العدد 252 - الخميس 15 مايو 2003م الموافق 13 ربيع الاول 1424هـ

موقفنا متطابق مع دمشق... والفلسطينيون ليسوا أبومازن

التقت «الوسط» الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نايف حواتمة، حيث تناولنا أهم مسائل الساعة فلسطينيا وعربيا ودوليا، وما جرته التداعيات الأخيرة في العراق على القضية الفلسطينية. كما تناول توقعاته بشأن حكومة أبومازن المطلوب منها جمع السلاح الشرعي لمقاومة الاحتلال. ابتدأنا بالسؤال عما تتعرض له سورية الفترة الأخيرة من حملة تهديدات أميركية قد تصل إلى حد الاعتداء العسكري، ما تعليقكم بصفتكم حركة فلسطينية موجودة على التراب السوري؟

- الضغوط الأميركية الصهيونية التي تمارس حاليا على الحكومة السورية تهدف إلى وقف كل أشكال المساندة التي تقدمها دمشق إلى المقاومة ضد الاحتلال «الإسرائيلي» في فلسطين ولبنان، وهذه الضغوط لا تستند إلى أي أساس قانوني وأخلاقي. فمحاولة إلصاق تهمة الإرهاب بالقوى الفلسطينية التي تمارس حقها المشروع في مقاومة الاحتلال في فلسطين، أو ما تبقى من الأراضي اللبنانية الواقعة تحت الاحتلال، هي محاولة سخيفة لليّ عنق الحقائق، فمن يمارس الإرهاب الحقيقي هو جيش الاحتلال، الذي يمارس «إرهاب الدولة المنظم»، ويرتكب يوميا المجازر الوحشية بحق الشعب الأعزل.

إن الدعم الأميركي اللامحدود لـ «إسرائيل» جعلها دولة فوق القانون. الأميركيون مهتمون بترتيب أوضاعهم الاستعمارية في العراق، وهم يخشون أن يتحول «الإنجاز» العسكري الذي حقّقوه بانهيار النظام العراقي واحتلال عسكري للعراق إلى هزيمة سياسية، وهذا ممكن بحكم تعقيدات الوضع العراقي. وعلى المدى المتوسط، ستنفجر مقاومة شعبية واسعة للوجود الأميركي، بدأت دلائلها تظهر من الآن. مثال ذلك من تظاهروا ضد الاحتلال في الفلوجة والموصل وبغداد. وهم يخشون أن تلعب سورية دورا في دعم استنهاض قوى المقاومة ضد الاحتلال، لذلك يطالبونها بإغلاق حدودها مع العراق. وهنا أضيف أن سورية يمكنها وقف سياسة (الدومينو) الأميركية التي بدأت في العراق عن طريق استخدامها شبكة علاقاتها الدبلوماسية والعربية ويمكنها التصدي لمحاولات شارون الهادفة إلى استغلال الظروف الراهنة في دفع واشنطن للمواجهة معها.

سورية أبدت استعدادها دائما للحوار البناء مع الولايات المتحدة، وبرأينا أن تصريحات باول الأخيرة بعد زيارته لدمشق، عكست شيئا من التراجع في لهجة الخطاب الأميركي الموجه إلى سورية من حيث تراجع لغة التهديد والوعيد، قابله لين في الخطاب السوري، وهذا نجاح يسجل للسياسة السورية يمكن البناء عليه لاحقا. والمطلوب تعزيز الموقف السوري بتضامن عربي حقيقي، فما وقع في العراق ما كان ليقع لولا تقديم الأرض والمياه والموانئ العربية لقوات العدوان، ولولا غياب التضامن العربي حتى بحدوده الدنيا.

الفلسطينيون ليسوا أبومازن

هل تتوقعون تغييرا في الموقف السوري تجاهكم بسبب الضغوط الأميركية وخصوصا أن المواقف السورية من القضية الفلسطينية شهدت نوعا من اللين أخيرا؟

- الموقف السوري ينطلق من ثوابت في تعامله مع القضية الفلسطينية، وإذا كان القصد من السؤال أن هناك ثمة «ليونة» في الموقف السوري، يمكن تفسيرها تراجعا عن دعم القضية، فهذا حتى الآن غير دقيق. السوريون يعلنون في كل مناسبة أن الحل للصراع على الجبهة الفلسطينية يجب أن يكون على أساس حل شامل ومتوازن، يضمن حقوق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والسيادة والقدس، وحل مشكلة اللاجئين على أساس القرار 194، وهذا يتطابق تماما مع رؤيتنا السياسية للحل، وهكذا نفهم من جانبنا تصريح الرئيس الأسد «نقبل بما يقبل به الفلسطينيون»، شرط أن يدرك السوريون أن الفلسطينيين ليسوا عرفات وأبو مازن ومن يناصرهما فقط، وشعبنا بقواه الحياة المناضلة لا يقبل بأي حل ينتقص من حقوقه الوطنية.

إن سورية تحملت وما زالت، عبء استضافة أربعمئة ألف لاجئ فلسطيني من بين 4 ملايين لاجئ بين سورية ولبنان والأردن ومصر، مكانهم الطبيعي الحقيقي الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ تم تشريدهم قسريا من ديارهم وممتلكاتهم، و«إسرائيل» ترفض تنفيذ القرارات الدولية لإعادتهم إلى أراضيهم. وهي تعرف جيدا أن هؤلاء هم الذين بنوا منظمة التحرير الائتلافية والثورة المعاصرة، وتحملوا عبء المقاومة والمواجهة معها طوال أربعين عاما، منذ أن انطلقت الشرارة الأولى للكفاح المسلح العام 1964، ولهذا فهي تريد تجريدهم من كل أسلحة الدعم المادي والمعنوي، القومي والدولي، حتى يتخلوا تماما عن نضالهم لتقرير المصير وبناء دولة فلسطين المستقلة بعاصمتها القدس، وعن تمسكهم بحق العودة.

ثم إن حضور المنظمات والقوى الفلسطينية في سورية ينحصر داخل تجمعات اللاجئين، والفصائل الفلسطينية الوطنية والديمقراطية تعودت على امتداد سنوات طويلة التكيف مع أية ظروف تنشأ، ولهذا فهي ستتعامل مع المستجدات كافة باعتبار أن هدفها الأول والأخير هو تحرير الأرض، وإقامة الدولة الفلسطينية ولن تتنازل عنه مهما كانت الضغوط، ونقول بصدق: إننا تحملنا كثيرا من الحروب والضغوط العربية ومازلنا، فكل الأقطار العربية المحيطة بفلسطين تغلق حدودها مثلا بوجه المقاومة إلى عمق الأرض المحتلة.

دعت سورية أخيرا «إسرائيل» إلى استئناف المفاوضات في خطوة غير منتظرة من الرئيس الأسد، فهل هي تحاول برأيكم التراجع عن المواجهة حتى مرور العاصفة الأميركية؟ وما مستقبل هذه المبادرة برأيكم؟

- ليست في هذه الدعوة السورية أية خطوة غير منتظرة أو تغيير في السياسة المعلنة، فالقيادة السورية منذ انطلقت العملية التفاوضية في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد كانت تدعو إلى مفاوضات على أساس قراري الشرعية الدولية 242 و338 بما يضمن الانسحاب «الإسرائيلي» الكامل من هضبة الجولان المحتلة إلى حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 مقابل السلام مع «إسرائيل»، وهم يطالبون الآن باستكمال المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها مع حكومة رابين، الذي تعهد لواشنطن فيما يعرف بـ «وديعة رابين» استعداد «إسرائيل» للانسحاب من الجولان، وهو ما نقضته حكومة نتنياهو ومن بعدها حكومتا باراك وشارون.

وشارون يريد إعادة التفاوض بشأن نقاط تم التفاوض والاتفاق عليها، وهذا ما يرفضه السوريون. وإذا كان من الصحيح القول إن ما جرى من احتلالٍ للعراق قد أوجد وضعا مستجدا اختلت فيه موازين القوى أكثر فأكثر لصالح «إسرائيل»، فإن هذا لا يلغي إمكان الصمود في وجه المحاولات «الإسرائيلية» المدعومة أميركيا لفرض حل ينتقص من الحقوق العربية. «الإسرائيليون» حتى الآن لا يبدون أي استعداد لمفاوضات جادة تلبي المطالب السورية المشروعة في استعادة أراضيهم على أساس القرارين 242 و338 ومبدأ الأرض مقابل السلام، لذلك فإن مصير هذه المبادرة يتوقف على جدية الجانب «الإسرائيلي»، وعليه طالبت القيادة السورية في مباحثاتها مع باول بأن تضع واشنطن والرباعية الدولية خريطة طريق على الجبهة السورية- الإسرائيلية، واللبنانية - الإسرائيلية، كما طالب لبنان أيضا في مباحثاته مع باول.

النواب الفاسدون

نالت حكومة أبومازن ثقة النواب الفلسطينيين، ما هو تقييمكم لهذه الخطوة الفلسطينية الجديدة؟

- للأسف مرة أخرى ينقلب المجلس التشريعي الفلسطيني على نفسه بمصادقته على حكومة ضمت في عداد وزرائها خمسة وزراء مزمنين مدانين بالفساد من المجلس نفسه. وحكومة أبو مازن هي حكومة لون واحد وتحمل أزمتها في شكل وأسس تكوينها، وكان حريّا بالمجلس التشريعي أن يقيّم هذه الحكومة على أساس من برنامجها السياسي والإصلاحي، لكن وللأسف انتصرت العصبوية (الفتحوية) مرة أخرى على حساب المصلى مخرج وحيد هو العودة إلى حوار وطني شامل يُمكّن من الاتفاق على برنامج قواسم وطنية مشتركة، مرفقا ببرنامج إصلاحات جذري لمؤسسات السلطة ومؤسسات منظمة التحرير، يكون أساسه قانون انتخابات جديد يقوم على مبدأ التمثيل النسبي، واعتبار الضفة وغزة والقدس دائرة واحدة، مع السعي إلى إقامة نظام برلماني ديمقراطي يتم على أساسه إقامة انتخابات جديدة للمجلس التشريعي تنبثق عنه حكومة ائتلاف وطني، تتمثل فيها كل القوى الوطنية الفاعلة والأساسية، ومن دون هذا فإن حكومة أبو مازن معرضة للسقوط في أول امتحان أمني وسياسي تتعرض له وفق «خريطة الطريق».

تعهد أبومازن بضبط ما أسماه الأسلحة غير المشروعة في خطوة تهدف إلى نزع سلاح حركات المقاومة، ما هو موقفكم من هذه القضية؟

- السلاح الفلسطيني الذي يستخدم في مقاومة الاحتلال سلاح شرعي، والمقاومة حق مشروع لكل الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وهذا ما كفلته مبادئ الأمم المتحدة والمواثيق الدولية. من هنا حذرنا حكومة أبو مازن من المس بسلاح المقاومة، فهذا من الخطوط الحمر فلسطينيا.

على كل حال نعتقد بأن أبو مازن سيتعامل بحذر مع هذه القضية، فهو يعرف تمام المعرفة أن خطوة كهذه قد تفجر صراعا دمويا، وانقساما واسعا في الصف الفلسطيني، بينما دبابات الاحتلال داخل بيوتنا على امتداد الأرض المحتلة. ويهمني أن أؤكد في هذا المجال أنه من الضروري أن تتركز أعمال المقاومة المسلحة ضمن حدود المناطق المحتلة في 1967 ضد قوات الاحتلال والميليشيات والمستوطنين وتحييد المدنيين على طرفي الصراع، فهذه المناطق حتى باعتراف الولايات المتحدة مناطق محتلة، وبهذا نسقط من يد شارون ورقة اتهام المقاومة بالإرهاب، واستهداف المدنيين التي يوظفها في تبرير اعتداءاته الوحشية على الشعب الأعزل في المخيمات والمدن والقرى الفلسطينية المحتلة.

حكومة مناصفة وولاءات

برأيكم هل سيؤدي فعلا وجود أبومازن بصفته رئيسا للوزراء إلى تهميش عرفات سياسيا؟

- الخلافات التي قامت بينهما ليست مبدئية أو سياسية بل هي خلافات تدور حول كسب الولاءات، لذلك تم الالتفاف عليها عبر تشكيل وزارة من عناصر فتحاوية مناصفة بين الاثنين، وتم تجريبها في وزارات سابقة، وهذا مدان من الشعب الفلسطيني.

إن الإصلاحات الدستورية التي تم بموجبها استحداث منصب رئيس وزراء ومجلس وزراء، تكتسب أهمية خاصة، وتمثل خطوة إلى الأمام في طريق الإصلاح الديمقراطي الضروري لمؤسسات السلطة التي تتركز بيد فريق الأخ أبو عمار، وبنظام شمولي توتاليتاري يستند إلى اتفاقات أوسلو وقانونها الانتخابي المركزي الشمولي في النظام السياسي الفلسطيني، نأمل استكمالها لاحقا. لقد حدّت هذه الإصلاحات من الصلاحيات المطلقة، التي ركزتها اتفاقات أوسلو بيد رئيس السلطة، تحديدا القرار السياسي والمالي والأمني. وبرأينا فإن جميع القوى والقيادات الفلسطينية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتجاوز المصالح الفئوية والشخصية لحساب المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، فسياسة المحاصصة وشراء الذمم والولاءات اللامبدئية أضرت كثيرا بمصالح شعبنا. وأنا أدعو الأخوين ياسر عرفات وأبو مازن وكل القوى الوطنية والديمقراطية إلى العودة إلى طاولة الحوار الوطني الفلسطيني كمدخل لإعادة بناء الوحدة الوطنية بانتخابات جديدة، وبقانون انتخابات يقوم على مبدأ التمثيل النسبي لكل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير.

ما تأثير الاحتلال الأميركي لبغداد على القضية الفلسطينية؟

- لقد أدى هذا الاحتلال إلى آثار ونتائج قد تكون كارثية على العالم، وخصوصا منطقتنا العربية إذا لم تتم محاصرتها ومواجهتها. وما آلت إليه الأمور من اختلال واسع في موازين القوى لصالح «إسرائيل» جراء الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق تحاول «إسرائيل» استغلاله لسحق الانتفاضة والبطش بالشعب الفلسطيني، كما أعلن شارون في برنامجه الانتخابي، تماما كما استثمر الحرب التي تسميها واشنطن «الحرب على الإرهاب» بعد حوادث سبتمبر/ ايلول. من هنا يمكن فهم الاعتراضات «الإسرائيلية» على «خريطة الطريق»، فهي تمثل بجوهرها إملاءات «إسرائيلية» لمصادرة سلاح المقاومة وشطب حق العودة كشرط مسبق من دون أن تبدي أي استعداد لتنازلات جوهرية تلتزم من خلالها بتطبيق قرارات الشرعية الدولية.

شعبنا لن يستسلم لهذه السياسات الشارونية، وسيقاوم أية مشروعات تنتقص من حقه في إقامة دولته المستقلة على كامل أراضيه المحتلة في العام 1967 بما فيها القدس، وحقه في تقرير مصيره، وعودة اللاجئين، من دون هذا لن يكون أي حل. لقد استطاع شعبنا بتضحياته ووحدته ونضاله اجتياز الكثير من المحطات المدمرة الحرجة في تاريخ قضيته، وحققنا الصمود بفضل دماء شهدائنا وتضحيات مناضلينا، وهذا ما سيكون، فنحن واثقون بأن النصر سيكون حليف شعبنا المعطاء

العدد 252 - الخميس 15 مايو 2003م الموافق 13 ربيع الاول 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً