العدد 2233 - الخميس 16 أكتوبر 2008م الموافق 15 شوال 1429هـ

ممنوع الدخول... إنها مؤامرة

لماذا الدخول إلى عالم الحرية والتعددية الدينية والمذهبية والعرقية والفكرية والسياسية، الحق الشرعي والوطني والإنساني، حق ممنوع في بلداننا العربية والإسلامية، ومصادر من قبل فئة محددة تدعي أنها الممثل الشرعي؟ ولماذا تصر هذه الفئة على زج الشعوب المسكينة في الفتنة؟ هل ذلك بداية مؤامرة جديدة ضد شعوبنا المقهورة؟

السنة والشيعة يشكلون أفراد الأمة الإسلامية في العالم، خالقهم واحد، نبيهم واحد، كتابهم واحد، قبلتهم واحدة، شريعتهم واحدة، أصولهم العرقية واحدة، همومهم واحدة، معاناتهم واحدة، تطلعاتهم واحدة، وهذا لا يعني أنه لا يوجد بينهم اختلافات بل هي موجودة، كما هي موجودة بين المذاهب الأخرى في الديانات الأخرى، وكما هي موجودة في وسط كل مذهب إسلامي حيث تحول المذهب إلى مدارس فرعية، وكل طرف، الشيعة والسنة، يعتمد على رأيه مستندا على أدلة يؤمن بها، ولا يمكن لأي طرف إلغاء الطرف الآخر مهما سيطر على زمام الأمور، واستخدم أساليب الترغيب والترهيب.

إن التعددية المذهبية في العالم الإسلامي ليست جديدة بل ظهرت واضحة للعيان بعد وفاة الرسول الأعظم محمد (ص)، وهذا مصداق للآية الكريمة من قوله تعالى: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ»، (آل عمران: 144).

ومسألة التعبّد بالمذهب السني أو الشيعي حقيقة واقعية معترف بها من قِبل الجانبين، وقضية الاختلاف بين أهل الدين الواحد، والمذهب الواحد، وبين أهل الوطن الواحد، وأهل الدار الواحدة حقيقة أزلية. إذا لماذا تثار الفتنة الطائفية البغيضة من خلال التحذير من خطر انتشار الفكر الشيعي في أوساط الأمة؟ المسلمون (شيعة وسنة) موجودون أينما وجد الإسلام، وهم بالتالي يوجدون في الدول العربية بنسب مختلفة، وقوة حضور مختلفة، وذلك بحسب سقف الحرية الدينية في كل بلد، ففي بعض البلدان هناك اعتراف رسمي بالمذهبين وهناك مؤسسات ومجالس ومحاكم خاصة بكل طائفة، وهناك بلدان عربية وهي الفئة الأكبر تمنع الاعتراف بالمذهب الآخر وتحديدا الشيعي، وهناك تهميش وإقصاء، لدرجة أن كثيرا من أبناء الوطن لا يعلمون بأن هناك شيعة في بلدانهم أو أتباع للمذاهب السنية الأخرى غير مذهب الحكومة.

الأمر العجيب أن تثار الطائفية المذهبية البغيضة، من قبل الأكثرية الحاكمة المسيطرة على كل شيء في الدول العربية والإسلامية، والأكثر غرابة أن تثار من قبل رجال الدين الذين يدعون للوحدة والتقارب بين أفراد الأمة، وتدعم من قبل بعض الكتّاب والوسائل الإعلامية، والأشد غرابة أن تثار هذه الموجة في شهر الله، شهر العبادة والطهارة الروحية والجسدية والوحدة بين المسلمين والتعاون مع جميع البشر، شهر رمضان المبارك. إن من يثير الفتنة المذهبية، يعيش في وحل الغرور والغطرسة، وصدّق كذبة طالما رددوها ومرروها على أفراد الأمة المساكين. وقد أصيب بعض الدعاة والإعلاميين المتعصبين بصدمة هزت أركانهم، وشتت عقولهم؛ وضاقت صدورهم من وجود الفئات الإسلامية (السنية والشيعية) المهشمة المغيبة التي تمارس حقها بالإعلان عن وجودها، وحقها بالدعوة عن أفكارها، كما يفعل الآخرون، ولديها القدرة على الإقناع وكسب المؤيدين إليها.

في هذه المرحلة الخطيرة، والموجة المسماة بالتبشير المستعرة والغزو المذهبي، والباحثة عن إشعال الفتنة بين أبناء الأمة، والتي بدأت فصولها بالعمل على تخريب وتدمير المواقع الالكترونية إذ انطلقت باختراق مواقع شيعية منها موقع المرجع السيد السيستاني، أعقب ذلك اختراق لمواقع سنية وإعلامية، لابد من التعقل والإيمان بأن الدعوة السلمية لأي فكرٍ حق مشروع لأي جهة وفئة دينية ومذهبية وسياسية وثقافية، ولكل فرد حق تبني الفكر الذي يراه صحيحا، وذلك من باب الرأي والرأي الآخر، وعلى كل طرف احترام رأي الطرف الآخر.

بل إن الدين الإسلامي المحمدي الأصيل يحترم حرية التعبد لأهل الديانات الأخرى كالمسيحية واليهودية وغيرهم، فهم أخوة في الإنسانية، وحقوقهم محترمة، ولهم كامل الحقوق الوطنية، وهم شركاء في الوطن. قال تعالى: «لا إكراه في الدين»، وقال عز وجل في سورة «الكافرون»: «لكم دينكم ولي دين».

كما أن هناك مغالطة كبيرة بشأن استخدام مصطلح التبشير لوصف حالة الدعوة لفكر مذهب إسلامي أصيل، إذ إن التبشير مرتبط في الذهن ومتعارف عليه بأنه خاص بحملات نشر الديانة المسيحية، وهؤلاء الذين يثيرون الفتنة بين أفراد الأمة، هم أعداء الحرية، ويحاربون ثقافة التعددية خوفا من انتشارها في بلداننا العربية والإسلامية، لأنها تفتح عقول أبناء الأمة، وتجعلهم يكتشفون الحقائق كما هي بأنفسهم دون توجيه وتشويه، وترفع الجهل، وتجعلهم أحرارا يملكون القدرة على الاختيار دون فرض وصايا، ما يشكل خطرا على مناصب المستغلين ودعاة الفتنة، وعلى مصالحهم وأهوائهم الشخصية الضيقة، ولهذا فهم يسعون بزج الشعوب العربية والإسلامية في نار الفتنة. وعلى الشعوب أن تُحذر بعدم الدخول إلى هذا المدخل المظلم (الفتنة) لأنها مؤامرة خطيرة.

علي ال غراش

العدد 2233 - الخميس 16 أكتوبر 2008م الموافق 15 شوال 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً