العدد 2273 - الثلثاء 25 نوفمبر 2008م الموافق 26 ذي القعدة 1429هـ

الشراكة في الشرق الأوسط، ومع الشرق الأوسط

إن ما أثار اهتمام بريطانيا بهذه المنطقة في القرن الثامن عشر كان التجارة والحاجة لحماية مياه الخليج. لكن ذلك سرعان ما تبعه حتما الانخراط السياسي، حيث إن أمن البحر كان يتطلب تحقيق الاستقرار على البر. وما بدأ بعدد محدود من الاتفاقات الثنائية في مطلع القرن التاسع عشر أدى لأن تصبح بريطانيا قوة خارجية مسيطرة هنا في نهاية الحرب العالمية الأولى.

ديفيد ميليباند *

إنني مدرك تماما أن تاريخنا الاستعماري، وفق معايير اليوم، ليس تاريخ تحرير أو حرية، وليس تاريخ تنمية اجتماعية واقتصادية سريعة، وليس تاريخ شراكة. ليس باستطاعتنا أن نعكس دوران عقارب الزمن ونتمنى لو أنه لم يكن لنا دور في الانتداب في فلسطين أو توابع ذلك الدور. ويوجد هنا في الخليج من شعروا بأننا نتخلى عنهم عندما أعلنا، في العام 1968، عن عزمنا على الانسحاب من معاهدات الحماية الموقعة مع دول الخليج.

وعلى الرغم من حسن نوايانا في العراق، والتقدم الذي تم إحرازه في الوقت الراهن، من الواضح أن هناك أخطاء كبيرة قد ارتكبت.

لكن هناك طبعا قصة إيجابية علينا ألا ننساها. أزمة البريمي في العام 1955/ 1956؛ وجهود القوات البريطانية للدفاع عن سلطنة عمان في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وقد ساعدنا، إلى جانب قوات من الدول العربية، في صد تهديد غزو عراقي للكويت العام 1961، وساهمنا لاحقا في تحريرها العام 1991. وفي العام 1970 أقنعنا إيران بالتخلي عن ادعائها بتبعية جزيرة البحرين لها. كما ساعدنا في بقاء الطرق التجارية في منطقة الخليج مفتوحة عندما هددت الحرب الإيرانية - العراقية خطوط الملاحة الدولية في نهاية ثمانينيات القرن العشرين.

الاقتصاد العالمي

علينا اليوم ألا نكرر أخطاء الولايات المتحدة التي ارتكبتها في ثلاثينيات القرن الماضي عندما أدى قانون التعرِفة الذي وضعه سموت هولي - والذي لم يخضع لدراسة كافية - إلى رفع نسبة التعرِفة على آلاف البضائع والسلع الأميركية، وأدى إلى الانحدار في دوامة الشحاذة من الآخرين، وشهد تراجع التجارة العالمية بمعدل 60 في المئة. يجب أن نقاوم فرض الحماية الجمركية بجميع أشكالها. لهذا السبب من الضروري جدا أن نتعاون مع بعضنا بعضا، وبشكل عاجل، لأجل كسر حالة الخلاف المستحكم الذي برز خلال جولة محادثات التجارة العالمية في الدوحة؛ ولهذا السبب كان قادة مجموعة الدول العشرين على حق خلال القمة التي حضروها مؤخرا في واشنطن عندما كلفوا وزراء التجارة بالمضي في تسويته.

ولهذا السبب أيضا علينا ضمان الانفتاح أمام الاستثمارات. فالاستثمارات المتدفقة من أبوظبي ومن منطقة الخليج تمثل جزءا من الحل للأزمة المالية، إذ إنها تجلب رؤوس أموال واستقرار هناك أمسّ الحاجة إليهم. علينا أن نضمن بأن يستمر العالم بالترحيب باستثماراتكم، ليس في أوقات الأزمات فحسب، بل كذلك في الأوقات التي يسودها الاستقرار.

عملية السلام في الشرق الأوسط

في الأسبوع الماضي انتقلت في جولتي بالمنطقة من القدس إلى رام الله إلى دمشق ومنها إلى بيروت. كلنا يعلم أن مشكلات المنطقة مرتبطة ببعضها بعضا. واستنتاجي هو أن السلام الوحيد سيكون سلاما شاملا: سلام تكون دولة فلسطينية مستقلة في صميمه، لكن يدعمها سلام أوسع بين «إسرائيل» وسائر دول العالم العربي.

بمعنى آخر، تسوية تضم 23 دولة - 22 دولة عضو في جامعة الدول العربية إلى جانب «إسرائيل».

إنني على قناعة أن مثل هذا السلام هو أفضل أمل لنا، إن لم يكن أملنا الوحيد. ذلك لأن القيادة الفلسطينية بحاجة لدعم الدول العربية لأجل أن تتوصل إلى اتفاق وتنفذه. ولأن فقط من خلال عملية يتوصل للاتفاق عليها العرب تصبح المصالحة الفلسطينية ممكنة. ذلك لأن باستطاعة الدول العربية إضعاف قوة الجماعات التي تسعى لتدمير العملية السلمية؛ ولأن الفلسطينيين وحدهم ليس لديهم بكل بساطة ما يكفي ليقدموه لـ «إسرائيل» لأجل التوصل إلى اتفاق. فالجائزة الحقيقية، بل الوحيدة، بالنسبة إلى «إسرائيل» هي إحساسها بأن أمنها في المنطقة مضمون...

إنني أعتقد بأنه آن الأوان للبناء على هذه المبادرة وضمان أن يكون القادة العرب جزءا من المشاركين الإيجابيين في عملية سلام متجددة وشاملة، أن يكونوا مشاركين فاعلين لديهم مصالح وعليهم مسئوليات، لا ليكونوا بديلين عن المتفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكن كذلك لا ليقفوا متفرجين مكتوفي الأيدي. إن تلك جدلية أطرحها ليس فقط أمامكم في العالم العربي، بل كذلك أمام جميع شركاء بريطانيا الدوليين.

إن عام 2009 هو فرصة مهمة جدا. لأنه من الواضح أن جهود المجتمع الدولي غير قادرة على تحقيق النجاح؛ فالأوضاع على أرض الواقع في تدهور.

في «إسرائيل» تتحدث كبار الشخصيات الإسرائيلية الآن - ابتداء من الرئيس بيريز ونازلا - عن مبادرة السلام العربية: ليس فقط كاتفاق مفصَّل إما يؤخذ به أو لا، بل كمفهوم الأرض مقابل الأمن الذي يمكن فقط للتطبيع أن يبدأ بتحقيقه؛ وأشار الرئيس الأميركي المنتخب، باراك أوباما، إلى أنه يتفهم التحديات. ومن ثم سيفعل القادة العرب خيرا إن أبدوا له بأن مبادرة السلام العربية مازالت مطروحة؛ وبأن هذه المبادرة تدعو بكل فعالية لتقديم عرض يقابلها من طرف «إسرائيل»؛ وبأن هناك سبيل واضح أمام كلا الطرفين للسلام والتطبيع. وهناك حاجة لحضور أوروبا لتقديم الدعم، وإني أعتقد بأنها ستكون حاضرة.

إيران

إن امتلاك إيران للأسلحة النووية سيكون ضربة قاضية ضد الساعين للترويج للحلول البراغماتية والسلمية لمشكلات المنطقة. وسباق التسلح النووي الذي سينجم عن ذلك سيكون خطيرا للغاية. وامتلاك الأسلحة النووية سيُقوِّي مكانة طهران في المنطقة، ويعزز محاولاتها لإيقاد الفرقة ونشر حالة عدم الاستقرار بثقة أكبر...

إننا حريصون على العمل مع دول الخليج بشأن هذا الموضوع كذلك. حيث إنكم تعرضون حوافز جادة للتعاون الاقتصادي - من حيث إقامة روابط تجارية أقوى مع إيران أو وضع ترتيبات تفضيلية للتجارة معها - لو أنها التزمت بالتعاون. كما يمكنكم اتخاذ تدابير أخرى أكثر تقييدا تكون في جزء منها قيود مالية، ولكنها تتضمن كذلك على سبيل المثال منع عمليات التهريب أو تضييق ضوابط تصدير البضائع التي يمكن أن تكون مساندة للأسلحة النووية. وهناك الكثير مما يمكن للدول العربية القيام به لدحض مزاعم طهران بأن سعيها لتحقيق سيطرة أكبر في المنطقة وبرنامجها النووي يحظيان بتأييد ضمني في جميع أنحاء المنطقة. والعام 2009 هو العام الذي يتعين علينا خلاله أن نتعاون مع بعضنا بعضا بشأن هذه القضايا.

* وزير خارجية بريطانيا

العدد 2273 - الثلثاء 25 نوفمبر 2008م الموافق 26 ذي القعدة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً