العدد 174 - الأربعاء 26 فبراير 2003م الموافق 24 ذي الحجة 1423هـ

الأمة ومربع الموت: حديث القول المقلوب والفعل المسلوب

ما يقع اليوم من هزات وتداعيات وسقوط للمبادئ والثوابت، وتناحر بين أنظمة وأنساق، وانهيار بعضها أو تصدع بنيانه أمام مطبة الواقع، وغلبة الأنا وارتفاع أسهم المصلحة. واستخفاف حكام بمحكومين ودول بدويلات، ومؤسسات ببلدان وشعوب، جعل نهاية التاريخ تسبق نهاية جغرافيته، وتضع نقاطا جديدة فوق أسطر جديدة على ورق جديد...

أعادت محكمة خاصة في فرنسا إلى العمل فتاة فرنسية طردت من شغلها بسبب التزامها بحجابها... في السويد قبلت السلطات بظهور مذيعة محجبة على شاشة التلفزيون الحكومي في غير نشرات الأخبار...

هذه المحطات العابرة في أحاديث الناس، والتي تكاد لا تجدها في غير الأركان الثانوية أو العناوين غير البارزة في الصحف والمجلات، تعبّر عن حقيقة طالما غفلت عنها ذواتنا أو همشها كبرياؤنا، أو عتمها أصحاب القرار عندنا، أو تجاهلها البعض من أنصاف مثقفينا، وهو أن عدل أجوارنا وأصدقائنا أو أعدائنا وقانونية سلوكياتهم وعدالة مؤسساتهم داخل أوطانهم، حقيقة لا ينبغي طمسها ولا استغفالها. إن علوية القانون والتساوي أمام العدالة وأولوية دولة المؤسسات تجعل من هذه الأمم، على رغم البعض من قصورها، أمما عادلة نسبيا في بلدانها، على رغم تدينها بغير ديننا، في حين أن لقطات مرعبة في ليالٍ سوداء مظلمة تهز حاضرنا في بلداننا تعبر عن ظلم بواح وجور وعدم إنصاف في كل ميادين الظاهرة الإنسانية. وتجعلنا في مطية الأمم «المؤمنة» و«الظالمة»! ظلم راع في تفرده وجبروته، وظلم رعية في انسحابها واستقالتها، وهذا أحد أهم أسرار ارتباكنا وإفلاسنا وسقوطنا، ومن أسباب عدم إقلاعنا وتخلفنا.

«إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانط كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانط مؤمنة» و«الملك قد يدوم مع الكفر ولكن لا يدوم مع الظلم»! مقولتا ابن تيمية والغساني تبقيان لافتات تقض المضاجع وتنفض الغبار وتريحنا من الكثير من اللغو والجدل البيزنطي. إن مشكلتنا الأساسية في بلداننا هي العدل والحرية، ولا تتم هذه من دون تلك، فلا يكون عدل بلا حرية ولا حرية من دون عدل. وهذا موطن الداء، وهو ليس اكتشافا نوعيا ولا فريدا، فالجميع مقتنع بالتشخيص والدواء، فليست النهضة ولا التنمية ولا التحضر مزيدا من الخردوات ولا من آبار النفط ومناجم الذهب، وإنما الحضارة فكرة وسلوك، يبدأ بتبني العقول أفكار التكافل والعدل والحرية، وتنتهي بقوننتها في سلوك ومؤسسات...

إن القول اليوم إن «إسرائيل» تعيش ديمقراطية كاملة بين مواطنيها العرب واليهود هي كذبة لا يحتملها عقل ولا نقل، وتدينها أقوال وأفعال، غير أننا لن نجانب الحقيقة إذا قارنا حال بلداننا بحالها فتخيب آمالنا وينهزم شاهدنا، جمهوريات يقع توريثها، وملوكيات يقع تمديدها، وديمقراطيات غائبة وحريات مكبوتة... أحزاب في الحكم منذ عقود تطرح البرنامج ونقضيه، ورؤساء لا يغادرون مراكزهم إلا بزيارة دبابة أو حلول ملك الموت! وأشباه معارضة لا تختلف عن حكامها سوى بلافتة أحزابها، تريد مواجهة الاستبداد والحكم الواحد واللون الواحد والزعيم الواحد وهي تقاد من الزعيم نفسه لعقود وينطمس في الكثير منها تعدد الرؤى واختلاف التصورات، حتى إنك لتجد أن الكثير من المعارضة هي انفصال عن الجسم الأم وخروج من أحزاب سابقة رفضت الاختلاف داخل البناء والتعدد داخل الوحدة.

