العدد 1936 - الإثنين 24 ديسمبر 2007م الموافق 14 ذي الحجة 1428هـ

أحلام البسطاء تتوه بين دهاليز منزل يتشارك أهله الحياة مع الحشرات

حينما يكون الصمت سيد الموقف

البحرين لا تحمل على رقعتها الجغرافية جبالا، غير أنها تحمل على رقعتها الاجتماعية جبالا راسيات من قصص الفقر، الذي لم ينل من وطنية أصحابه وولائهم لهذا التراب العربي المسلم، وتحدوا الصعاب حبا فيه، ولم يتمنوا أبدا أن يعيشوا خارجه ليكونوا في حال أفضل. هؤلاء هم فقراء الوطن الذين «تحسبهم أغنياء من التعفف»، فهم أغنياء بعزتهم ووطنيتهم وتضحياتهم كل يوم وهم يتحدون الحرمان من أجل البقاء على أرض وطنهم البحرين.

أولئك المعدمون الذين يعيشون في مقابر تسمى بـ «منازل»، وبعض الأحيان بـ «فلل» كما يُدون ذلك في البطاقة الشخصية، هم يعيشون على أرض «نفطية» كما تصفها التقارير الاقتصادية العالمية، وطالما سمع أولئك المعدمون بارتفاع أسعار النفط التي بلغت ذروتها من 18 دولارا إلى 70 دولارا قبل أن تتراجع قليلا، كما سمعوا أن الارتفاع حقق فائضا كبيرا في الموازنة العامة وصل بحسب الأرقام الرسمية للدولة في العام 2004 إلى 145 مليون دينار، وارتفع في العام 2005 إلى 382 مليون دينار. وبحسب مراقبين اقتصاديين فإن الفائض بسبب ارتفاع أسعار النفط سيكون أكثر من 400 مليون دينار. وبلغ دخل البحرين النفطي بحسب اقتصادي عربي إلى 2.2 مليار دينار غير أنهم «في عافية من ذلك كله»! لم يروا ذلك في واقعهم، كما أن فقرهم ازداد وتهالكت «فللهم» بحسب رواية الجهاز المركزي للإحصاء، أكثر مما كانت عليه من التهالك! فهي خرائب لا تقي من الحر فضلا عن البرد! نحن نتحدث عن أناس يعيشون بيننا، عن أناس يعيشون في البحرين بعد 70 عاما من اكتشاف النفط.

نعم في البحرين التي تشيد فيها عشرات المباني الضخمة، في البحرين التي يزداد فيها الغني غنى بينما يزداد الفقير فقرا.

«الوسط» تفتح هذا الملف من منطلق رسالتها الإنسانية والمبدئية والوطنية، رافعة صوتهم، علها تستطيع أن تغيِّر من حالهم التي أقل ما توصف بأنها مأسوية... غياب للحكومة، وغياب للصناديق الخيرية، وحال سببها إهمال الدولة وغياب دور الصندوق الخيري.

على أطراف جزيرة سترة، لمحنا ذلك المنزل الذي يبدو أنه يصارع الزمن، فخمسون سنة كافية لأن يتهاوى بين لحظة وأخرى على أصحابه على رغم محاولاتهم اليائسة لترميمه، بيد أنه أبى إلا أن يكون مأوى لهم من لهيب الشمس وليالي شتاء لا ترحم أطراف شاب وطفل وعجوز مشلول. لن تجد حرجا في طرق باب فتح مصراعيه لزائريه، ونوافذ لم تبخل هي الأخرى بذلك، لتقودك إلى دهاليز تعجز عن المشي فيها، وأوسع نطاق يمكن أن تجول بنظرك لتراه داخل ذلك المنزل، هو فضاء سماء آثرت أن تكون غطاء له.

