصادرات، وتعتبر المصدر الرئيسي في تمويل موازنة الدولة. أما المصدر الثاني للنمو فهو الاستهلاك، إذ بلغت مساهمته 49,4 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي في الفترة 1987 - 1997 ويشكل الاستهلاك الحكومي 12,3 في المئة منه».
وتؤكد النسب الواردة في الجدول رقم (1) لمؤشري الإنفاق العام والاستهلاك باعتبارها نسبة من إجمالي الناتج المحلي درجة تدخل القطاع الحكومي في النشاط الاقتصادي، إذ نجد انه منذ السبعينات حتى العام 2000 لم يقل عن 30 في المئة نسبة للإنفاق العام لإجمالي الناتج المحلي، أو لم تنخفض نسبة الاستهلاك العام لإجمالي الناتج المحلي عن 22 في المئة في المتوسط في الفترة نفسها.
أما بالنسبة للاستثمار الحكومي فإن نسبته في المتوسط إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 7,4 في المئة منذ 1970 - 2000، وقد بدأ بالانخفاض لاستكمال معظم مشروعات الهياكل الأساسية، إلا ان هذا الاتجاه يمكن ان يرتفع مع الحاجة إلى تطوير البنية الأساسية وتطويرها، إضافة إلى الإنفاق الاستثماري على مشروعات الإسكان.
واشار الباحث الى إن الدولة لعبت دورا أساسيا في البداية في توفير السلع والخدمات ذات الصبغة العامة، ومن ثم انتقلت إلى المساهمة في عمليات توليد الدخل وإعادة توزيعه، وذلك بمساهمتها في المشروعات الصناعية والخدمية لتنويع مصادر الدخل.
لهذا فإن مصدر القلق يتمثل في محاولة إيجاد توازن بين القطاع الحكومي ودوره في الحياة الاقتصادية وإعطاء القطاع الخاص فرصة المشاركة في التنمية، إذ ان القطاع الحكومي مازال يؤثر في طاقة النمو الكلية للاقتصاد عن طريق الإنفاق العام، إلا ان تزايد هذه النفقات سيزيد من حاجته للأموال ما سيدفعه إلى الاقتراض - وهذا ما نراه في أكثر الدول النامية - أو إيجاد طرق للحصول على إيرادات لتغطية العجز في الموازنة عن طريق زيادة الرسوم والضرائب، التي هي غير محببة للمواطنين. ولم يكن من الغريب ان الاقتناع والقبول بالسلطة الحاكمة في كثير من الدول مرتبط بتطور أساليب فرض الضرائب واستخدامها. لذلك نجد الدساتير في مختلف دول العالم تنص على كيفية إنشاء الضرائب أو تعديلها أو إلغائها، ولكن تظل المشروعية الشكلية سواء القانونية أو الدستورية غير كافية. ففي نهاية الأمر يعد الاقتناع العام لدى المواطنين بسلامة فرض الأعباء المالية وأشكال الإنفاق العام قضية اجتماعية وسياسية. ولم يقتصر الأمر على ضرورة موافقة الشعب أو ممثليه في المجالس النيابية والبرلمانية على فرض الضرائب والأعباء المالية الأخرى، بل لابد من ان تتم المراقبة أيضا على الإنفاق العام، وهذا ما يؤكده الباب الخامس المتعلق بالشئون المالية في دستور مملكة البحرين من المادة 107 - 119.
ويلاحظ ان الاعتمادات المرصودة للنفقات العامة في مملكة البحرين في تزايد مستمر، إذ بلغت العام 2004 (1152 مليون دينار) في حين لم تتجاوز هذه الاعتمادات العام 1990 (537 مليونا) أي ان الاعتمادات قد تضاعفت خلال 15 سنة، إلا انه يلاحظ أن نسبة النفقات العامة إلى إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز في المتوسط (29,61 في المئة) خلال الفترة 1995 - 2000، وان نسبة الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ في المتوسط (25,29 في المئة)، كما ان العجز في الموازنة في المتوسط لا يتخطى 4,31 في المئة وهو غير مقلق وخطير. لهذا صنفت مؤسسة (ستاندر اند بورز) البحرين عند مستوى متقدم وفقا للتصنيف (الدرجة الاستثمارية). فهذا المستوى من التصنيف يوفر عنصر الاطمئنان للمستثمرين ويرفع من مقدرة مملكة البحرين على الاقتراض بمبالغ أكبر وبأسعار فائدة أقل لتمويل المشروعات الاستثمارية.
