على رغم الأخبار المتداولة في الأوساط الإعلامية والشعبية بين الحين والآخر عن مزاعم لحملات تجنيس عراقيين بعثيين وآخرين من اتجاه ديني متشدد، فإن السلطات الرسمية ظلت تشكك دائما في هذه المزاعم، وأكدت غير مرة أن «تجنيس العراقيين لا يعدو كونه ضربا من الخيال». ومن يطلقون نظرية «تجنيس البعثيين والمتشددين الدينيين» يستدلون بقرائن مختلفة عززها وجود عدد ليس بقليل من العراقيين من ذوي التوجهات القريبة من حزب البعث العربي الاشتراكي ومن أحد الاتجاهات الدينية السياسية في الجامعة والمؤسسات الأخرى غالبيتهم وصلوا إلى البحرين بعد غزو العراق في ربيع العام 2003.
كيف وصلوا إلى البحرين؟
ويقول أصحاب هذا الرأي إن العراقيين المذكورين يشغلون مناصب مهمة في عدد من المؤسسات الحساسة، وخصوصا الأكاديمية، وبحسب هؤلاء أيضا فإنّ الذي هيَّأ لهم الطريق للمجيء إلى البحرين أكاديمي عراقي كان مقيما في البحرين، وحصل على الجنسية البحرينية بسهولة، وقام بملء الجامعة بالكثير من العراقيين الآخرين، كما يعمل عدد آخر منهم مستشارون كبارا لدى جهات رسمية في مواقع استراتيجية مختلفة.
الكويت فكّرت في فرض «فيزا» على البحرينيين
ويضيف هؤلاء أيضا أن مزاعم تجنيس العراقيين سببت إحراجا كبيرا للجهات الرسمية داخليا ومع دول الخليج التي لها علاقات متداخلة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وعلى مستويات ذات شأن مع البحرين وتحديدا دولة الكويت التي أشيع أنها قررت فرض تأشيرة العبور (الفيزا) على المواطنين البحرينيين لتتأكد من عدم دخول أراضيها بعثيين مقربين من نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين لضمان الحفاظ على أمنها ونسيجها الاجتماعي وفق ما ذكره إعلاميون كويتيون. وتقول جهات عراقية ذات صلة وثيقة بالمسئولين في الحكومة العراقية الجديدة إن «البحرين استقدمت من عدة دول عربية لجأ إليها البعثيون عناصر من النظام السابق وخصوصا الأردن وسورية ودولة الإمارات واليمن وتم توظيفهم في دوائر مهمة ومنحوا الجنسية البحرينية»، وأوضحوا أن عدد المجنسين يتراوح بين 3000 - 5000 مجنس، وهو ما نفته الجهات الرسمية البحرينية إلا أن تعليقا من المسئولين العراقيين لم يصدر في هذا الشأن.
المعارضة: توطين البعثيين والتكفيريين أمر خطير
واعتبرت أوساط مختلفة من المعارضة البحرينية أن «التجنيس الأخير لعراقيين بعثيين وذوي اتجاهات تكفيرية وإقصائية لا ينطلق من رؤية التعايش، ولا تنطلق هذه الحملة من رؤية المحبة واحترام الآخر بين أبناء الوطن الواحد»، محذِّرة من خطورة «هذه الخطوات التي لا ترسخ الاستقرار الاجتماعي وتزيد من تعميق الشكوك المتبادلة أساسا».
وتنامى شعور واسع لدى قطاعات شعبية عريضة بل ولدى نخب سياسية ونواب سابقين بأن هناك بعثيين وتكفيريين جلبوا إلى البحرين فعلا، وتعزز هذا الشعور بالتزامن مع ما يسمونه «عدم الشفافية الكاملة» في إجراءات الانتخابات النيابية التي جرت في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2006.
البحرين: تجنيس عراقيين «شائعة»
أما البحرين فنفت رسميا ما تردد عن منح أعداد كبيرة من العراقيين الجنسية البحرينية، مؤكدة في الوقت ذاته أن ما يتداول في هذا الشأن لا يعدو كونه «شائعة»، وكانت أولى الشائعات انطلقت في أيام إدارة الحاكم المدني للعراق بول بريمر عندما قيل إنه عرض على العشائر العراقية التوطين في البحرين، وهو ما أساء إلى الجهات الرسمية البحرينية، وكان ذلك قبل الانتخابات العراقية الأولى. ويأتي الرد البحريني الرسمي في أعقاب ورود تقارير نشرت تشير إلى أن السلطات البحرينية أقدمت على تجنيس ما يقارب ألفي عراقي من البعثيين. وفي الشهور الأخيرة قال وكيل وزارة الداخلية لشئون الجنسية والجوازات والإقامة، الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة: «إن مزاعم تجنيس أعداد كبيرة من العراقيين أمر ليس له أي أساس من الصحة أو الصدقية، ولا يعدو أن يكون شائعة رددتها قلة من الناس كقولٍ مرسل لا دليل عليه». وأضاف الشيخ راشد أن «الأبواب مفتوحة للجميع وبالإمكان الاستفسار عن هذه الشائعة أو أي موضوع مباشرة من الإدارة العامة للجنسية»، مضيفا «كان الأحرى بمن بلغته هذه الشائعة أن يتبين صحتها من المسئولين المختصين بالإدارة قبل أن يتناولها أو يتداولها أمام الرأي العام من دون أي سند أو دليل».
لهجة عراقية في المواجهات
وفي مطلع العام الجاري ادعى شاب شارك في المواجهات الأمنية في منطقة السنابس أن رجل مخابرات تكلم بلهجة عراقية أشبعه ضربا أمام الجميع، وتواردت أنباء عن قصص مماثلة أيضا إلا أن مصدرا رسميا نفى صحة ذلك على رغم تأكيدات الشاب. وتعزز هذا الاعتقاد أكثر مع ظهور حملة التقرير المثير التي فجَّرها مستشار حكومي سابق على السطح وادعى فيها أن «جهات رسمية تعمل على استقطاب نخب عراقية بعثية وأخرى إقصائية لتثبيتها في مراكز نفوذ مهمة»، بل زعم أنه يمتلك دليلا على ذلك، إلا أن جهات مستقلة لم تتمكن من تأكيد ذلك أو نفيه، كما أن ملف التقرير المثير لم يحسمه القضاء البحريني حتى الآن.
مجالس عزاء صدام حسين
وأقيم مجلس عزاء مركزي على الرئيس العراقي السابق صدام حسين في مقر جمعية التجمع القومي بمشاركة عدد من العراقيين البعثيين وآخرين من المتشددين الدينيين كان من بينهم أساتذة جامعيون وموظفون كبار في القطاعين العام والخاص أيضا. وعلى رغم تعرض مجلس العزاء الأول لاعتداء بالزجاجات الحارقة (المولتوف) من جهات مجهولة، إلا إن ذلك لم يثنِ البعثيين والمتحالفين معهم من التوجهات الدينية المتشددة عن إقامة المزيد من مجالس العزاء على صدام وكبار معاونيه الذين أعدمتهم القوات الأميركية والحكومة العراقية، وشهدت مجالس العزاء الأخرى حضورا لافتا أيضا، وينقل بعض الحاضرين «إن كثيرا من المعزين هم عراقيون لم يعهد وجودهم من قبل في البحرين».
مصادر مطلعة تزعم أيضا أن «صلة وثيقة تجمعهم مع مسئولين وإعلاميين بحرينيين متنفذين»، ولم تستبعد المصادر أن يقوم بعضهم بإرسال تحويلات مالية إلى العراق تحت مسميات مختلفة منها دعم المقاومة في العراق. أما جمعية التجمع القومي الديمقراطي التي نظمت مجلس العزاء والتي «ينضوي تحت لوائها غالبية البعثيين البحرينيين»، فتؤكد أنها لا تدعم «الإرهاب في العراق وإنما المقاومة الموجهة إلى الاحتلال وعملائه»، على حد قولها.
السفارة تشكك في وجود آلاف العراقيين
ويؤكد مصدر مطلع في السفارة العراقية بالمنامة، فضل عدم ذكر اسمه إنه «ليس من المستبعد أن يكون عدد من البعثيين جاءوا إلى البحرين فعلا ضمن هجراتهم إلى دول عربية مختلفة من بينها قطر والإمارات واليمن والجزائر»، لكن المصدر شكك في مزاعم أن يكون عدد البعثيين في البحرين بالآلاف قائلا: «لا يعقل أن يوجد آلاف البعثيين العراقيين من دون أن يظهروا للعيان أو أن يكون لهم أثر على الأرض!».
«هيئة العلماء»: البحرين تجنِّس بعثيين
وينقل مسئول إعلامي جاء مع وفد عراقي بارز زار البحرين في الربع الأول من العام الجاري أن «جهات عراقية مقربة من الحكومة وأخرى محسوبة على كتل كبرى في مجلس النواب العراقي يسودها اعتقاد بأن عددا من رموز النظام السابق أو المحيطين به قد تلقوا عروضا للإقامة في دول خليجية من بينها البحرين». ويضيف أن «هذا الاعتقاد عززه تصريح للناطق باسم هيئة علماء المسلمين بشار العوادي الذي أدلى به لراديو (سوا) الناطق بالعربية والتابع للولايات المتحدة، إذ ذكر أن البعثيين العراقيين يحصلون على الجنسية في دول عربية في مقدمتها اليمن والبحرين»، وكان هذا التصريح في معرض تعليقه على سؤال عن مستقبل البعثيين، وكان ذلك أثناء المعارك الطاحنة التي دارت رحاها بين العشائر العراقية والمحسوبين على تنظيم «القاعدة» في محافظة الأنبار قبل شهرين.
حزب البعث يشارك في المؤتمر القومي
وفي المؤتمر القومي العربي الذي عقد دورته الثامنة عشرة في المنامة في أبريل/ نيسان الماضي (حصل على دعم رسمي كبير) كان من أبرز المشاركين فيه الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق الشيخ حارث الضاري، الذي شنَّ هجوما من المنامة على الحكومة العراقية، ووصفها بـ «العميلة والمتواطئة مع الاحتلال». وكشف الضاري أن دولا عربية كثيرة عرضت عليه الاستضافة من بينها الجزائر والمملكة العربية السعودية واليمن، إلا أنه رفض التعليق على سؤال وجهته «الوسط» عمَّا إذا كانت البحرين أيضا من تلك الدول التي عرضت عليه الاستضافة. كما شارك في المؤتمر علنا بعثيون بارزون بعضهم لم يخفِ صلته بما أسماه «المقاومة العراقية»، وكان من بينهم المتحدث باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، وعضوان في هيئة الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وحظي المشاركون - من بينهم البعثيون والمتشددون - بحفاوة بالغة؛ ما أثار ردة فعل غاضبة من العوائل البحرينية التي فقدت أبناءها في ظروف غامضة إبان حكم النظام السابق، واستنكرت جمعيات أهلية وسياسية وعدد من النواب منح البعثيين والمتحالفين معهم تأشيرات الدخول.
تقارير إعلامية تشير إلى أحضان دافئة
وقبل أسبوعين من الآن نشرت تقارير إعلامية في الصحافة الغربية كان أبرزها تقرير «لوس أنجليس» الذي أشار إلى علاقة وطيدة بين بعثيين سابقين وآخرين قريبين من تنظيم «القاعدة»، زعمت الصحيفة الأميركية أنهم «يحظون بتعاطف من جهات بحرينية رسمية»، ولم تعلق جهات رسمية على هذا التقرير.
مفاجأة الأشعل
غير أن المفاجأة الكبرى كانت تلك التي فجّرها المدير التنفيذي لمعهد البحرين للتنمية السياسية عبدالله الأشعل - الذي أنهى مجلس الأمناء عقده - في حوار مع «الوسط» أن «عصابة بعثية» تختطف معهد التنمية السياسية، وزعم أن أقطابها «عضو في مجلس الأمناء يشغل منصبا أكاديميا رفيعا في جامعة بارزة، ومدير بعثي آخر كان ضابط استخبارات بالإضافة إلى عمله الدبلوماسي في الخارجية العراقية سابقا».
وحذَّر الأشعل كذلك مما ادعى أنها «شبكة بعثية» تعمل في الجامعات، وتحاول التغلغل في دوائر صنع القرار البحريني، وزعم أن أعضاءها يحصلون على رواتب وامتيازات خيالية، موضحا أنهم لا يخفون مساندتهم للتوجه البعثي ويدافعون بضراوة عن سياسات النظام السابق في العراق وحربه على دول الجوار. ويشار إلى أن البحرين كانت عرضت قبيل الحرب على العراق استضافة رموز النظام السابق وفي مقدمتهم الرئيس السابق صدام حسين، وبررت الحكومة موقفها آنذاك بأنه «مبادرة لاحتواء الحرب»، إلا أن القيادة العراقية رفضت الاقتراح على لسان وزير خارجيتها ناجي صبري خلال المؤتمر الإسلامي الذي عقد في الدوحة قبل شن الحرب على العراق في أبريل/ نيسان 2003.
إلى أين يتجه القارب البحريني؟
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن وأكثر من أي وقت مضى بعد كل هذه الوقائع «هل أصبحت البحرين ملاذا للفارِّين من القضاء العراقي من البعثيين والتكفيريين، وهل تتجه المملكة بعد شعار البحرنة والطأفنة إلى البعثنة، وإن صحّ ذلك فلمصلحة من يكون؟» سؤال ليس من السهل الإجابة عنه الآن!
العدد 1783 - الثلثاء 24 يوليو 2007م الموافق 09 رجب 1428هـ