أما شعوبنا، ولا نريد طمس أنوارها ولا أن نحطم آمالها ولا الاعتداء على إشراقاتها، غير أن عقودا من الظلم والكبت والسلب، جعلتها تطأ الرأس في الكثير من أحوالها، لا حبا في النجاة، ولا اعترافا بالغالب، ولكنه تجنبا لمزيد من السقوط، لأنها عقلت في بعض أحيانها أن الشجرة كثيرا ما تنحني للعواصف لا تقربا لها ولكن تجنبا لنسف جذورها وقلع عروقها في انتظار مرور البركان! غير أن نسبية العواصف قلت وأصبحت العاصفة والصواعق هي حال الأمة الدائم من تشريد وتفقير وتغريب، فتعودت الأمة على الصمت وأصبح الخنوع حالا مرضية دائمة على رغم بعض الومضات من هنا وهناك... انظر حالها اليوم كيف أصبح الروتين اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون من تجويع وتشريد وتقتيل يكاد لا يوقظ تململا أو اهتزازا! بل هناك من أصبح يتحاشى سماعها أو رؤيتها خوفا من وخز ضمير وفراغ ذات اليد... انظر الحال العراقية وما جلبته من وقفات ومظاهرات رافضة للحرب وويلاتها عند أقوام غير أقوامنا، وانحبس الدمع في أوطاننا، وانقطع الصوت وغاب القول والفعل! هذه حالنا والأمة على مفترق طريق من جديد، «فكما تكونوا يُولى عليكم، وكما تكونوا، تكون معارضتكم، وكما تكونوا يكون أعداؤكم على غير حالكم»، كان الوليد بن عبدالملك صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع، فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن البناء. وكان سليمان صاحب طعام ونكاح فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن النكاح والطعام، وكان عمر بن عبدالعزيز صاحب عبادة، فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن الخبر «ما وردك الليلة وكم تحفظ من القرآن وكم تصوم من الشهر» والناس على دين ملوكهم!

لقد تحدث الكثيرون عن ويلات الحرب المقبلة وما ستجره من تحطيم لعرانا وتعديل لتصوراتنا ومناهجنا، واستضعاف لقوانا، وسقوط لتحضرنا، وانفلات لحرياتنا، وتنحية لحكامنا، وانقلاب في كل حاضرنا! تحدث الكثيرون عن نهاية تاريخنا قبل تاريخ غيرنا، عن تقلص جغرافيتنا وقد تمددت جغرافية الآخرين... تحدث الكثيرون عن كابوس سيطأ أرضنا ويستحيي كرامتنا ويمدد ليلنا ويباعد بيننا وبين فجرنا... والقائمة تطول... لكن إذا كان الأمر قادما لا مردّ له ولا تعطيل، فكيف يمكن تلطيف تأثيراته، ورفع تحدياته، إن لم نكن قادرين على مواجهته؟ كيف يمكن قلب سلبياته المنتظرة إلى إيجابيات معتبرة لا يحلم بها حتى الصديق؟ كيف يمكن تفعيل الإرادات الخابية والعزائم الخائرة؟ فمن الظلمة يأتي الشروق، ومن بين الأشواك تأتي أجمل الزهور وأطيب العطور... ماذا لو كان ما يحدث لنا صفعة لسباتنا، وخضة لواقعنا؟ ماذا لو كان رجة لأسقامنا وزلزالا يهز المسلمات ويطعن الترهلات؟

أما آن لحقبة ما بعد الاستقلال السياسي لبلداننا أن تكون قوسين في تاريخنا وقد حان غلقهما، لتلتقي الأمة من جديد مع إشراقات النهضة المبتورة تنزيلاتها، ونضالات الاستقلال المسلوبة مضامينها وأهدافها؟! ماذا لو يعاد بنانء الحاضر واستغلال تحدي الأجنبي لنا في هذا البناء، وهو الذي يريد مصلحته من دون مصالحنا وقد عجزنا لوحدنا، راعيا ورعية، حتى عن التغيير ومواجهة المنكر بالمقلوب؟!

