العدد 1856 - الجمعة 05 أكتوبر 2007م الموافق 23 رمضان 1428هـ

زحام الموت

ثمة هوة عميقة بين الشعوب والسلطة، فالأخيرة كأنما خُلقت ليسكنها الجشع، بينما الشعوب يعشش الحزن بها، ممتدا لأحلامها. ولن نحتاج هنا إلى تحديد سلطة برمتها، فكل سلطة تخرج من دائرة الضمير الحر، والديمقراطية اللازمة، تدخل معنا هنا. وأيا منا يدرك للوهلة الأولى، أن ما نقصد به من مصطلح الشعوب، هو كل فصول السنة.

لقد ولت تلك السنون الغابرة، التي كان الناس فيها، ينسبون المجد لشخصيات بعينها. وابتداء منذ عهد بعيد عصر للشعوب. لكن ما هو كائن في أمتنا التي ترفض ذلك، جملة وتفصيلا، مغاير لذلك. إذ لاتزال بداخلنا، رواسب من عبارة سكنت معنا لقرون عدة، هي: «للخلف در»، نؤديها بحركات عسكرية بروتوكولية، مُعصبين الأعين، مكممين الأفواه، واضعين أيدينا على آذاننا، سامحين لفتحة ضيقة من الأذن، تسمع صوت أوحدي مطلق. صوت يخرج من أحد أصناف السلطة، الخارجة عن الدائرة أعلىتوظف المنظومات السلطوية - على اختلاف توجهاتها - في أمتنا، كل فصول السنة كجسر يوصلها إلى إشباع الجشع المشتعل داخلها، وقوده الأزهار، والأوراق اليابسة، المطر، والثمار اليانعة. فتصدر أحكاما، وتقيم قرارات. تتربع عروشا، ومنابر. تصفر جيوبا، وتصلب أحلاما. تتصدر المنظومات السلطوية هذه، سلطتان، هما التزمت الفكري، والاستبداد السياسي. وهما ذاتهما من دفعتا أبو خليل القباني، مع مجموعة من الممثلين والفنانين، إلى الهجرة من موطنه سورية إلى مصر؛ بعد أن أُحرق مسرحه. والقائمة ممتدة في هذا الشأن.

الغريب في الأمر، أن أمتنا تحتضن كل أشكال السلطة الجشعة بوعي، وأضع خطين تحت الكلمة الأخيرة. لذلك حين تقوم السلطة موضع حديثنا، بغرس أنيابها الشرسة، في تفاصيل وأغوار حياة الكثير، فيُرى الدم المسال، مرجانا. حينها يحضر وجه الموت، و يجرفنا في زحامه، على رغم بقائنا على سطح الكوكب البائس المجنون. عبارة أخيرة، تختزل جوهر كل السطور السابقة، عبارة لنا جميعا: بحق من يملك البيوت كلها، ولا يسكن أيا منها (لنعي أن التاريخ يوثق منذ بدئه، عمرا لكل منظومة سلطوية جشعة. ومسمياتها لا يجهلها الجميع، ولكن يتجاهلها الكثير).

رباب أحمد - طالبة إعلام

العدد 1856 - الجمعة 05 أكتوبر 2007م الموافق 23 رمضان 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً