«لايزال الطريق أمامنا طويلا للتغلب على صعوبات الماضي ونسيانه، ولاتزال ذكرى ما حصل تطل علينا ثقيلة وأليمة، وعلى رغم كل ما قمنا به من خطوات نحو المصالحة، فإننا نعرف أن العملية لاتزال مستمرة وينتظرها الكثير».
بهذه الكلمات اختتمت عضو لجنة الحقيقة والإنصاف في جنوب افريقيا مادلين فولارد حديثها عن تجربة بلادها في موضوع العدالة الانتقالية، التي جاءت إلى البحرين لتستعرضها في ورشة «البحث عن الحقيقة» التي نظمتها الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان بالتعاون مع المركز الدولي للعدالة الانتقالية.
وفي لقاء خاص لها مع «الوسط» تحدثت فولارد عن قصة طويلة مرت بها بلادها قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه من العدالة وإنصاف الضحايا. وهي التي اعتبرت أحد أكثر البلدان تقدما في هذا الموضوع.
تقول فولارد: بدأ الصراع في جنوب افريقيا منذ أكثر من مئة عام. كان العرق الأسود هو الغالب على أعداد الشعب في جنوب افريقيا وكان يمارس ضدها التمييز العرقي من قبل الحكومة. وكانت المطالبة مستمرة بإلغاء التمييز وإعطاء كل ذي حق حقه، سواء في تلك الأراضي أو في المواطنة الكاملة وغيرها من الحقوق. ظهرت المطالبة عبر عدد من المنظمات التي حاربتها الحكومة (المسيطر عليها من قبل البيض) طويلا وأغلقتها ونفت القائمين عليها. استمر الوضع متوقفا منذ العام 1960 إلى العام 1994، إذ شهدت البلاد صراعا سياسيا قويا أدى إلى وفاة 25 ألف شخص، وسجن أكثر من 60 ألف شخص من دون محاكمة بسبب وضع الأحكام العرفية، عشرات الآلاف من الأشخاص سجنوا لسنوات طويلة جدا وعلى رأسهم الرئيس الأسبق نيلسون مانديلا الذي سجن 27 عاما. استمر الضغط السياسي على الشارع حيث شهدت البلاد سيطرة كاملة على وسائل الإعلام وضغط على حرية التعبير. وبعد 34 عاما اكتشف الجميع أن الحكومة ليست قادرة أصلا على السيطرة على البلاد بسبب المطالبات الشعبية الرفيعة المستوى. من هنا بدأت المفاوضات بين الطرفين، إذ قدم كل منهما تنازلات معينة، وطلبت الحكومة العفو العام عن قواتها الأمنية حتى تضمن عدم مقاضاتها عن أية اختراقات أمنية قامت بها. ولكن منذ أن تم انتخاب الحكومة الديمقراطية الجديدة في العام 1994، بدأ الجدال حول الطريقة المثلى لتطبيق هذا العفو العام. بدأ النقاش واسعا بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات السياسية ولجان الضحايا، والجميع اتفق على أن العفو العام يجب أن يمر عن طريقة عملية أطول من لجان البحث عن الحقيقة التي يشترك فيها الضحايا أيضا. كانت المشكلة أن الآلاف فقدوا أرواحهم، كما أن الكثيرون بدأوا يعانون من أمراض نفسية كالكآبة المزمنة، كثيرون اختفوا ولا يعرف عنهم أحد شيئا. لذلك جاءت المطالبة بضرورة الحصول على المعلومات الكاملة عن مصيرهم، إلى جانب حق الاعتراف بما حصل لهم، وخصوصا بعد إنكار السلطات كل ما حصل.
وأضافت: من هنا جاء تأسيس هيئة الحقيقة والمصالحة في جنوب افريقيا، والتركيز على موضوع المصالحة جاء من التخوف بشأن موضوع الصراع العنصري، إذ كان التخوف الأكبر من أنه بعد سنوات طويلة من المعاناة من قبل السود (وهم الأكثرية) سيلجأ هؤلاء إلى الانتقام من البيض (وهم الأقلية)، ولكن هذا الأمر لم يحصل إطلاقا. إذ حاولت الهيئة أن تسمح للطرفين بالحديث مع بعضهم بعضا، وسماع الطرف الآخر، بعد سنوات طويلة من العزل العنصري عانتها جنوب افريقيا. وقالت فولارد: هيئة الحقيقة والمصالحة اتخذت شكلا متميزا بعد أن نظمت لقاءات استماع عامة مع الضحايا أعطتهم الفرصة للحديث عما حصل لهم، وتمت تغطية اللقاءات عبر وسائل الإعلام على الهواء مباشرة في التلفزيون والإذاعة المحلية علاوة على التغطية الصحافية اليومية. من هنا كان تأثيرها كبيرا جدا على المجتمع بأسره، وكان التأثير عظيما للاستماع إلى ضحايا فعليين يتحدثون بألم عما تعرضوا له في تلك الفترة. من جانب آخر تميزت الهيئة - بحسب قولها أيضا - بأنها صنفت الجرائم المرتكبة إلى ضحايا الخطف، التعذيب، والقتل. واستضافت المعذبين بأنفسهم ليتحدثوا للعامة عما قاموا به في مواجهة الضحايا، وكان يسمح للضحايا بأن يقوموا باستجواب معذبيهم، وهو الأمر الذي كان له أعظم الأثر على المجتمع لأن العملية كلها كانت مفتوحة ومكشوفة للجميع.
واستطردت فولارد: أما الجانب الآخر الذي التزمت به الهيئة فهو التعويض والإصلاح، إذ حاولت أن تقوم باتباع سياسة شاملة تعوض بها الضحايا بشكل معنوي عبر النصب التذكارية والأشكال الرمزية للتعويض والاعتراف بما حصل. علاوة على الإصلاح الجماعي الذي اشتمل على إعادة إعمار بعض المناطق التي تضررت بالكامل أثناء فترات العنف وإعادة سكانها إليها. استمر عمل الهيئة بشكل متواصل منذ العام 1996 إلى 1998، ولكنه استمر في القيام بجلسات الاستماع وإعداد تقريره النهائي الذي سلمه بشكل كامل في العام 2001.
في النهاية تقول فولارد «جنوب افريقيا لاتزال تعاني حتى اليوم من ذكرى الحوادث الماضية، إذ أفرزت تلك المرحلة تفاوتا عنصريا متضخما في المجتمع الجنوب إفريقي، ومن الصعب أن يتم التغلب على ما حصل، فعلى رغم المحاولات التي قامت بها الحكومة لتجاوز المرحلة السابقة عبر إقرار عدد من القوانين ومنها سياسة «التمكين الاقتصادي للسود» التي تسمح للسود بالمشاركة في العملية الاقتصادية بشكل متوازن تماما مع غيرهم. علاوة على عدد آخر من المبادرات من الحكومة التي حاولت أن تعزز مفاهيم المساواة، والتي عملت كلها جنبا إلى جنب لنقل المجتمع الجنوب افريقي من مجتمع غير عادل إلى آخر يعمه السلام.
العدد 1848 - الخميس 27 سبتمبر 2007م الموافق 15 رمضان 1428هـ