تعتبر شعيرة الصيام من أقدم الشعائر الدينية في التاريخ، ولا نكاد نجد أمة من الأمم إلا وقد مارست نوعا من الصوم كطقس من طقوس العبادة أو الزهد. وعرف الصيام بأنه الامتناع عن الطعام أو الشراب أو جزء منهما، أو الكلام أو الامتناع عن أمر ممكن تُدفع النفس اليه الى وقت محدد ولغاية عقيدية أو إنسانية.
في عقيدة بني «إسرائيل» بخلاف الديانات السماوية، الصوم عندهم عبارة عن رمز للحداد والحزن أو إحياء ذكرى نكبة أو كارثة في التاريخ اليهودي بغرض الندم والتوبة والتكفير، ولكل منها ما يعبر عنه في الطقوس الدينية.
وهكذا نجد أن اليهودي لا يعيش ثانية المأساة التاريخية لقومه مع كل صوم، لكنه يجدها فرصة مواتية للبحث في الذات لنفسه ولقومه في الماضي والحاضر، كما تتلى صلوات التوبة والكفارة في جميع أوقات الصوم، وتقرأ التوراة في الصلاة العامة صباحا وبعد الظهيرة.
وقد تمكن جيمس فريزر في كتابه (الفلكلور في العهد القديم) أن يجد أصل الصوم عن الكلام في تاريخ بني «إسرائيل»، إذ لاحظ أن الكلمة العبرية التي تعني أرملة تعني أيضا المرأة الصامتة، وقد ذكر القرآن الكريم فيما بعد هذا اللون من الصيام في بني «إسرائيل» مرة عند بشارة زكريا بيحيى، ومرة بعد ولادة مريم للمسيح.
اليهودي يصوم أياما عدة متفرقة من السنة أهمها يوم الغفران، وثمة أيام صوم عدة أخرى مرتبطة بأحزان جماعة «إسرائيل»، ومعظم هذه الأيام مناسبات قومية، ومن أهمها التاسع من أغسطس/آب يوم خراب الهيكل الأول والثاني، والسابع عشر من يوليو/تموز فهو اليوم الذي حطم فيه موسى ألواح الشريعة ودخل فيه بنوخذ نصر إلى المدينة. ويصوم اليهود أيضا في الثالث عشر من مارس/ آذار صيام «إستير» ويقع قبل عيد التنصيب. وصيام أسابيع الحداد الثلاثة بين السابع عشر من يوليو والتاسع من أغسطس باعتبارها الفترة التي نهب الجنود الرومان أثناءها الهيكل والقدس، وأيام التكفير العشرة بين عيد رأس السنة ويوم الغفران، وأكبر عدد ممكن من الأيام في سبتمبر/ أيلول. وأول يومي اثنين وخميس من كل شهر، وثاني يوم اثنين بعد عيد «الفصح» وعيد «المظال». ويصومون السابع من مارس باعتباره تاريخ موت موسى.
ويوم الغفران الصغير، وهو آخر يوم من كل شهر، كما يصوم اليهودي أيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، فهي الأيام التي تقرأ فيها التوراة في المعبد. وإلى جانب أيام الصيام، التي وردت في العهد القديم، يمكن لليهودي أن يصوم في أيام خاصة به كذكرى موت أبويه أو أستاذه أو يوم زفافه. وفي الماضي كان اليهودي إذا رأى كابوسا في نومه، وإذا سقطت إحدى لفائف التوراة كان من المعتاد أن يصوم الحاضرون.
في صوم يوم الغفران والتاسع من يوليو يمتنع اليهود عن الشراب وعن تناول الطعام أو الجماع، كما يمتنع اليهود عن ارتداء الأحذية الجلدية لمدة خمس وعشرين ساعة من غروب الشمس في اليوم السابق حتى غروب الشمس عن يوم الصيام. أما أيام الصوم الأخرى فهي تمتد من شروق الشمس حتى غروبها، ولا تتضمن سوى الامتناع عن الطعام والشراب. وفي الماضي كان الصائمون يرتدون الخيش ويضعون الرماد على رؤوسهم تعبيرا عن الحزن، وإذا وقع يوم الصيام في يوم سبت فإنه يؤجل إلى اليوم التالي ماعدا صيام عيد يوم الغفران.
ويعد الصوم أيضا من أهم العبادات عند المسيحيين، وتحديده ليس متفقا عليه، لأن الديانة المسيحية لا تأمر أتباعها بالصوم صراحة، فإنها تعتقد ان ليس هناك شيء يأمر به الله أو يطالبنا بفعله، بل تقدمه باعتباره شيئا جيدا، نافعا ومتوقعا، فإنه مدون في أعمال الرسل أن المؤمنين كانوا يقومون بالصوم قبيل الإقدام على قرارات مهمة، وغالبا ما يكون التركيز في الصوم على عدم تناول الطعام، ولكن الغرض الأساسي من الصوم هو أن نحول نظرنا من الأشياء المادية ونركز على الله. فالصيام هو طريقة من خلالها يمكن التعبير لله ولنفسك أنك جاد في علاقتك معه، كما أنه يساعد في إعطائك وجهة نظر جديدة واتكالا مجددا على الله.
وعلى رغم أن الصيام في المسيحية يشير دائما الى الامتناع عن الطعام، فهنالك طرق أخرى للصيام، فأي شيء يمتنع عنه مؤقتا ليساعد على التركيز على الله يعتبر صياما، والصيام يجب أن يكون مرتبطا بوقت معين وخصوصا ان كان عن الطعام. ففترات الامتناع عن الطعام الطويلة قد تكون ضارة للجسد، فليس المقصود بالصيام معاقبة الجسد، بل التركيز على الله.
الصيام ليس لإقناع الله بفعل ما نريده. فالصيام يغيرنا ولكن لا يغير إرادة الله. والصيام ليس طريقة لإظهار أننا أكثر روحانية عن الآخرين فلابد أن يصاحب الصيام روح التواضع والفرح.
وصوم الميلاد وعدد أيامه 43 يوما تنتهي بعيد الميلاد، والصوم المقدس وعدد أيامه 55 يوما، وهي عبارة عن الأربعين يوما، التي صامها المسيح مضافا إليها أسبوعان: الأسبوع الأول منهما قبل الأربعين، ويسمى أسبوع الاستعداد والتهيئة للصوم الأربعيني المقدس. والأسبوع الثاني، أسبوع الآلام، ويأتي بعد الأربعين، وينتهي بأحد القيامة، ويمتنع في هذا الصوم عن أكل لحم حيوان أو ما يولد منه أو ما يستخرج من أصله، ويقتصر على أكل البقول، ولا يعقد في أثنائه سر الزواج، ثم يجيء صيام الرسل، وعدد أيامه يزيد وينقص بحسب الطوائف، وتتراوح مدته بين 15 و 49 يوما، وصوم العذراء ومدته 15 يوما.
وقد اتبع العرب قبل الإسلام في صيامهم الأديان المحيطة بهم مثل المسيحية واليهودية، فلما جاء الإسلام أقر شعيرة الصوم في السنة الثانية هجريا وجعلها بذلك الركن الرابع من اركان الإسلام، وأكّد أنه لم يبتكره، بل إنما كان سنة من سنن الأولين، بقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم»، وقد ذكر الصوم في القرآن الكريم 15 مرة، منها ما هو متعلق بصوم الفريضة، ومنها ما هو مرتبط بصوم النافلة، ومنها ما هو مختص بصوم الكفارة. والملاحظ أن الإسلام قد حاول ألا يخرج الصيام عن سياق الحياة، لهذا أمر المريض والمسافر والحائض والنفساء بالإفطار، وأكد أهمية السحور، لتتجدد الطاقة.
وأكد الإسلام في الوقت نفسه أن المقصود من الصوم ليس الإمناع عن الرغبات فقط، بل المعنى الكامن وراء الصوم وهو مرضاة الله، وربط الصوم بمعنى من معاني المسئولية، لكي لا يتخذ الناس دينهم لهوا ولعبا، فحرّم على الصائم المتطوع أن يفطر في منتصف يومه، وراعى الإسلام صعوبة انسلاخ الإنسان من عاداته، ليصبح قلبه خالصا للوضع الجديد، إذ أخبر النبي ذلك الذي أفطر ناسيا بأن الله هو الذي أطعمه وسقاه، ولم يشأ الإسلام أن يكون الصوم عزلة تامة، فحرّم على الصائم بالنهار ما حرّم حتى إذا جن عليه الليل أحل له كل ما كان حرم عليه، لكي لا يستوحش الإنسان من صومه أو من دنياه. وجاء الحديث القدسي ليلخص فلسفة الصوم في عبارة قصيرة «الصوم لي وأنا أجزى به».
علي العرادي
العدد 1856 - الجمعة 05 أكتوبر 2007م الموافق 23 رمضان 1428هـ