إلا ان الحديث عن المقدرة الاقتراضية سواء من السوق المحلية أو الخارجية هي أداة مهمة من الأدوات التي تستعين بها الدولة لتوجيه النشاط الاقتصادي لضمان استمرار استقراره وزيادة معدلات نموه، وان كان يتعين الالتجاء إليها في حدود ما يمكن ان تحدثه من آثار إيجابية على مستوى الدخل القومي الذي يمثل الطلب الكلي الفعال ونمط توزيعه، إضافة إلى ان معدل فائدة القروض مقياس للحكم عليه إذا كان ضارا أو نافعا.
وعموما فإنه يمكن الملاحظة من الجدول رقم (3) أن حجم الإنفاق الجاري إلى الإنفاق العام يصل إلى نسب كبيرة تتراوح بين حوالي 68 في المئة إلى 83 في المئة وفاق كثيرا حصة الإنفاق على المشروعات، إذ تشكل الأجور والرواتب نسبة من الإنفاق الجاري لا تقل عن 50 في المئة في المتوسط.
وعموما فإن الجدول (3) يفصح عن ظاهرة لازمت موازنة الدولة في مملكة البحرين، وهي ان الإنفاق الجاري يشكل نسبة كبيرة في المتوسط 80,41 في المئة خلال الفترة 1997 - 2001، إلا ان العام 2002 عرف تراجع نسبيا، إلا ان الأرقام المطلقة هي أكبر في العام 2002 عن العام 2001، إذ بلغت 708 ملايين دينار في 2002 أي بزيادة 7 في المئة تقريبا. وان هذا الإنفاق واجب الدفع لأن الأجور وتكاليف الصيانة تشكل نسبة تزيد على 50 في المئة من تلك النفقات. وفي الحالات التي تم فيها تخفيض الإنفاق العام أما لترشيد الإنفاق أو جزءا من سياسات الإصلاح الهيكلي فإن المتضرر بصورة عامة هو الإنفاق الاستثماري.
وفي غالبية الحالات التي يمكن فيها تخفيض الإنفاق العام سواء لترشيد الإنفاق أو لمعالجة الموازنة أو جزءا من سياسات الإصلاح الهيكلي، فإن المتضرر من أية عملية تخفيض هو الإنفاق الاستثماري وان الزيادة تتم في غالبية الأحوال عند زيادة الموارد أو الاقتراض.
ولعل من أكثر بنود الإنفاق الجاري إثارة للجدل والاهتمام هو بند مخصصات الدعم والمدفوعات التحويلية، إذ ان سياسات وإجراءات التصحيحات الهيكلية جميعها اشتملت في أولوياتها على محاولة إلغاء الدعم أو تقليصه من أجل تخفيف الأعباء المالية للحكومة وإزالة التشوهات التي يحدثها التدخل الحكومي في آلية السوق. إلا ان هذا قد يشكل قلقا اجتماعيا أو اقتصاديا لفئات معينة من أفراد المجتمع. كما ان الصعوبات تبرز في كثير من الأحيان عندما تشح الموارد ويقل الإنفاق على الصحة والتعليم مثلا باعتبارهما استثمارا في الموارد البشرية ومصدرا للمنافسة إضافة إلى عدم الإنفاق على الهياكل الأساسية التي تعتبر ضرورية لتحسين كفاءة الأداء الاقتصادي.
