حينما توأد الذات الإنسانية، وتحد طاقاتها وأهدافها السامية بالقمع وقبضة من حديد، بتسلط قوى البغي والاضطهاد فتنتهك الحقوق وتدنس الأعراض وتنتهك حقوق الأمة بتفشي الظلم والفساد، حينها تصطرخ الكرامة المقيدة، تنهض لتعتلي عرش المقاومة، وتلوح في آفاقها شعارات كربلاء، فتتفجر من فيها صيحات الغضب «حسينيون إنا، بسناه فطرنا».
أو يحسبن امرؤ أن حسينا أفل نجمه وغابت طلائعه، كلا، فإشراقة قبسات دمه الثائر تجلجل كل حين، تلتهب في ضمير الإنسانية، تحمحم غادية رائحة، تجدف خمائلها القانية بساحات المستضعفين... بملحمة المظلومين.
أتراها تخمد ثورته المدوية، وتندثر أعلامها وتطفأ شعلها، فحسين عقلته الأجيال الحرة، تطوفه دماؤها الأبية وتقصده مهجها السرمدية، لا تفتا صرخته الأزلية تدوي «هيهات منا الذلة»، تتغلغل بجذورهم وأعماقهم، تلتحم أوداجها وان فريت بمعقله، وترتوي سنابلها بسلسبيله العلوي وانمله الشهباء، مشرئبة أعناقها ترنو العلا، لا تخنع... أبو الأحرار باسمك انتفض العلم وتزلزلت بهديرك هيمنة الطغاة، تسعر مخمصتك الدامية بجحافل الثوار الأبرار التي تقمصت لوائك واستسقت شرف دماءك، فسندسك منعطفهم، وسوسنك مآلهم.
أبا عبدالله يا منارا أجج بالجلال وتوج بإكليل القداسة، ازدانت بكمالك الشهادة، وتخضرمت ببيانك شعلتها واستوت بمعلمك قوامها، بك ارتقت وتوسمت فارتسمت على محياها خطى الخلود، واتقدت براعمها بشتلات ربيعك.
أيا معينا طاب واردوه، واستلهم استماته مريدوه، لا يبزغن فجر الهدى إلا بمطلعك، لا ترتقي سلالم القمم إلا بمنبرك، تبتلت آيات منحرك أرجوزة العطاء اللامتناهي، فعقرت دابر الظلال، فكشفت شنارهم.
شمرّت عن شلال دمك الهادر فأضحى زمزمك المتلاطم غدران الميتمين، وقفت شامخا تصادع الخطوب وجل الرزايا، تنشد لقيا المعشوق الذي طالما خالط هواه فؤادك، تناجيه بلهفة الحنين، فتتساقط درر اللوعة دموعا داعبت وجنتيك الزاهرتين في آناء ليلك وأطراف نهارك «إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى».
استأنست بالموت استئناس الطفل لمحالب أمه، أبيت الخنوع، أقسمت أن لا تحيا إلا حرا، بل الحرية استمدت عنوافك وتباهت بأنك خليلها ومرامها... أبا الحتوف... أبا الأحرار... أبا الثوار... كفتك الراجمة وصفقتك الرابحة برواقك تحط الرحال، ويغرس عرس الشهادة في راحتيك!
نهاية الحواج
العدد 1961 - الجمعة 18 يناير 2008م الموافق 09 محرم 1429هـ