تناول الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي في حوار مع «الوسط» خلال زيارته الأخيرة للعاصمة العربية السورية «دمشق» جملة من الموضوعات المهمة والقضايا الاستراتيجية التي تهم الواقع العربي.
وفيما يلي نص هذه المقابلة:
* في ظل المتغيرات الدولية والعالمية التي تعصف بالعالم، ومن خلال خبراتكم في العمل السياسي والدبلوماسي، كيف ترى مستقبل العمل السياسي العربي من خلال مؤسسات جامعة الدول العربية؟
- لابد لنا من الاعتراف في البداية أن جامعة الدول العربية تعاني ـ ومنذ تأسيسها ـ من تناقض عميق مسكوت عنه، فهي في نظر الرأي العام العربي منظمة قومية ذات أهداف تشمل الأمة العربية كلها، لكن وبحكم ميثاقها، نسخة مصغرة من منظمة الأمم المتحدة، لذلك نجد مسيرة العمل المشترك بين دولها ترتبط بالظروف المتقلبة أكثر مما تتعلق وتنبع من المصالح المشتركة الدائمة، وهذه الملاحظة تنطبق عليها في المجالين السياسي والاقتصادي، ما عدا قضية فلسطين التي عولجت - مع الأسف - بأسلوب كثيرا ما أثار الخلافات بين الدول الأعضاء، ولم يصل إلى حل لهذه القضية العربية المركزية والمهمة.
* ما تصوراتكم لدعم التوجه العربي المشترك ليسير في طريقه الصحيح لدعم مؤسسة جامعة الدول العربية؟
- حتى يحدث ذلك، يجب ألا تقتصر مهمة جامعة الدول العربية على التنسيق بين الدول الأعضاء فيما يطرأ من قضايا ومشكلات، أو في ما يتعرضون له من موضوعات شائكة، بل ان تمتد مهمتها إلى متابعة النهوض بكامل الوطن العربي، وذلك يحتاج إلى خطة تهدف إلى ربط الاقتصادات العربية ببعضها بعضا تدريجيا، بقصد تسريع نموها من جهة، والتوصل إلى إنشاء كتلة متراصة متماسكة في مواجهة التكتلات العظمى من جهة أخرى، للدفاع عن المصالح العربية، وهو المنهج الذي اتبعته دول أوروبا الغربية منذ مطلع الخمسينات، وحققت ما لم تدرك بعضه جامعة الدول العربية، فقد انطلقت الدول الأوروبية من مشروع صغير يتعلق بالتعاون في إنتاج الفحم والصلب، وتدرجت من هنا إلى إنشاء مجموعة اقتصادية فيما بينها تزايد عدد أعضائها بتزايد نجاحها، ثم هي اليوم تقف وتؤلف اتحادا عنيدا تتجاوز صلاحياته الشئون الاقتصادية إلى العملة الموحدة، وربما إلى دبلوماسية مشتركة ودفاع متضامن.
* كيف تنظرون إلى الطروحات والدعوات التي تنادي بإصلاح جامعة الدول العربية لإكساب قراراتها وأسلوب عملها الفعالية الديناميكية والعملية المطلوبة؟
- إن ما استطاعت انجازه دول تنتمي إلى أمم مختلفة في لغاتها وثقافاتها، لماذا لا تقدر عليه دولنا العربية التي تنتمي شعوبها إلى أمة واحدة تشترك في اللغة والثقافة والتاريخ، لاشك انه إذا تمكنت دولنا من إعطاء جامعة الدول العربية رسالة قومية، اقتصاديا وثقافيا وحضاريا، فإنها ستنفخ فيها روحا جديدة تكسبها القوة، لكن لكي يتسنى لها ذلك عليها أن تجد الحل المناسب لقضية (الأمن البيني) التي تثور من فترة إلى أخرى، ان استطاعت دولنا ان توفق بين ضمان احترام سيادة كل دولة وبين الإيمان بأهداف قومية تجمع بينها وتعمل من أجلها، فإنها ستكون قادرة على بناء ثقة متينة تضمن للعمل العربي المشترك الانتظام من دون خلل أو تقطع.
* بماذا يمكن الرد على دعوات البعض، الذي يرى ويطالب بالبحث عن صيغة بديلة أو آلية جديدة لتحل مكان جامعة الدول العربية؟
- مهما بلغت حال جامعة الدول العربية في التعثر أو الضعف، لا بديل عنها، وتقييم أداء الجامعة وظروفها يحتم إعادة النظر في الأصل، والذي تكشفه العلاقات المتردية بين الكثير من الدول الأعضاء بسبب ضعف الثقة المتبادلة بين الأنظمة العربية، وحال الشك التي تشعر بها كل من هذه الانظمة تجاه الآخر، وتضارب المصالح القطرية في غير قليل من الأحيان، والخروج بأداء جامعة الدول العربية إلى ما نرنو إليه يتلخص في بلورة مشروع تنموي عربي يقوم على الدعامة الاقتصادية والاستغلال المدروس لما لدينا من إمكانات وطاقات.
* يعتقد البعض أن ضعف الممارسة الديمقراطية داخل الأقطار العربية يقف وراء تردي الأداء العربي المشترك، بما ينعكس سلبا لنا على أداء مؤسسات جامعة الدول العربية؟
- قضية الديمقراطية داخل كل قطر عربي ضرورة، ولكنها في الوقت نفسه شأن داخلي لهذا القطر أو ذاك، ولا يحق لأحد التعليق عليه، أما العلاقات العربية ـ العربية فشأن عربي لا يرتبط بالمسارات الديمقراطية القطرية، ولا يتوقف عليها بقدر ما يتوقف على تحسين المناعات البينية، وقيام النخبة الفكرية والسياسية بدورها في نشر المفهوم القومي في إطار رؤية أمينة وواعية لمشكلات وقضايا المنطقة، وتصور الحلول المثلى لها، ولو افترضنا وجوب الربط بين الديمقراطية في كل بلد عربي، وتحسين العلاقات العربية ـ العربية، لوجب علينا أن ننتظر زمنا طويلا لا نعرف متى ينتهي.
* هل تعتقد أن الأمة العربية قد استعدت بالشكل الكافي للتعامل مع طوفان العولمة الذي يهدد الهوية القومية ويجتاح ثقافتها؟
- اعتقد ان المشروع القومي الذي تحتاج إليه الأمة العربية لتكون قوية، تحتاج إليه شعوبنا للدفاع عن ثقافتها ووجودها، فالعولمة تجتاح العالم بأسره، وليست فقط ظاهرة اقتصادية، فهي أيضا ظاهرة ثقافية، تنشر ثقافة العالم الغربي بواسطة أهم لغاته، وهي الانجليزية، وفي ذلك مخاطر على العادات والتقاليد في أقطارنا العربية، وبالتالي تهديد لهويتها الوطنية والقومية.
والمواجهة لأخطاء العولمة انما تكون بالتعاون بين دولنا لتسريع النمو الثقافي في الوطن العربي والنهوض بالطاقات العربية في مجالات الفكر والعلم والتكنولوجيا، وبذلك يمكن إنشاء جبهة ثقافية وحضارية، من كل أقطارنا، تتمكن من التفاعل والتعامل مع العولمة إيجابيا، فتأخذ منها ما هو نافع وتحد من سلبياتها التي تؤول إلى لمس هوية مجتمعاتنا، كما ان أقطارنا بحاجة إلى مشروع ثقافي يرفع من قدراتها على مواجهة العولمة
العدد 177 - السبت 01 مارس 2003م الموافق 27 ذي الحجة 1423هـ