«أخذوا ساحل النبيه صالح، وقتلوا أسماكه الصغيرة التي ما زالت تنتظر من يبرر موتها، وأخذوا خليج توبلي الذي تعكرت مياهه لتصبح سوداء كالنفط، وأخذوا ساحل جنوسان الذي ما زال يشكي همومه إلى بحارته ويطالب بحفر قناة، والآن يطمحون في بحر سترة الشاسع ولا يرضون بالقليل، أين جزيرة سترة يا حكومة؟»... هذا ما قاله أحد البحارة في الجولة البحرية التي نظمها بحارة سترة ورافقتهم «الوسط» لمدة ما يقارب 45 دقيقة لرؤية معالم البحر ورؤية القباقب التي تزين البحر ورؤية قوس قزح الذي غاب مع احتلال الشفاطات عرش ملكة البحر.
ابتدأ الحديث في البداية مع عضو بلدي الوسطى صادق ربيع الذي كان بجانب «الوسط» في بداية الرحلة، أخذ ربيع يتحدث عن وجود قرار يخص خليج توبلي وأنه تمت الموافقة عليه وهو إيقاف تراخيص الإعمار على امتداد 1000 متر، مع تخصيص لجنة لدراسة وضع خليج توبلي وتتكون من وزارة البلديات وإدارة الثروة السمكية وإدارة الأشغال والطرق، مشيرا إلى أن هذا القرار يضم وضع جدول زمني لاستملاك خليج توبلي.
وأوضح ربيع أن تكوين شريط ساحلي بمحاذاة بحر سترة هو الحل الأمثل، مشيرا الى أنه سيحد من مشكلة التلوث الذي يعاني منه البحارة خصوصا، وأهالي سترة عموما.
وأكد ربيع أن نحو 200 حظرة مخالفة لشخص واحد، وأنه سيتم التعامل معه بحسب القانون وإذا كانت المعاملة المفترض أن يتم اتباعها مثل معاملة حظور المالكية فإنه سيتم اتباع نفس المعاملة.
بداية الحديث
عن بحر سترة
انتقلت «الوسط» من الحديث إلى ربيع إلى الحديث مع رئيس المجلس البلدي عبدالرحمن الحسن الذي كان أول المتحدثين عن بحر سترة، والذي أصر بأن يقول رأيه وهو على المركب الذي كان يتعجب من تعكر مياه بحره الذي عاشره منذ سنين. يقول الحسن: «إن تعكر المياه وزيادة التلوث تدل على أن بحر سترة ملوث في الوقت الذي كانت تعرف فيه هذه المنطقة في السابق بالمياه الصافية».
ويضيف «أن ما رأيناه خلال هذه الرحلة من بوانيش ضخمة تشفط الرمال تارة وتغسلها تارة أخرى وصيانة المراكب في هذا البحر الشاسع يجعل المجلس البلدي يأمل بأن يكون هناك تعاون بينه وبين إدارة الثروة السمكية وغيرها من الجهات وذلك لتحقيق ما يتمناه البحارة من استرجاع ولو جزء بسيط من البحر الذي فقد جانبا من جوانبه بسبب الشفط وجوانب أخرى بسبب تعكر المياه فيه».
وأبدى الحسن تخوفا من حدث في ساحل النبيه صالح، مشيرا إلى أن البعض يشتكي من أن الصافي أصبح طعمه كطعم بطن السمكة النتن، مطالبا كل الجهات بوضع حل للمشكلات البيئية.
الحزام الأخضر يتبدل إلى حزام السموم
أما النائب البرلماني سيد حيدر الستري فكانت نظرته إلى الجولة البحرية متشابهة مع الجميع إذ إن الدهشة كانت تغمره لما كان فيه ماء البحر من تعكر، ولما كنت تقوم بها شفاطات الرمال من احتلال لأكثر من موقع في البحر.
يقول الستري بصورة تعبر عن حزنه على البحر الذي يمكن أن يودع أصحابه في أية لحظة: «هذه المنطقة كانت عامرة بالحيوية والثروة السمكية وعامرة بالحزام الأخضر الذي يجعل من نخيلها غابة كبيرة يضيع الطفل فيها وهو يلعب بأغصان أشجارها وخصوصا المنطقة الواقعة من شمال سترة إلى أم الحصم، إلا أن هذه المنطقة أصبحت حفرة نفايات وسموم تلقي بها الشركات في حجر هذه الحفرة التي تمتد إلى الأعماق».
يعود الستري ليرمق البحر بنظرة حزن ويكمل حديث: «ما نشاهده اليوم هو منظر تشمئز منه الأعين، فهو كمنظر الزبالة التي ترمى بها الأوساخ، فبحر سترة اليوم هو البحر الصناعي الذي انتشرت فيه المصانع وتكاثرت فيه السموم».
وأكد الستري أن عدم وجود الرقابة هو السبب الأول لما يعانيه بحر سترة من مرض، إلى جانب أن عدم وجود إدارة تقيم الأضرار الناتجة عن هذه الملوثات يزيد من هذه الكارثة البيئية.
وطالب الستري بإزالة حزام «السموم» الذي يغطي بحر سترة مع تعويض جميع الأهالي الذين كان السمك أكلهم اليومي، إلى جانب تعويض البحارة الذين تم هدم منزلهم الثاني الذي تسبب في قلة محصول صيدهم وقطع أرزاقهم.
تدمير مقصود
أو جاهل فهو مأساة
أما النائب البرلماني عبدعلي محمد الذي استوقفته في سيارته، وذلك بسبب انتهاء الرحلة البحرية والتي تمنى الجميع بأن تكون مدتها أطول، فكان يؤكد أن تدمير بحر سترة سواء كان هذا التدمير مقصودا أو ناجما عن جهل بأضرار هذا التدمير فإن ذلك يشكل مأساة كبيرة، مشيرا إلى أن شفط الرمال وغسلها بماء البحر ما هي إلا قضية تدل على الجهل.
وأبدى محمد استنكاره لاستملاك شفاطات الرمال جزءا من بحر سترة في الوقت الذي يستملك فيه البحارة زاوية محصورة تحصرهم في مكان بعيد وترميهم في تلك الزاوية يرمقون الشفاطات وهي تحتل عرش البحر.
وأكد محمد أن شكوى البحارة هي شكوى نابعة عن المعاناة الحقيقية التي أثبتتها هذه الجولة، إذ إن هؤلاء عانوا الكثير، فبحرهم يدمر وزواياهم تستملكها الشفاطات ومياه بحرهم تعكرها الملوثات فلا داعي لأن نتهم البحارة بأنهم يكبرون الأمر، لأن القضية أكبر مما يتوقعها الجميع.
انتهت الرحلة سريعا... وبقيت أسئلة كبيرة بحجم البحر «المغدور»، تدور في مخيلتنا نحن، فضلا عن مخيلة البحارة الذين كما قال الستري يعتبرون البحر بيتهم الثاني، فهل يبقى المسئولون صامتين وكأن على رؤوسهم الطير كما في كل مرة، أم سيجد هذا البحر (خلسة) أذنا صاغية لمسئول معني يؤنبه ضميره للسكوت عن ضياع جمال البحرين وبهائها بضياع البحر، فيتحرك لإيجاد حل واقعي؟!.
العدد 1753 - الأحد 24 يونيو 2007م الموافق 08 جمادى الآخرة 1428هـ