يجب ألا ننسى أن تاريخ الأمة يؤكد أنها لم تُعِد بناء ذاتها بعد سقوط وانكسار، ولم تستنهض عزائمها مجددا إلا بعد أن رضيت الدنية في دينها وفي غير دينها، في ثقافتها وفي هويتها، وبعد أن لامست القاع تخلفا وتقوقعا واندحارا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ونفسيا وذوقيا وثقافيا وأخلاقيا. وتستوقفنا في تاريخنا محطتان تقبلت فيهما الأمة ضربتين هزتا كيانها وكادتا تطيحان بكل البناء، وسبق الهزة ضعف وترهل وانهيار وتلتها في بعضها وبنسب متفاوتة محاولات للاستنهاض والوقوف. فكانت حملة التتار في القرن الثالث عشر الميلادي وما سبقها وما تلاها من مواقف وحوادث، وكانط حقبة الاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين وما كشفته من قابلية عجيبة للأمة للتخلف والتقوقع، وما أحدثته بعد ذلك من بروز لفكر النهضة والتنوير.

الخضة الأولى: التتار مروا من هنا

كانط حال الأمة في القرنين السادس والسابع للهجرة قبل دخول التتار مدعاة للتندر والاستخفاف، كانط كالرجل المغشي عليه الذي فقد ذاكرته وتعطلت أوصاله وتكلست أطرافه وتجمد عقله وخف نقله، وسنتوقف قليلا لسرد هذه الحال المزعجة لاستيعاب ماضينا قبل فهم حاضرنا: كان الخليفة العباسي المعتصم بالله كما يصفه ابن طباطبا «مستضعف الرأي، ضعيف البطش، قليل الخبرة بالمملكة، مطموعا فيه، وكان زمانه ينقضي في سماع الأغاني والتفرج على المساخر...». وكان أهل الحاشية والمقربون ينعمون في ثراء فاحش، بينما كانط الأمة وعلى رأسها العلماء في ضيق عيش وقلة مال. فقد كان شيخ الفراشين في قصر الخلافة وهو من أدنى المنازل يملك دارا لها عدة حجرات، وفي كل حجرة جارية وخادمة وخادم، وكانط له جواري للطعام وجواري للشراب وجواري للفراش وجواري للغسل وأخريات للطبخ... في حين أن ابن القوطي وابن الساعي وهما من أشهر مؤرخي هذا العصر كان كلاهما يتحصل على راتب لا يتجاوز عشرة دنانير! ولما أحاط التتار بقصر الخلافة ببغداد يرشقونه بالنبال وجنودهم يعيثون في البلاد فسادا، أصيبت جارية كانط تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه كما يروي ابن كثير. وبلغ الذل والهوان في الرعية أن رسم أحدهم صورته على حذاء وأهداه إلى هولاكو أمير التتار، قائلا له: «عبدك يأمل أن يتفضل الملك فيشرف رأس عبده بوضع قدمه المباركة عليها»! فكانت رسالة هولاكو إلى زعمائهم في هذا الباب نكاية وتذكيرا بحال أمة تدحرج بنيانها وقلت بضاعتها وانهارت أسسها وعلا ظلمها وانكشفت مساوئها: «إنا نحن جند الله في أرضه خلقنا من سخطه وسلّطنا على من حلّ به غضبه... فإنكم أكلتم الحرام ولا تعفون عن كلام، وخنتم العهود والأيمان، وفشى فيكم العقوق والعصيان، وقد ثبت عندكم إنا نحن الكفرة وقد ثبت عندنا إنكم الفجرة».

ومال التتار إلى البلد «فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الوحوش وقنى الوسخ... فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة... وعادت بغداد بعد أن كانط آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس وهم في خوف وجوع وذلة وقلة... وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس (مليونين)... وكان الرجل يستدعى به... فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب به إلى مقبرة الخلال تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة وتؤسر من يختارون من بناته... وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن وتعطلت المساجد والمدارس والجمعات مدة شهور... والقتلى في الطرقات كأنها التلول وسقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجود وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون!... ولما نودي بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقني والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه...».

