العدد 177 - السبت 01 مارس 2003م الموافق 27 ذي الحجة 1423هـ

الثأر في مصر فاق ضحاياه شهداء الحروب

يزداد مع ارتفاع أعواد الذرة وفي موسم الحصاد

حصد الثأر على مدى السنوات الماضية في مصر أرواح المئات في جنوب البلاد، حتى أن باحثين متخصصين يقولون أن ضحاياه فاق عددهم ضحايا كل الحروب التي خاضتها مصر على طول تاريخها الحديث مع «اسرائيل». وتشير احدث احصاءات أجهزة الأمن في مصر إلى أن نحو 196 قتيلا و214 جريحا سقطوا ضحايا لحوادث ثأر خلال الشهور الخمسة الاولى من العام الماضى، في ثلاث محافظات فقط في صعيد مصر الأوسط، هي أسيوط وسوهاج وقنا، بمعدل قتيل أو جريح يوميا في المحافظات الثلاث.

ولا توجد أدلة تاريخية موثقة تشير إلى أن مصر الفرعونية عرفت ظاهرة الثأر، ويجمع مؤرخون ثقاة على أن مصر عرفت تلك الظاهرة مع هجرة القبائل العربية إليها عقب الفتح الإسلامي في العام 20 هجرية الموافق 685 ميلادية، عندما نزحت القبائل العربية آنذاك الى البلاد.

شيكاغو الصعيد

وعلى رغم تفاعلها مع المجتمع المصري فإنها ظلت عالما قائما بذاته منغلقا على نفسه، لا يأبه بالقانون الوضعي السائد، وقد ساعد على ذلك مجتمع الجنوب المعزول ثقافيا عن مناطق الإشعاع الحضاري منذ مئات السنين، إذ كان الاعتماد الأساسي في كسب العيش، على الزراعة وما تفرضه من قيم خاصة كالتواكل والاستقرار والانعزال عن الآخرين وعدم الاحتكاك بهم.

وتبرز عادة الثأر بوصفها علامة من علامات النفوذ والهيمنة في صعيد مصر، وتعد مدينة البداري التابعة لمركز أسيوط في قلب الصعيد احدى أكثر المدن التى تنتشر فيها تلك الظاهرة، ما دفع جهات الأمن إلى اطلاق لقب «شيكاغو الصعيد» عليها - تندرا- نظرا لتعدد وضراوة عمليات القتل فيها. وتقول مصادر أمنية رفيعة «ان معظم أهالي البداري لديهم ثأر ضد بعضهم البعض، وبعض العائلات بها قد يصل عمر العداوة بينهم إلى أكثر من خمسين عاما، فاتفاقات الصلح التى تمت بينهم كانت أشبه بهدنات يتم خرقها مرارا فيما تزداد العمليات ضراوة كلما اتجهت جنوبا، وخصوصا في محافظة قنا التى تشهد على فترات متباعدة أزمات عنيفة بين أكبر قبيلتين فيها - الهوارة والاشراف- وبعضها أزمات استمرت ما يقرب من قرن من الزمان، وتطورت المواقف بين العائلتين فيها إلى درجة «إعلان الحرب» رسميا وكأنهما دولتان!

عبدالفتاح وعبدالحليم!

ويختار الشخص الذى ينوي القصاص وفق تلك العادة المنبوذة ضحيته بعناية فائقة، وينطلق هذا الاختيار من اعتقاد أشبه بالقانون بأنه يجب استهداف «أكبر رأس» وأفضلها في العائلة المطلوب الثأر منها، وفى أحيان كثيرة تكون «رؤوس عدة» في مقابل رأس واحدة، على نحو ما حدث في مجزرة قرية بيت علام في سوهاج التى جرت وقائعها العام الماضي ولقي فيها 22 مصرعهم من عائلة «الحنيشات» مقابل واحد فقط من عائلة «عبدالحليم» التي تعهدت علنا برد ثأرها مضاعفا أربع مرات.

ويعد عبدالفتاح عزام (محافظ الجيزة الأسبق، وأحد أحفاد عبد الرحمن باشا عزام أول أمين عام لجامعة الدول العربية)، أبرز ضحايا الثأر فى مصر، فقد قتل الرجل داخل سيارته في العام 1982 بنحو 72 طلقة رشاش نتيجة ثأر بين عائلته وعائلة «خضر»، ولم تتقبل أسرته العزاء طيلة أربع سنوات حتى تدخل شيخ الأزهر آنذاك جاد الحق علي جاد الحق ووزير الثقافة السابق أحمد هيكل للوساطة بين الطرفين، واضطر وزير الداخلية وقتها زكي بدر الى إصدار أوامر اعتقال لأكبر عدد من أفراد العائلتين ومصادرة سلاحهما.

الثأر وراء الحدود

ويجد السلاح طريقه إلى أيدي العائلات في الصعيد عبر السرقة او التهريب من حدود الدول المجاورة وخصوصا السودان، وبعضه يكون مصنعا محليا في ورش بدائية، لا تخضع لأية رقابة لانها بعيدة عن أعين الشرطة. ولأن حائزي الاسلحة من العائلات لا يقومون بالابلاغ عنها لانها موردهم الاساسي في شراء مختلف الانواع من ثقيلة وخفيفة وبأسعار تنافسية تتراوح ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف جنيه للبندقية الآلية التي لا يخلو منها منزل بالصعيد. والبندقية بالنسبة إلى الصعيدي «عزوة ونفوذ» لا غنى عنها للأفراد والعائلات، التى تقوم بدفن سلاحها الثقيل في الأرض لإخفائه عن أعين الشرطة لو داهمت منزلا.

ولا تقتصر عملية الثأر في مصر على الصعيد وحده، وإن كان 80 في المئة من تلك الجرائم تقع في حدوده، فالظاهرة تمتد ايضا إلى مدن الشمال وخصوصا محافظة المنوفية التى تشهد الكثير من الخصومات الثأرية بين العائلات المتناحرة. ويتداول المصريون في تلك المناطق قصصا مثيرة عن عمليات ثأر بعضها تم خارج حدود الوطن، وربما كان اغربها ما حدث في العام 1976 حينما طار مواطن مصري إلى الكويت أخذا بالثأر من أحد أبناء قريته الذي يعمل هناك عامل بناء.

قصف بالطائرات!

ولا ينسى الصعايدة في مصر حتى الآن تلك الموقعة الشهيرة التى تمت في الستينات في محافظة المنيا مسقط رأس قائد الجيش المشير عبدالحكيم عامر، عندما وقعت حادثة ثأر حصدت فيها الاسلحة الآلية عشرات الرؤوس، واتسع نطاقها، فأرادت الدولة إظهار الحسم مع طرفي الثأر، فاقتحمت فرقة من الجيش قريتهم بالأسلحة الثقيلة وبعثت بالطائرات لردعهم، فاتحد الطرفان ضد «القوات الغازية» وحين هدأت الأمور عادا لتصفية خصومة الثأر بينهما!

وتزداد جرائم الثأر في مصر خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب بنسبة 35 في المئة مع ارتفاع أعواد الذرة في الحقول، وبنسبة 26 في المئة في شهر أبريل/نيسان مع بداية موسم الحصاد، لأن الفلاحين يبيعون المحاصيل ويستطيعون بثمنها شراء الأسلحة الأوتوماتيكية وتوكيل أشهر المحامين للدفاع عن أبنائهم بعد ارتكاب الجريمة، فالصعيدي الحقيقي لا يقبل بـ «القودة» ابدا.

والقودة هي تلك العملية التى تتم عقب جرائم الثأر الكبيرة، وفيها يقوم القاتل بحمل كفنه بين يديه ويذهب الى اسرة القتيل طالبا منهم الصلح ووقف شلال الدماء، وعادة ما يحضر تلك الجلسات النادرة للصلح رؤساء القبائل، لكنها لا تجد اقبالا من الغالبية العظمى لأبناء الصعيد نظرا إلى ما تنطوى عليه من فضيحة واذلال للقاتل الذي يظل في حكم الاسير لأسرة القتيل، لا يتزوج الا بإذنهم ولا يغادر البلاد الا بعد موافقتهم، ويذهب الصعيدي القاتل في «القودة» حاملا كفنه بين يديه فيلقاه والد القتيل أو شقيقه وفى يده سكين، وينام القاتل على التراب فيما يذبح أحد أهل القتيل الى جوار رأس النائم تحت يديه خروفا أو ماعزا أو بقرة، كل حسب قيمته أو مدى تقبل اهل القتيل للدية التي يعرضها واعلانه الندم، غير أن الذي يذهب لـ «القودة» يكون ملفوظا من أهله كونه فضحهم وتسبب في أن تلوك الالسنة سيرتهم على أنهم قبيلة لم تتحمل «أيام الجمر» التي يفرضها الدم المراق من الجانبين.

ويقول أستاذ علم الاجتماع المعروف أحمد المجدوب إن ظاهرة الثأر تراجعت في الفترة الاخيرة إلى حد كبير، بسبب عاملين أساسيين، ابرزهما الصناعة بقيمها التي قامت على أنقاض قيم الزراعة. ويضيف استاذ علم الاجتماع الشهير: صحيح أن الصعيد لم يشهد التنمية المطلوبة خلال الفترة الاخيرة، لكن حركة الصناعة التي تسللت إليه على استحياء وبوصفها عملا جماعيا يغلب عليه التعاون والمنافسة، كان لها دور كبير في تراجع الظاهرة إلى حد كبير.

وساهمت هجرة المصريين إلى منطقة الخليج للعمل -حسبما يقول المجدوب- في تراجع ظاهرة الثأر، بل وأحدثت انقلابا في بنية المجتمع المصري عموما. فالعامل من هؤلاء يعود إلى وطنه محملا بأسباب المدنية والتقدم بشراء أجهزة تكنولوجية حديثة، ويريد أن يعيش حياته ويستمتع بها فيشتري أرضا ويبني منزلا، ولانه لا يريد التضحية بكل هذا النعيم، لا تشغله قضايا مثل الثأر. ويدلل المجدوب على صحة نظريته بقوله إنه لمدة ثلاثة أو أربعة عقود مضت اختفت ظاهرة الثأر من محافظة شمالية هي محافظة الشرقية، مع أن معظم قاطنيها ترجع أصولهم إلى قبائل عربية نزحت إليها واستقرت فيها، وكانت محافظة الشرقية إلى وقت قريب تشبه مثيلاتها في الجنوب المصري من حيث عادة الأخذ بالثأر، وتغليب النظرة القبلية في الحكم على الأشياء، لكن مستوى التعليم العالي والأنشطة الاقتصادية والتجارية والصناعية في المحافظة، أحدث تغييرات ثقافية وبيئية مطلوبة، وكانت النتيجة غياب ظاهرة الأخذ بالثأر أو تراجعها إلى الحد الأدنى. يقول المجدوب: «إن هذه العادة لا تقتصر على مجتمع أو بلد بعينه، فقد كان الثأر موجودا -مثلا- في أسبانيا التي أقام فيها العرب لخمسة قرون كاملة، لكنه اختفى من هناك، وكان موجودا أيضا في جزيرة صقلية، وتحدث حالات الثأر الشهيرة بين عائلات عصابات المافيا «الكابوني» و«دلنجر»، وانتقلت الظاهرة عبر العائلتين بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأميركية، ومارسه بعض افرادها على أراضيها ببشاعة منقطعة النظير على نحو ما شاهدنا في الأفلام وقرأنا في الصحف.

وحديثا بدأت الحكومة المصرية في تنفيذ حملات سنوية لجمع الاسلحة من ايدي الجنوبيين، لكن بعضهم يقول انها حملات وهمية تتم باتفاق الطرفين ذرا للرماد في العيون، ويضيفون «على فرض ان عمليات (لمّ السلاح) حقيقة، فإن ذلك الاجراء لا يمنع شراء غيرها بيسر وسهولة، فتجار الاسلحة ينتشرون في صعيد مصر يبيعون اخطرها وأفتكها على رؤوس الاشهاد بداية من البنادق والمسدسات حتى المدافع والاسلحة الآلية سريعة الطلقات المحظورة بأمر القانون، ما يعني أن الظاهرة لن تنتهي طالما ظل الصعيد مهملا على الهامش

العدد 177 - السبت 01 مارس 2003م الموافق 27 ذي الحجة 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً