العدد 174 - الأربعاء 26 فبراير 2003م الموافق 24 ذي الحجة 1423هـ

الإنسان المعاصر وسؤال الأخلاق الفلسفي

لايزال سؤال الأخلاق في الفلسفة سؤالا ملحا. تعددت عليه الأجوبة ولايزال يحتاج إلى اجابات متجددة، شأنه في ذلك شأن المشكلات الفلسفية الخالدة، التي تجد في الحياة الانسانية ميدانا رحبا للسؤال، والبحث عن الحقيقة، وتقديمها، لنقد العقل بطريقة لائقة ومقبولة. وإذا كانت الفلسفة في مهدها اليوناني الأول، وفق الترسيمة الرسمية لها قد وزعت مدارس الطبيعيين اليونان، إلى مذاهب طبيعية، وأخلاقية، وديالكتيكية، (جدلية) فإن شتاء الكفر اليوناني في مرحلته الهلنستية توفر على مذاهب خلقية خالصة، استفادت من حكمة الشرقيين الشيء الكثير. وتطورت المدارس الأخلاقية الفلسفية في مراحلها اللاحقة، كما هو الحال مع الفلسفة الإسلامية التي جعلت من الحكمة اثنين، واحدة نظرية، حافظت على طبيعتها الميتافيزيقية وعرفت بالحكمة النظرية، والثانية الحكمة العملية التي كان من أهدافها الفوز في الدارين، الدنيا والآخرة وصار الحكيم هو الذي يدير ويسوس ويقضي الشئون باتقان ويوجه الفعل إلى غاية رفيعة القيم، ويقيم أحكامه تلك على المعرفة ويضع الشيء في موضعه، وهو الذي يكون فعله وقوله موافقا للمعرفة النظرية وللسنة الإلهية، والحكمة هدف وغاية وعلم، ورجل الحكمة هدف وغاية وعلم، ورجل الفكر يحكم النظر في الامور والسلوك، والحكماء هم أهل القلم وتلحُّ الحكمة بشكل نافع على السلوك من أجل بناء الحضارة وهي منتج يوفر للإنسان الاطمئنان على السلامة والحقوق من دون البحث عن عوامل السيطرة على المصير والوجود مع أنها تعكس نظرا منظما إلى الحال والمآل للفرد وحقه. إنها نظر تطبيقي أو تأسيس لها ويجب أن يكون على قاعدة نظرية مسبقة للبقاء أو تطبيق نظر إنها تصورات للوجود، ووجود تصورات قائمة في الفعل والتدبير وتلك الحكمة في صوغها ومفاتيحها وطرائق تعليمها، تقصد الخير الأعلى وتقوم على المعرفة، وترد على أسئلة الإنسان في وجوده، كيف يجب أن نكون؟ كيف نحقق السعادة والفضيلة معا؟ أو كيف تتحقق السعادة المثلى والخير الأسمى في الفرد والجماعة؟ وكيف يكون الفوز بالدارين؟

ويرى فلاسفة الأخلاق أن القضايا الثلاث التي يدور عليها هذا العلم هي:

ماهية الخير، والقواعد التي يمكن على أساسها تقرير ما هو خير بحد ذاته والسبل المفضية إلى تحقيق هذا الخير في عالم تصطدم فيه الإرادة دوما بقوى بشرية وكونية طاغية، ولعل ماهية الخير هي أعصى هذه القضايا على الحل، لاستحالة تعريف ماهية الخير عند بعضهم أصلا، لأنه من البساطة، التي لا تسمح في عملية التعريف إلى رده إلى ما هو أبسط منه ليكون به تعريفه...

في عالمنا المعاصر تستخدم مصطلحات الخير والشر بوفرة شديدة، تدخل فيها مساحات العمل الإنساني كافة فنجدها محورها للصراع السياسي وكذلك لتعيين صفة الحاضر الإنساني وكذلك رسم حيثيات المستقبل، لأن الأخلاق وإن كانت معنية بالراهن فإنها ترسم آفاق المستقبل وماهيتها على بساطتها وهي طبيعة كلية شاملة، لا تنفصل عن الميتافيزيقا، ولا تنفصل عن الدين أيضا، ولا تنفصل عن الحياة الاجتماعية. بل تستمد عناصرها من هذه الميادين كافة، وتحتفظ مع كل ذلك بهامش من استقلالية، مستفادة من ضرورتها الذاتية لأن مدلولها من المدركات البديهية الخارجة عن حيز الموجودات الخارجية ولإدراك المشكلة الفلسفية، ولمسألة الأخلاق، يكفي إمعان النظر فيما تنطوي عليه الأخلاق في نظرتها إلى الأحكام والتصورات اللتان يعتبر الفعل بحسبهما خيرا أو شرا. هذه الأحكام والتصورات، شيمة الأحكام والتصورات الجمالية، ليست إلا أحكاما وتصورات إنسانية صادرة عن كائن مدرك يصنف الموجودات والأفعال التي تحظى باستحسانه فيدعوها خيرة أو جميلة، والموجودات والأفعال التي تحظى باستهجانه فيدعوها شريرة أو قبيحة، فليست خيريتها وشريتها جزءا من الموجودات الطبيعية. ولكن هل يعني ذلك أن الأحكام الخلقية فردية فأية قيمة لها وأي إلزام.

من هنا كانت ضرورة الميتافيزيقيا لكلِّ أخلاقٍ، كما يقول الفيلسوف الألماني كانط، وهو يعلو فيها إلى ما فوق الطبيعة والإنسان، بغية إنقاذها من إعصار الذاتية ويصار إلى ردها إلى الدين ونظمه وشرائعه التي يتقرر بحسبها الخير والشر في عالم الأفعال البشري، عبر سلسلة من الأوامر والنواهي الإلهية لا يرقى إلى صحتها الشك ولا يخرج على سلطانها أحد. والخاصة المميزة لهذه النظرة الدينية إلى الأخلاق اعتبارها القيم الخلقية قواعد أو تشريعات رسمتها سلطة إلهية عليا تقاس بحسبها أفعال الفرد وتقسم إلى طاعات ومعاصٍ بمقدار ما تتفق مع تلك القواعد أو تختلف عنها.

يرى فلاسفة الأخلاق أن النظرية الدينية الخلقية نظرية متماسكة منطقيا إلى حد كبير، وترتكز إلى دعائم ميتافيزيقية، من بينها وجود سلطة تشريعية عليا من النوع الذي تفترضه هذه الفلسفة الاخلاقية، بحيث لا يمكن الفصل بين الأخلاق وميتافيزيقاها فصلا حاسما، الأمر الذي يجعل من الفعل الخلقي خارج دائرة الأفعال الفردية أو الطبيعية الخارجية ويضبط حركة الإنسان والطبيعة في سياق الأخلاق الإلهية التي تؤمن الفوز في الدنيا والآخرة - كما ذكرنا - والتي تجعل من الأخلاق الحكمة العملية المرتبطة بمفهوم التوحيد وهو مناط المدارس الأخلاقية حتى الطبيعية منها كما لاحظنا في مذاهب الفلسفات اليونانية الأولى.

ما هي حصة الإنسان المعاصر من مباحث الأخلاق، بعد دوراتها الفلسفية المتعاقبة، من الطبيعي إلى الميتافيزيقي والديني إلى العودة إليهما من جديد؟

تراجعت المباحث الفلسفية الخلقية، في القرن العشرين إلى حساب المباحث السياسية والإيديولوجية والاجتماعية، وصار في حسبان الباحثين أن حل المشكلات المشار إليها يؤدي بدوره إلى حل المشكلة الخلقية، ولذلك تركز عمل رجال الاصلاح على تسوية مشكلات السياسة والاجتماع والاقتصاد، معتقدين أن ذلك يكون وسيلة ناجحة لحل المشكلات الخلقية، واهتم الفلاسفة بالناحية اللغوية في دراسة مباحث الأخلاق، فراحوا يحللون القضايا الأخلاقية ويكشفون طابعها الوجداني ويقارنون بينها وبين اللغة المستخدمة في العلم والمنطق، مستقصين الأحكام التقييمية الخلقية بدراسة اللغة الوصفية، أو شبه الوصفية المستخدمة فيها ومفرقين بين الجانب النظري والجانب التطبيقي في الأخلاق في محاولة وصفية شاملة للخبرة البشرية في مجموعها، باعتبار الإنسان كائنا حيّا يحيا في مجتمع، ويعاني الكثير من الخبرات الخلقية ويجد نفسه ملزما بتحقيق مصيره داخل هذا المجتمع وقد جاءت الحياة الآلية الحديثة فقضت على الحياة الباطنة للكائن البشري وجعلت منه إنسانا خاويا فقد استحال الإنسان، في ظل النظام المعاصر إلى مجرد «سلطة» وأصبح يعد قواه الحيوية مجرد رصيد يضعه موضع الاستثمار بغية الحصول على أكبر قسط ممكن من الربح وفقا لما تقضي به حال السوق، وهكذا أصبحت العلاقات البشرية في المجتمع المعاصر خاضعة تماما لقوة منظمة كبرى هي السوق ولم يعد من الغرابة في شيء أن نجد هذا الإنسان يجعل طمأنينته النفسية هنا بالبقاء إلى جوار القطيع من دون أن يكون بوسعه مخالفة أنماط (السوق) في التفكير والوجدان والسلوك.

إذا راقبنا الدعوات الصادرة عن مراكز القرار الدولي وعن وسائل الاعلام الكبرى، لعيش أنماط خلقية معاصرة نجد أنها تدعو الإنسان المعاصر إلى عيش الأنماط العالمية التي يفرضها «سوق الأخلاق» المسيطرة ويجد كل خروج عنها تهديدا مباشرا للحياة الخلقية الشاملة فيما السؤال عن مصدر القانون الخلقي لايزال بعيد المنال. كما هو بالضبط السؤال عن المستقبل الذي يمكن أن تبنيه هذه الأخلاق النفعية ولا عن السعادة والفضيلة، ولا عن ماهية الخير، والطرق المؤدية إلى فعله، ولا عن مقاومة الشر وعن ماهيته العدمية أو الموجودة على نحو معين من الوجود أصلا. لقد حصل فصل بين الأخلاق والميتافيزيقا والدين، وحتى الطبيعة بما هي طبيعة انسانية خالصة تؤمن بفطرتها الصالحة نظام أخلاق إنساني صالح.

لم يعد سؤال الأخلاق سؤالا فلسفيا متجددا بقدر ما تحول إلى منفعة تفرضها شروط السوق المسيطرة. فيما يعلمنا الفعل الفلسفي الذي توصل إلى أصالة إلهية الأخلاق، أن الفعل الخلقي حتى يستحق إلزاميته يجب أن يصدر عمّا هو أسمى من الطبيعة ذاتها، أي أن يكون مصدره متسامٍ. حتى ذهبت اللغة في تعريف الفضيلة من الفضل، والفضل ضد النقص والفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل ومعنى الزيادة على الحاجة أو الإحسان ابتداء بلا علة وفضيلة الشيء مزيته أو وظيفته التي قصدت منه أو كماله الخاص به وهي الاستعداد الدائم لسلوك طريق الخير

العدد 174 - الأربعاء 26 فبراير 2003م الموافق 24 ذي الحجة 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً