تشهد وزارة الصحة - الوزارة التي لا يفتأ الوضع فيها أن يهدأ حتى ينفجر من جديد - لجنة التحقيق البرلمانية الأولى في تاريخها. فعلى رغم أن الشكاوى بخصوص هذه الوزارة لم تنقطع مسبقا، اختار النواب، أو على الأقل كتلة الوفاق النيابية التي قادت ذلك التحرك، هذا الوقت بالذات لتوجه مجهرها «الأول» على وزارة الصحة، بعد أن قادت كتلة «الأصالة» تحركا لتوجه مجهرا على ربيع الثقافة.
لجنة تحقيق برلمانية تنتظر وزيرة الصحة ندى حفاظ، التي احتفظت بمنصبها الوزاري مرتين، بعد أن أخفق سابقها خليل حسن في الاحتفاظ بمنصبه بعد أن عصفت به «رعود الصحة»، ولا بد أنه ينظر من موقعه كسفير البحرين في اليابان حاليأ إلى وزارة الصحة كهم قديم انتهى منه هو، لكنه يأبى أن ينتهي.
واجه حسن في أيامه حربا ضروسا للإطاحة به من قبل استشاريي الوزارة الكبار، فلم يستطع أن يرأب الصدع الذي واجه بيته الداخلي، بينما تواجه حفاظ اليوم حربا «خارجية» من أعضاء مجلس النواب، أشعلتها ربما بعض الشروخ التي تفجرت في بيتها الداخلي وأبرزها أزمة قسم الطوارئ.
وبين الحروب الخارجية والداخلية، تبقى وزارة الصحة تركة ثقيلة صعبة، مليئة بمشكلات إدارية معقدة، ليس من المتوقع أنها ستنتهي، لارتباطها المباشر بصحة الناس، وحياتهم، فيما يثار تساؤل كبير عن جدوى لجنة التحقيق البرلمانية لو فتحت كل ملفات الوزارة مرة واحدة ولم تركز على أي منها.
صوت مجلس النواب في جلسته الأخيرة، بغالبية 28 نائبا من أصل 36، لصالح لجنة التحقيق التي دعت لها كتلة الوفاق البرلمانية. وعلى عكس التصويت بشبه إجماع للموافقة على لجنة التحقيق في «ربيع الثقافة»، وقف بعض النواب موقفا رافضا للجنة التحقيق تلك (كتلة المستقبل الممثلة بعادل العسومي، لطيفة القعود، حسن الدوسري)، بينما امتنع ستة منهم عن التصويت (خليفة الظهراني، عبدالعزيز أبل، غانم البوعينين، سامي البحيري، سامي قمبر، خميس الرميحي). وبذلك تشكلت اللجنة الأولى التي ستحقق في ملفات وزارة الصحة بعضوية ثمانية نواب من كافة الكتل النيابية (3 وفاقيين هم مح مد مزعل، جاسم حسين، حمزة الديري، ومنبريان هما سامي قمبر ومحمد خالد، ومستقل واحد هو جاسم السعيدي، وعضو من كتلة المستقبل هو حسن الدوسري)، ويتوقع أن تعقد هذه اللجنة اجتماعها الأول الأسبوع المقبل، فيما تسعى الوفاق إلى حصولها على رئاستها لتستكمل الملف الذي بدأته.
وحدها كتلة المستقبل البرلمانية، بأعضاء ثلاثة - من أصل أربعة - حضرت جلسة التصويت على لجنة التحقيق، صوتت بالرفض على هذه اللجنة. وعن مبررات الكتلة في الرفض تقول النائبة لطيفة القعود ان الكتلة التي طرحت موضوع لجنة التحقيق وضعت زاوية نظر واسعة وكبيرة ومتشعبة، بينما كان من رأي أعضاء «المستقبل» أن يتم التركيز على ملف واحد للتحقيق فيه بحيث يكون عمل اللجنة أكثر تحديدا. وتضيف «أحببنا أن تعطى وزيرة الصحة فرصة أطول لاستيضاح وجهة نظرها في بعض القضايا قبل تحويلها للجنة التحقيق، وبعد الاستيضاح يمكننا أن نبلغ الوزيرة بأي تقصير نجده فإن لم تكن هناك استجابة يمكننا أن نلجأ بعد ذلك للتحقيق».
وترى القعود أن التحقيق البرلماني ليس مبعثا للخوف أو القلق، فالهدف منه برأيها هو إشعار الجهة المعنية للالتفات إلى جوانب معينة، ومن الضرورة برأيها ألا تبخس الوزارة حقها فهي تقدم خدمات صحية متميزة للمواطنين. وتضيف «من الضرورة أن نقارن بعدالة بين الخدمات الصحية التي تقدم في البحرين والخدمات التي تقدم في الخارج، فليس من المعقول أن نقارن البحرين محدودة الإمكانات بدول أوروبية متطورة، يجب ألا نضخم الأمور وننظر للإنجازات التي حققتها الوزارة مثلما ننظر للإخفاقات».
من جانبه يبرر عضو كتلة الأصالة النائب خميس الرميحي امتناعه عن التصويت على لجنة التحقيق بخلاف موقف بعض أعضاء كتلته بقناعته من أن وزيرة الصحة ندى حفاظ تبذل مجهودا كبيرا في سبيل إصلاح الأوضاع في وزارتها، مؤكدا ضرورة أن تعطى حفاظ الوقت لهذا الإصلاح. ويرى الرميحي ضرورة أن تحدد لجنة التحقيق المشكلات التي تبحث فيها، فالبحث في كل الملفات صعب للغاية برأيه، علاوة على وجود أمور طبية تتعلق باستشاريين لا يمكن للنواب البت فيها.
أما عضو كتلة المنبر الإسلامي النائب محمد خالد، الذي صوت لصالح لجنة التحقيق واختير عضوا من أعضائها فيؤكد ضرورة أن تركز لجنة التحقيق على ملف أو اثنين من ملفات الوزارة، ضاربا المثل في ذلك بأزمة الطوارئ أو شكاوى المواطنين. فيما عبر عن تحفظه على موضوع الأخطاء الطبية بحجة أنه قد يؤدي إلى «الاصطدام مع الاستشاريين».
ويضيف خالد «تلقينا شكاوى ضد وزارة الصحة مثلما تلقى أعضاء الوفاق، وكثيرا ما اهتممت شخصيا مع النائب صلاح علي بهذه الشكاوى وحللناها بالرجوع إلى وزيرة الصحة، لذلك كان هذا الملف موجودا على أجندة المنبر، وعلى رغم أنه لم يكن ضمن أولويات الكتلة، تم الاتفاق على التصويت لصالح لجنة التحقيق».
ويرى خالد أن الوزيرة حفاظ تواجه تراكمات كبيرة في وزارتها نتجت عن تركة صعبة من المشكلات، مؤكدا أنها ليست مستهدفة من لجنة التحقيق هذه، وإنما المستهدف هو من لا يعينها على إصلاح ما يمكن إصلاحه في وزارتها مؤيدا استخدام ورقة لجنة التحقيق باعتبارها حقا من حقوق النواب ولا بد من استخدامها. قائلا «إلى متى نخاف من استخدام هذه الأداة البرلمانية؟».
وعلى صعيد كتلة الوفاق يرى النائب محمد مزعل - الذي يبدو أنه يقود الحملة الوفاقية على الصحة - أن لا مانع من استخدام أداتين برلمانيتين في وقت واحد، إذ إن الإجابة على السؤال الذي تقدم به حول الأخطاء الطبية ربما يفيد لجنة التحقيق البرلمانية. ويضيف أن توجه الوفاق لتشكيل لجنة التحقيق هذه نتجت من كثرة الشكاوى التي تم تلقيها من قبل المواطنين، والتي شكلت جنبا إلى جنب مع ملفات أخرى كثيرة دواعي رئيسية لفتح التحقيق. مؤكدا أن لا ضرر من التعاطي مع كافة الملفات الصحية في لجنة التحقيق في البداية بحيث تكون المهمة مفتوحة منذ البداية، ثم يتم اختزالها فيما بعد في عدد من الملفات التي يتم التركيز عليها لوجود ضعف أو فساد.
وفي ظل تأكيده على سعي وفاقي لتكون رئاسة اللجنة في يد الوفاق لاستكمال الملف الذي بدأته، يؤكد مزعل أيضا على أن لجنة التحقيق هذه هي التي سترجع للناس ثقتهم المفقودة بخدمات وزارة الصحة لأنها ستضع يدها على الخلل وتحاول إصلاحه.
العدد 1672 - الأربعاء 04 أبريل 2007م الموافق 16 ربيع الاول 1428هـ