أَخيرا... وَبَعدَ مَعَارِكَ أدبيةٍ طَـاحِنة، وَبعدَ الإِستِمَاعِ لأزيزِ الأَبوابِ الوحيدَةِ فِي أَزِقَّةِ العِرَاك، قَنِعتُ وَتَخَمَّرتُ بِنشوَةِ الوصُول، فَلا شَيءَ يُعيدُ خَلقَ هَذَا الدَّمَارِ، كَأُقصُوصَة حُبٍّ تَتَأَرجَحُ بَينَ الكَلِمَات.
وَلَو عُدتَ وَقَرَأتَ الكَلِمَاتِ مَعكُوسَة، مِن الأَمَامِ أَو الخَلف، لَن تَجِدَ غيرَ الحَقيقة الثَّابتة، حَتَّى نَظَرت إِليهَا عَبرَ مَعَابِرِ القِمَّة، تبقى الحقيقَةُ شَامِخة رَاسِخَة، عَلَى رُّغمِ مُحَارَبة هذهِ الكَلِمَات مِن قِبلِ مُعسكراتِ الطَّمع، بِأَسلِحَةِ الإِقصَاء! فَالقِمَّةُ نِقمَة!
أَيُهَّا الشَّمعة... تَوَهَّـج بِالأَثِير، وَاقنَع بِالمَسير، فَالمَرءُ عِندَمَا يُخلَقُ، يَجِدُ رِزقَهُ بَينَ يَديه مُيَسَّرا... البَعضُ يَقنَعُ بِالكَفافِ وَالعِفَّة، وَأَغلَبُ الآدَمِيِّين، يُخطِئُونَ التَّقدير، ويتجَاوزونَ المَسَاحَات المُبَاحَة، مُحرِقينَ بِظِلالِهِم المُغتَصِبَةِ لِلحُقُوق، كُلَّ مَدَائِنِ الطِّيب.
أَتعلَم، لَم تَكُن مَوجُودا حِينَهَا... لَو كُنتَ لَرَأيت، كَانَ بينَ سَنَابِك خُيولِ قَسوتِهِم، يَتَقَافَزُ شَرَار التِّيه، مُعلِنَا إِحرَاقَ كُلِّ شَيء، وَكَانَ مَا أُعلِن، كُلُّ شَيءٍ دُمِّر، كُلُّ خَصبٍ أُعقِم، كُلُّ زَرعٍ أُحرِق، وَمَا الحَصيلة؟! فَكُلُّ شَيءٍ كَانَ يَحتَرِق فِي الأَسَاس، أَمَّا الجِرَاحُ فَمَا ضَمَّدُوهَا بَل أَقرحُوهَا، حَتَّى البَرَاءَةُ الصادِقة، أَحرَقَت صَفَحَاتِها النِّيران... يَا صَديقي حَتَّى الأَمَل لَم يَسلَم مِنهُم... إِذ أَحرقُوه!
غَريبٌ أمرُهُم... وَأَمرُ غَريمِهِم، فَكَيفَ مَع كُلِّ ما كَان مِن مَكَائِدِهِم، وَآثَارِ دَمَارِهِم، تَعُودُ الشُّعلَةُ لِلرُّوح، بِيقظَةِ الأَمَل، وَقُوَّةِ الحَيَاة، غَريبٌ بِالفِعلِ مَصيرُهُم... ومَا آلَ إِليهِ حَظُّ غَريمهم!
يا صديقي... أَصعَبُ مَا أَلَّمنِي وَأَنَا أَتَفَقَّدُ مُخَلَّفَات الحَريق، مَنظَرُ الصِّدقِ الَّذي احتَرَقَ وَهُوَ يُخَاطِبُ الوَجد، كَان يَهمِسُ لهُ، ولَسَعَاتُ النَّار تَمتَدُّ ليديه المُمسِكَتين بِعُنُقِه: تَحتَرِقُ الآَن... وَبعدَ أَن وَجدتُّك... وَبعدَ مَا قَدَّمت!
أَجَابَهُ الوَجدُ الكَاذِب: مَتى وَصَلت حَتَّى أَفِرَّ مِن أَذَى النِّيران؟!
يَا صديقي... وَلَو كَانت رَائِحَةُ الدُّخَان، لاتَزَالُ مُلتَصِقَة بِرِدَائِي، دَعني أُسِرُّك أَعَظَم مَا تَعَلَّمتُه: وَسَطَ الشَّتَاتِ يُولَدُ أَلفُ شَتَات، وَمَع الصَّدِّ يَتَفَرَّعُ الهَجر، وَلاَ فَاقَةَ فِي حَجمِ الحَاجَةِ لِلحُب!
«هَذا هُوَ حَديثُ الحُبِّ الَّذي شِئتُ تَدوينَهُ قَبلَ الرَّحيل، هَا أَنَذَا أَمُوت!».
باقر درويش
العدد 1961 - الجمعة 18 يناير 2008م الموافق 09 محرم 1429هـ