وتؤكد النسب المئوية من المصروفات على الصحة والتعليم تمثل دعما للتنمية البشرية، إذ ان الظروف المستجدة التي عرفها العالم نتيجة العولمة الاقتصادية والتكنلوجية فرضت ظروفا جديدة للتبادل التجاري والمعاملات الاقتصادية، وأصبح العالم والمعرفة أساس الميزة التنافسية، أي أصبحت الموارد الطبيعية تحتل مكانا أدنى في الإنتاج، وتوج ذلك بفتح الأسواق وتضخمت المنافسة بصورة غير مسبوقة. إن هذه المتغيرات الجديدة أفرزت تحديات إضافية لاقتصاد البحرين المتواضع في موارده الطبيعية والصغير في رقعته الجغرافية والكثيف في سكانه. إن هذه الموارد نفسها تمثل تحديا أساسيا للتنمية. إن الوضع المستجد يتطلب عملا استراتيجيا يكون الإنسان هدفه ووسيلته ضمن إطار من المشاركة والمصلحة الوطنية ويكون العمل المستقبلي مبنيا على رؤية واضحة ويقوم على رفع معدل النمو وجعله يتماشى مع الزيادة السكانية أو يفوقها بصورة مستمرة حتى تستطيع الدولة توفير الأموال للإنفاق على الخدمات العامة وتطويرها وزيادة الناتج المحلي الإجمالي ورفع مستوى دخل الفرد عن طريق التوزيع العادل للمحافظة على المستويات المعيشية الجارية واستمرار تحسينها والاستمرار في سياسة إدارة المصروفات العامة وإعادة التوازن إلى الموازنة العامة، إذ ان الموازنة العامة أداة مهمة من أدوات التخطيط الاقتصادي ودعامة ضرورية للسياسة الاقتصادية.
أما الإيرادات العامة فهي تمثل المجال الثاني للنشاط الحكومي والقيد على نمو الإنفاق العام، وان تجاوز هذا القيد قد يجر إلى زيادة في معدلات التضخم في حال زيادة الإنفاق العام من دون زيادة مماثلة في الإيرادات أو زيادة في معدلات الضرائب التي قد تؤدي إلى حدة في ردود فعل شعبية.
وفي حال موازنة البحرين فإن مصدر الإيرادات العامة الأساسي هو النفط الذي يعتمد على ظروف السوق النفطية وهو يبلغ في المتوسط 52 في المئة خلال الفترة الواقعة بين 1997 - 2002 وهي نسبة مميزة، وان محاولات تنويعها لابد ان تؤثر في هذه النسبة والتقليل من مخاطر الاعتماد على مصدر واحد للدخل.
ولكن رفع نسبة الإيرادات غير النفطية هي أهم التحديات لاقتصاد البحرين بسبب ما يلعبه القطاع النفطي في الاستهلاك والاستثمار، وان الانخفاض في هذين المتغيرين ستكون له آثار سلبية على القيمة المضافة المولدة في القطاعات غير النفطية.
لهذا فإن فرض نظام ضرائب شامل في البلدان النفطية الخليجية جميعها سيكون له ردود فعل على الاستهلاك، فمثلا قد يقود إلى ركود اقتصادي يفاقم من الركود في الطلب الحكومي المتأتي من تدني الإيرادات النفطية. كما ان انخفاض حجم الواردات من السلع يخفض من حصيلة الإيرادات الجمركية.
كما ظلت الرسوم التي ازدادت أهميتها في الموازنات في كثير من الدول، وسيلة ذات آثار انحسارية زمهْمََّّىّم ىٍِفكُّ على توزيع الدخل، ولكن بدأ الاهتمام بها في بعض البلدان بسبب تطبيق سياسات التصحيح الهيكلي ومحاولة تقليل حجم القطاع العام والدعم المقدم للسلع والخدمات أو بوصفه وسيلة لترشيد الطلب على الخدمات العامة، ومن ثم إدخال بعض عناصر السوق في تخصيص الموارد أو فرضها على بعض الأنشطة التي تولد التلوث.
قد تؤدي تدابير إدارة الموازنة العامة وتعزيز أنظمة التحكم في الإنفاق العام إلى تخصيص واستخدام أمثل للموارد المتاحة، إلا ان الظروف المستجدة التي عرفها العالم نتيجة العولمة الاقتصادية والتكنولوجيا قد فرضت ظروفا جديدة للتبادل التجاري والمعاملات الاقتصادية، فالتحدي الذي يواجه الاقتصاد البحريني يمثل مشكلة في كيفية الخروج من ضيق دائرة القاعدة الإنتاجية وغلبة موارد النفط في الدخل القومي، إذ ان زيادة معدل النمو والناتج المحلي الإجمالي والاهتمام بتوزيعه للمحافظة على مستويات المعيشة الحالية واستمرار تحسينها هو تحدٍّ آخر للاقتصاد البحريني. فآلية السوق ليست وحدها كافية لمواجهة هذا التحدي، فلابد من وجود تشريعات اقتصادية لتهذيبها حتى لا تفترس الضعيف وتبعده عن المشاركة في الحياة والمجتمع
العدد 130 - الإثنين 13 يناير 2003م الموافق 10 ذي القعدة 1423هـ