ثم جاءت عين جالوت، وحازت الأمة انتصارا عسكريا لم يقع تفعيله حضاريا، نسيت أنه كان رجة في جسم مريض يجب أن يتعافى، فاستشعرت عظمة مزيفة، بينما تواصل الانهيار على رغم أن صفعة المغول حبست بعض الشيء هذا النزيف وقلصت منسوبه. فلم يتوقف ضمور الفقه السياسي في مقابل تواصل تضخم فقه العبادات وكثرة الحواشي، ولم يتجرأ الفقهاء إلا باحتشام مفرط على ولوج هذا الباب لعلاقته بالسلطان، وتبين أن من أسباب الانهيار مسألة الحكم وما جره من استبداد سياسي وترهل اجتماعي. ولم يرتدع الراعي وتهيّب الفقيه وغابت الرعية، وانعدم الفعل السياسي وتواصلت المواجهات المسلحة والتصفيات الجسدية، وغلبت النصائح العامة والمؤثرة أحيانا لأولي الأمر تخفيفا للوخز واعترافا بالعجز والتي ملأت الكتب وأثارت الإعجاب والدهشة ولكنها لا تغير واقعا ولا تبني مؤسسة. وغاب العدل وغابت الحرية وتواصل الانحطاط بكل أبعاده يهز أطراف الأمة ويمزق أوصالها.

ولم يكن وصول الخلافة العثمانية إلا تواصلا لانتصار عين جالوت المبتور حضاريا، وتمديدا لهذه الغشاوة، إذ أخفت الانتصارات العسكرية وتمدد حدود الدولة «الإسلامية» وتوحيد الأمة تحت رعاية واحدة، ضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي، فتواصل الاستبداد والمغالبة وصراع المصالح، وكثرت «ظلال الله» على أرضه، وغيِّب بنو عثمان من قواميس حكمهم مصطلحات الحرية والعدل، ولم يقع تفعيل قوتهم العسكرية وانتصاراتهم الكبيرة في مسار تحضري يشمل مركز الدولة وأطرافها، وأخطأ المسلمون النهضة العلمية والثورة الصناعية وغابوا في ثنايا التاريخ الذي لا يرحم ترهلا ولا عجزا ولا تواكلا.

الخضة الثانية: الاستعمار ومن القابلية إلى النهضة

كانط حقبة ما قبل الاستعمار تعبيرا عن الوهن والضعف اللذين وصلت إليهما الأمة، كانط كالغريق الذي يحاول النجاة من الأمواج الزاحفة والشاطئ يتباعد عن ناظريه، كان حالها مهيأ للاستعمار والاستخفاف والابتزاز الثقافي والاقتصادي والسياسي، كانط قابليتها عجيبة في الانهيار والانبهار، وكان التخلف شاملا عاما لكل أوجه الحياة، كما يصفه أحمد أمين «فساد نظام واستبداد حكام وفوضى أحكام وخمود عام». ويزيده قاسم أمين تأكيدا للاستبداد السياسي والاجتماعي «فانظر إلى البلاد الشرقية تجد أن المرأة في رق الرجل والرجل في رق الحاكم فهو ظالم في بيته مظلوم إذا خرج منه». وتعدى هذا الترهل والتخلف كل الميادين وضرب الثقافة والذوق والسلوك. يروي الجبرتي في تاريخه عما يقع في المساجد من انحطاط خلقي وأخلاقي سنة 1897، أي العام الذي احتل فيه الفرنسيون مصر «ينضم إلى ذلك من جمع العوام وتحلقهم بالمسجد للحديث والهذيان وكثرة اللغط والحكايات والأضاحيك والتلفت إلى حسان الغلمان الذين يحضرون للتفرج والسعي خلفهم والافتتان بهم ورمي قشور اللب والمكسرات والمأكولات في المسجد!...».

لكن هذه الحال الوضيعة وهذا المستوي المتدني الذي وصلت إليه الأمة أنْ تُستعمر أوطانها ويُستعبد أبناؤها وتُحقر ثقافتها وهويتها، حملت إرهاصات مسار نهضوي عام وأسئلة حضارية عميقة: لماذا وصل المسلمون إلى هذا المستوى من الهبوط والتخلف؟ ولماذا وصل غيرهم إلى هذه الحال من العلو والتقدم؟ طرحت النهضة السؤال المناسب في الزمن المناسب، لكن الجواب الفعلي لم يوافق ويتناغم مع الجواب النظري، كانط النهضة النظرية في واد وتفعيلها وتنزيلها في واد آخر.

تناوبت على تفعيل سؤال النهضة والخروج من حال التخلف التي تعيشها الأمة أسر مالكة وأحزاب حاكمة، رجال وصلوا إلى سدة الحكم والفعل والقيادة محمولين على دبابة أو حاملين لتاج وصولجان، حملوا آمال أقوام وشعوب لعقود! كانط الوصاية كاملة والهزيمة كاملة، تأرجحت برامجهم «التنموية» بحسب الموضة السائدة، قيل لهم الاشتراكية هي الحل، فعمت الملكية الجماعية الديار، وكثرت الإصلاحات الثورية وتنافس الجميع على أن يكونوا أبناء لينين أو ستالين، وعمَّ سلطان الفكر الواحد والزعيم الواحد والحزب الواحد... ثم كان الانهيار!

ثم قيل لهم الليبرالية هي الحل ولعلها نهاية التاريخ، فمن تخلف عن ركبها فلا تاريخ له ولا حاضر ولا مستقبل، وبالرجال نفسهم وبالآمال نفسها تنحَّت المطرقة والمنجل، وغاب اللون الأحمر عن أرضنا وسمائنا، وأصبح الجميع يقسم بمؤسسات التمويل العالمية ولا يحنث عن آرائها وتوجيهاتها... لكن السفينة لم تقلع أبدا بل زادت تأخرا وتخلفا وانحطاطاَ في انتظار حلول أخرى، في حين أبحرت سفن الآخرين!

فهل يكون ما تعيشه الأمة الآن من تحديات جديدة وخطيرة تمس كيانها ووجودها وما ينتظر وقوعه هذه الأيام المظلمة، الرجة الثالثة والصفعة الجديدة التي كان لابد منها ليقظتنا ونهوضنا سواء وقعت الحرب أم تلاشت، في ظل راعٍ لا يعرف شعابه ورعية مسلوبة إرادتها ومحبطة عزائمها؟ وهل يقع التفعيل الحقيقي لسؤال النهضة من حرية وعدل وديمقراطية وتعدد وتنمية، ونكون بالتالي دخلنا النهضة الثانية من بابها الصغير بلا شك، لكن القليل من الحزم والعزم والإرادة والصبر والذكاء، كفيل بتوسعة الباب نحو مواطن أرحب ومنازل أرقى وأرفع.

إن الآخر الذي صفعنا، سواء كان التتاري في توحشه وإرهابه، أو الاستعمار في استغلاله واستعباده لم يخرج سالما من لقائنا، وهذا عزاؤنا وأحد آمالنا، فالتتار اعتنقوا دين ضحاياهم، ولأول مرة في التاريخ يقلد الغالب ثقافة المغلوب ويتبنى تحضره، والاستعمار خرج وهو يحمل منظومة قيمية اهتز بنيانها على أكثر من باب، فأنوار حقوق الإنسان والمساواة بين الأجناس والجماعات والأفراد، قد خبا بريقها وهي الخيبة التي ساهمت نسبيا في ارتماء حكامنا في الفترة الأولى من الاستقلال السياسي في أحضان الزحف الأحمر طامعين في ازدهار وعلو غير مرتبط بالمستعمر وقيمه المهزوزة. واليوم كالبارحة، وأمام هذه الدورة الجديدة من التدافع والصراع، وفي ظل هذه الهزة الثالثة تدخل الأمة مربع الموت من جديد وقد شهدت أسوأ منه لا محالة، لكن هذه المرة مطلوبا منها تفعيلا جادا لنتائج المواجهة ورفعا لتحدياتها، وتغليب فقه التحضر والتعارف، على فقه المغالات والتقوقع والانعزال، في ظل تفوق منظومتها القيمية واهتزاز منظومة الآخرين. فإن سياسة الكيل بميزانين، وحق المواطنة المهتز هذه الأيام في أميركا لبعض مواطنيها، وصمت العالم «الحر» عما يقع في فلسطين، يعتبر أول الهنات في الضفة المقابلة والذي يمكن أن يمثل نهاية تاريخ وبداية آخر.

كانط معركة أُحُد هزيمة عسكرية كادت أن تطيح بالرسالة وصاحبها (ص)، لكن الغيب قرر غير ذلك وتعلّم المسلمون الخطأ والصواب، والتوكل والتواكل، والصبر على البلاء، وتفعيل الهزائم، وأن الأيام دول، وأن سنن الحياة تقوم على المؤمن وعلى غيره، على السواء من دون تبجيل أو تكريم، «كُلا نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا»، (الإسراء: 20)، من أخذها بحقها فهي له كاملة، ومن تقاعس عن رصدها وصيدها رُمي به في مزبلة التاريخ إذ لا ينفع عزاء ولا تحسر

العدد 174 - الأربعاء 26 فبراير 2003م الموافق 24 ذي الحجة 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً