لم تبارح سلمى موقع هاتف منزلها، منذ أن زودت وزارة التربية والتعليم برقم الهاتف، وذلك على أمل الاتصال بها لشغل وظيفة مدرّسة.
ولم تكن سلمى التي تخرجت من المدرسة بتفوق ومن ثم ابتُعِثت للدراسة في أميركا على حساب الحكومة لتأتي بشهادة البكالوريوس بتفوقٍ أيضا تتوقع في لحظة من اللحظات أنها ستقف أمام القضاء كمتهمة!
وأي متهمة؟ وبأي تهمة؟ وبأي سبب؟ بسبب تفوقها في الدراسة! ومن خصمها؟ خصمها الجهة التي ابتعثتها وموّلتها ماديا لإكمال دراستها! حقا إنها مفارقة غريبة جدا.
كانت سلمى تهمُّ لرفع سماعة الهاتف كلما اتصل أحد، آملة في أن يكون المتصل وزارة التربية والتعليم لتبشرها بخبر التوظيف.
سلمى تخرجت وأقيمت لها ولزملائها وزميلاتها حفلات التخرج الرسمية الكثيرة التي حضرها كبار المسئولين في الدولة.
إلا أنه وبعد كل ذلك بقيت في المنزل تنتظر الوظيفة ملتزمة بما تعاهدت به مع الوزارة عند ابتعاثها للدراسة، إلا أن الانتظار طال، وكلما تصفحت سلمى الصحف المحلية وقرأت عن أخبار المتخرجات الشاكيات من التعطل، خافت على نفسها من أن يطولها ما طالهن، وبعد تفكيرٍ وتردد طويلين قررت سلمى أن تتقدم بأوراقها إلى المصارف والمؤسسات الخاصة لتحصل على عمل تساعد به أسرتها وفي الوقت نفسه تبدأ حياتها العملية.
وفعلا، ما أن تقدمت بتلك الأوراق حتى اتصل بها أحد المصارف عارضا عليها وظيفة براتبٍ مغرٍ. وهنا تبدأ المأساة، إذ وافقت سلمى على العرض ووقعت عقد العمل، وبعد أشهرٍ من التزامها بعملها واعتماد المصرف عليها في أداء العمل، وبينما كانت أمها مشغولة بإعداد وجبة الغداء رن الهاتف، فتوجهت أم سلمى له لترفع السماعة:
أم سلمى: من؟
الهاتف: وزارة التربية.
أم سلمى: خير؟!
التربية: هل هذا منزل سلمى؟
الأم: نعم.
التربية: أين هي؟
الأم: في العمل.
التربية: أين؟ ومتى؟ و كيف؟ ولماذا؟
الأم: في المصرف... منذ أشهر... وعملت هناك عندما تأخرتم في توظيفها فخافت أن يكون مصيرها كغيرها من العاطلات.
التربية: يجب على سلمى أن تعمل لدينا أو أن تدفع المبالغ التي صرفتها التربية عليها عند الابتعاث، وإلا فإن وزارة التربية ستضطر مجبورة لمقاضاتها في المحاكم.
الأم: المحاكم!
تلك قصة واقعية - ولكنها (بتصرف) - لمعاناة خريجة بحرينية تخرجت وعانت من جراء ابتعاثها للدراسة في الخارج، وتمنت أنها لو كانت لم تبتعث لكي لا تقف أمام المحاكم من دون ذنب.
إلى ذلك، شكا عدد من الطلبة والطالبات الخريجين المبتعثين للخارج من قبل وزارة التربية والتعليم، توجه الوزارة لمقاضاتهم في المحاكم لعدم عملهم فيها.
وأوضح الشاكون أن الوزارة أرسلت خطابات لهم عن طريق دائرة الشئون القانونية تطالب فيها بعمل الطلبة لديها في الوزارة، مستندة في ذلك الى العقد المبرم بين الطالب والوزارة، أو تخيير الطالب بين أمرين أحدهما دفع المبالغ المصروفة عليه أثناء فترة الابتعاث أو اللجوء للمحاكم ومقاضاة الطلبة.
وردت مجموعة من الطلبة الذين فضلوا عدم ذكر أسمائهم على توجه الوزارة لمقاضاتهم، إذ قالوا لـ «الوسط»: «نعم، وقعنا عقدا بيننا وبين وزارة التربية والتعليم على أنه وبعد الابتعاث يجب علينا العمل إما في وزارة التربية أو إحدى الوزارات الحكومية وذلك باعتبار أن من ابتعثنا للخارج هي الحكومة في الأساس وأن الأموال المصروفة علينا فترة الابتعاث هي أموال حكومية».
واستدركوا «إلا أن المشكلة تكمن في أن الوزارة لم تبعث بتلك الخطابات لجميع الطلبة المبتعثين الذين تخرجوا ولم يعملوا فيها، إذ انها أرسلت تلك الخطابات الينا فقط مبدية استعدادها لمقاضاتنا دون آخرين، الأمر الذي يعني أن الوزارة لا تطبق القانون على الجميع».
وأضافوا «أما الأمر الآخر، فيتمثل في أن الوزارة تتعنت ولا تلتزم بما جاء في العقد، إذ إنها توجب على الطالب العمل لديها ولا تقبل حتى عمله أو التحاقه بأية جهة حكومية أخرى، وتلك مخالفة صريحة للعقد، إضافة إلى ذلك، فهناك بعض التخصصات التي ابتعثنا فيها وهي غير موجودة كوظائف في الوزارة حتى تتم الاستفادة منا بتوظيفنا فيها، ومع ذلك فإن التربية تصرُّ على توظيفنا لديها».
فيما أوضح بعض الطلبة المتخرجين من كلية الأعمال المصرفية والمالية أن المنهج الذي تنتهجه الوزارة لا يتماشى وأهداف جلالة الملك وسمو ولي العهد، إذ ان القيادة السياسية تشجع وتحث الشباب ذوي الكفاءات على العمل في القطاع الخاص وخير دليل على ذلك ما تمخضت عنه ورشة سمو ولي العهد، إضافة إلى المعاهد الأجنبية التي تعاقدت معها وزارة المالية من أجل تدريس وتدريب الطلبة المتفوقين للعمل في القطاع الخاص في البحرين، إضافة إلى انتهاج الحكومة نهج الخصخصة في بعض هيئاتها ووزارتها، وحث العاطلين والباحثين عن العمل للتوجه للقطاع الخاص، وهو الأمر البيّن للجميع من خلال تصريحات وزير العمل وخطة المشروع الوطني للتوظيف، بينما تصر وزارة التربية والتعليم على أن يعمل الطلبة المبتعثون لديها، حتى لو لم توجد شواغر في الوزارة بالنسبة إلى تخصصات الطلبة الخريجين.
وتابعوا «كما أن التربية تتأخر في توظيف المتخرجين وخصوصا البنات، وذلك لكثرة أعداد الطلبة والطالبات الخريجين المتقدمين لشغل وظائف فيها، الأمر الذي يجعل الطالب يتوجه لتقديم أوراقه في أماكن حكومية وغير حكومية سعيا منه للحصول على وظيفة مناسبة، وما أن يوفق الطالب في الحصول على وظيفة مناسبة حتى تستدعيه الوزارة».
وتساءل الشاكون «هل يعقل أن تستوعب وزارة التربية والتعليم كل عام الخريجين المبتعثين للخارج إضافة إلى خريجي جامعة البحرين وبقية الجامعات؟»
وأردف الطلبة أنهم توجهوا لـ «الوسط» لرفع شكواهم إلى المسئولين بعد أن بعثت دائرة الشئون القانونية لهم خطابات تطلب فيها دفع مبالغ باهظة يزيد بعضها عن 40 ألف دينار وهي قيمة ما صرفته الوزارة على الطالب أثناء ابتعاثه، أو مقاضاته أمام المحاكم في حال ما إذا لم يتقدم لشغل وظيفة بالتربية أو عدم دفع المبالغ المشار إليها.
وتساءل الشاكون «أهكذا تعامل التربية أبناءها المتفوقين الذين كرمتهم؟».
وناشد الشاكون جلالة الملك التدخل لحل مشكلتهم مع الوزارة التي تنوي مقاضاتهم بسبب تفوقهم وابتعاثهم.
العدد 1711 - الأحد 13 مايو 2007م الموافق 25 ربيع الثاني 1428هـ