سكون لا تقطعه سوى أنفاس عجوز مشلول في إحدى ممرات ذلك المنزل، وأخرى لسيدة تشاركت معه مر الحياة في غرفة ضاقت بأصحابها لتتسع للحشرات التي لاذت بها لتشارك أصحابها الحياة من دون رادع... يمينا وشمالا، وبالقرب من أقدامهم، وعلى ملابسهم، في طعامهم وشرابهم، وعلى وسادتهم... حشرات مألوفة وأخرى لا عهد لنا بها سامة أم لا، إلا أن أجسادهم النحيلة قد ألفت قرصها.

من عبق هذه الأرض وأصالتها، كانت لعدسة «الوسط» يوم السبت الماضي، لقطات لذلك المنزل، رصدت خلال 30 دقيقة قضايا مجتمعية سئمت أدراج الوزارات، ولعلها سئمت أيضا طرق الآذان الصماء.

جدران شهدت قصة لا تبدو بالغربية والنادرة، بدأت بزواجها هي بذلك الرجل لتشاركه علقم الحياة وحلوها، ليمن الله عليهما بذرية حسبوها عونا لهم عند الكبر... أربعة صبيان وابنتان. كانت التجربة الأولى لابنهما الذي هجر مقاعد الدراسة وتزوج لينجب ثلاث بنات بمثابة قرصة الأذن التي أنبأتهم بأن هذا الزمن لحملة الشهادات والحياة الكريمة للمتعلمين.

رهان الشهادة الجامعية الخاسر

وعلى رغم بساطة تلك العجوز وشلل زوجها، آثرا النوم بمعدة خالية، والفرحة في كل عيد فرحة يتيمة، وقضاء الأيام سيان، مراهنين براحتهما ومقدمينها قربانا لتعليم أبنائهما، فتخرجت إحدى الابنتين من جامعة البحرين بتخصص جغرافيا، لتنظم بكل فخر إلى طابور العاطلين. والثانية أخذت طريقا آخر مخلفة الكتب والدراسة وراء ظهرها لتتزوج. في حين أغلق القطاع التعليمي في وطنهم أبوابه أمام الأخوة الثلاثة ليهجروا موطنهم سعيا وراء شهادة توقعوا وضعها في برواز بعد أربع أو خمس سنوات من الغربة، والعمل على نيلها، بعد أن اعتمدوا في تسهيل ذلك على بعض القروض وما حصده والدهم المشلول المتقاعد من سنوات خدمته الطويلة التي تجاوزت الـ 19 عاما.

سجلت عدستنا اللقطة الأولى المتمثلة في ضعف القطاع التعليمي وعدم قدرته على استيعاب أبناء الأرض، فضلا عن عجز سوق العمل عن احتواء خريجيه.

نفوس تعففت عن طلب المساعدة، ولم ترفع عينا إلا في بعض حقوقها على الدولة ومؤسساتها، حينما تعكز ذلك العجوز زوجته ومضا طارقين أبواب المجلس البلدي منذ أكثر من أربع سنوات، لتنقضي التجربة البلدية الأولى وتقبل الثانية... ومازال ذلك المنزل يراوح مكانه متحديا الزمن والحياة القاسية.

ولم تكن أبواب الصندوق الاجتماعي أكثر رحمة، ولعل زيارة وزيرة التنمية الاجتماعية فاطمة البلوشي أخيرا لدارفور لمساعدة منكوبيها أيا كان مقدار تلك المساعدة، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، لتسجل عدستنا لقطة أخرى تمثلت في غياب التواصل الاجتماعي بين الوزارة وفئة من الشارع البحريني تعجز عن إيصال صوتها.

وبالصمت ذاته نجر خطانا مخلفين المنزل بقاطنيه، ليتعايشوا مع تلك الجدران الرطبة والنوافذ المكشوفة والحشرات وفضاء سماء الله. لتنزل عدستنا دمعة على منزل، يبدو أنه عد العدة بلملمة بعض الطوب والأخشاب، لاستقبال شتاء طويل وأمطار سترسل إليه مزيدا من الزائرين بين أقدام، وعلى وسائد، وفي ملابس، وعلى طعام وشراب قاطنيه

العدد 1936 - الإثنين 24 ديسمبر 2007م الموافق 14 ذي الحجة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً