الصورة هنا، ليست مجرد انعكاس لمشهد على عدسة! بل مجموعة الصور هاهنا، تقول الحقيقة، فهي تتحدى استراتيجية مكافحة الفقر والعوز والحاجة، وعلى استعداد تام لأن تبرز أمام الرأي العام لتقول الصدق... ولا شيء غير الصدق... الحق ولا شيء غير الحق.. هذه هي الصورة الصور... التي مهما اتهمناها أو اتهمتنا أو اتهمونا بتهمة «التأجيج» والإساءة الى الدولة، فإن الصورة لا تكذب... فكما الجوع كافر، كما نقول في الأمثال الشعبية... فإن الخوف كافر... والمرض كافر... وإخفاء الحقائق ضرب من ذلك الكفر!
والدولة اليوم مطالبة بالتوجه الجاد لمكافحة الفقر، سواء من خلال استراتيجية عمل واضحة، كتلك التي تحدثت عنها كثيرا وزيرة التنمية الاجتماعية فاطمة البلوشي، أو ما أصدره مجلس الوزراء على مدى السنوات الماضية من مطالبة بمواجهة الفقر وتحسن معيشة المواطنين، لكن في الأمر خطر بالغ داهم... ألا وهو الترهل وعدم الجدية، لا من المؤسسة التشريعية ولا من الدولة ولا من القطاع الاجتماعي والخيري ذاته؟
كيف؟
والإجابة تطول... ولابد من الإشارة، إلى أن «الوسط» توجهت الى عدد من المسئولين بسؤال واحد فقط: «هل الدولة جادة في مكافحة الفقر أم لا؟»، لكن حتى الآن، لم ترد الإجابات؟
مجلس الشورى في 2004!
عموما، لن نذهب بعيدا، وسنعود الى يوم 21 سبتمبر/ أيلول 2004... لعل عددا من أعضاء مجلس الشورى، السابقين واللاحقين، يتذكرون ذلك اليوم... في ذلك اليوم، أعلن عدد من الأعضاء تبني اقتراح بقانون لتحديد خط الفقر في المملكة، وذلك كنقطة انطلاق لمشروع شامل يتبناه المجلس الوطني لوضع استراتيجية شاملة لمكافحة الفقر في المملكة وترجمة توجيهات القيادة في تقنين مكافحة الفقر في المملكة ووضع استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر تعتمد على تحديد خط الفقر الأدنى بنحو 633 دينارا شهريّا للأسر.
ذلك المشروع الذي تبناه الأعضاء فيصل فولاذ، فخرية ديري، محمد حسن باقر وفؤاد الحاجي اعتبر نواة قوية لضمان التوزيع الأمثل العادل للثروة الوطنية وتقوية شبكة الأمان الاجتماعي والانضمام إلى العهدين الدوليين بضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية للمواطنين، فضلا عن رفع مستوى الخدمات الاسكانية والتعليمية والصحية. لكن، أين هي بشائر ذلك المشروع؟.
أليست الصور المرفقة هنا للفقر والعوز، وأخرى كثيرة، كفيلة بأن تجعل من تلك الإستراتيجية أكبر هدف تسعى اليه الحكومة، وخصوصا أن هناك دعوات مستمرة من جانب 3 أطراف، هم: القيادة، الحكومة والمؤسسة التشريعية لتوفير الحياة الكريمة للأسر البحرينية الفقيرة وزيادة مداخيلها وأجورها وحمايتها من الكوارث والأمراض... فلماذا حتى الآن لم يتم تطبيق هذه الأفكار؟.
رهان «المساعدات» الخاسر
يؤكد مصدر رفيع المستوى في الحكومة أن مشكلة الفقر قائمة فعلا في البلاد ولا يمكن إنكارها، وكم تمنينا لو كانت الحكومة دعمت الاتجاه لتشكيل مجلس البحرين الاجتماعي الذي كان مقترحا قبل عدة سنوات إذ سيعمل على استقطاع نسبة 50 سنتا أميركيّا من عائدات النفط من مجمل انتاج المملكة وتخصيص تلك الموازنة لمساعدة الأسر المحتاجة.
- لكنكم حتى الآن تتحدثون عن المساعدة ثم المساعدة ثم المساعدة... الأسر الفقيرة اليوم لا تريد أن تقع أسيرة المساعدات... تريد أفكارا تسهم في تطوير حياتها ولا تبقيها متسولة طيلة حياتها؟
- هذا صحيح، لذلك، سعت الدولة الى التعاون مع الكثير من المنظمات الدولية لصياغة برامج مكافحة الفقر وكان آخرها، كما أعلن، اتفاقية التعاون بين وزارة التنمية الاجتماعية والبنك الدولي لتنفيذ مشروع دعم شبكة «الأمان الاجتماعي» لانتشال الأسر البحرينية المعوزة من الفقر وتم اختيار 100 أسرة من بين 10 آلاف هي العدد الكلي الذي يحصل على مساعدات من الدولة، ومن مختلف المحافظات لتدريبها ضمن البرنامج في برامج الإنتاج المفضي الى الإندماج في المجتمع وزيادة الدخل المادي.
هل ستدعم الدولة «إنماء»؟
إذا كانت لدى الدولة برامج حديثة لمواجهة الفقر، فكيف يتم تسجيل عشرات الحالات شهريّا... والآلاف سنويّا من بين الأسر التي سقطت تحت خط الفقر والحاجة؟ هل لعدد سكان البحرين الذي زاد على المليون بقليل تأثير مباشر أم لا؟. وما هي الحلول العلمية للظاهرة الخطيرة؟. وهل ستدعم الدولة الفريق الوطني لتنمية الأسر المحتاجة (إنماء) أم سيبقى الدعم رهين تصريحات وزارة التنمية الاجتماعية؟
يرى الكثير من العاملين في القطاع الخيري والتطوعي، أن وزيرة التنمية الاجتماعية فاطمة البلوشي لم تهمل قطاع الأسر المحتاجة، بل ربما كانت هي الفترة الأقوى لعهد الوزارة اهتماما بالفقراء والمحتاجين، ولعل تهيئة البيئة القانونية لبرامج المساعدات عبر صدور قانون الضمان الاجتماعي وبدء تطبيقه اعتبارا من يناير/ كانون الثاني من العام الماضي 2007 يعتبر خطوة مهمة، إذ تم صرف مبالغ المساعدات الاجتماعية بأثر رجعي اعتبارا من سبتمبر/ أيلول من العام 2006 واستفادت منها الفئات التي ليست لها مصدر دخل كافٍ تعتمد عليه في معيشتها والمحددة في القانون.
علمني الصيد... سياسة التأهيل!
تم اعتماد موازنة تبلغ 20 مليون دينار في السنه الأولى كنواة لتأسيس صندوق الضمان الاجتماعي الشامل، منها مبلغ 8,4 ملايين دينار لصالح الضمان الاجتماعي خاصة بالمساعدات للفئات كافة، لكن المطلوب كما يرى العاملون في القطاع الخيري، ومنهم مشرف المساعدات الاجتماعية بصندوق البلاد القديم والزنج والصالحية وعذاري الخيري سلمان الخال أن تطبيق سياسة التأهيل انطلاقا من المثل الشهير «بدلا من أن تطعمني سمكا... علمني الصيد» هو المطلوب في هذه المرحلة، بحيث يتم اخراج الأسر من دائرة الحصول على المساعدات الى دائرة الإنتاج وايجاد مصادر الدخل.
وبحسب قول المسئولين في وزارة التنمية الاجتماعية، فإن الفريق الوطني لتنمية الأسر المحتاجة الذي دشن مبادرة إنماء، كان حريصا على تحويل الأسر من متلقية للمساعدات الى منتجة، ومنها مشروع المنزل المنتج، الذي يمكن اعتباره نسخة جديدة من برنامج الأسر المنتجة.
ولعل وزيرة التنمية الاجتماعية فاطمة البلوشي أوضحت في كلمتها السنوية في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي 2007 أن البحرين تولي هذه القضية اهتماما خاصّا... وقد تقدمت الوزارة لمجلس الوزراء بخطة وطنية لتنمية الأسر المحتاجة صدر في ضوئها في أغسطس / آب من العام 2005 قرار بتشكيل فريق العمل الوطني برئاسة وزيرة التنمية الاجتماعية، يضم في عضويته ممثلين عن جميع الجهات الحكومية والأهلية ذات العلاقة والجامعات ومراكز البحث العلمي لمدة 3 سنوات، ويتولى مسئولية البدء في إعداد وتنفيذ خطة وطنية لتنمية الأسر المحتاجة والاستفادة من الخبرات والمنظمات الدولية.
خطة محكمة تتطلب دعم الدولة
طبقا لبيانات إحصائية لدراسة قامت بها مؤسسة «ماكنزي» فإن 48 في المئة من السكان يحصلون على أقل من 200 دينار، أي ما يعادل 500 دولار شهريّا، مضافا الى ذلك تقرير الألفية الذي أشار الى أن هناك ما يقارب 11 في المئة من الأسر واقعة أسفل خط الفقر المطلق، وهذا يعني أن تلك الأسر تحصل على دخل شهري يقدر بحوالي 155 دولارا، ولهذا لا يجد الناشطون في العمل الخيري، ومنهم رئيس صندوق مدينة حمد الخيري يوسف المحميد بدّا من الإشارة الى أن الجهود التي تبذلها الدولة، ليست كافية فقط على مستوى إصدار برامج العمل وصياغاتها، بل تتطلب تحولا مباشرا الى العمل الميداني، وأن هناك الكثير من البرامج القابلة للتنفيذ لتحويل الأسر من حاصلة على مساعدات الى منتجة وقادرة على تحصيل دخلها ومصدر رزقها، لكن ذلك يتطلب العمل وفقا لخطة محكمة مدعومة من الدولة.
وأشار الى أن الدولة تنظر الى هذا الموضوع بنظرة جادة، وخصوصا أن المادة الخامسة من الدستور حددت كفالة الدولة للضمان الاجتماعي اللازم للمواطنين في حالات محددة بعينها وهي الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أواليتم أو الترمل أو البطالة، كما تؤمن لهم خدمات التأمين الاجتماعي والرعاية الصحية، وتعمل على وقايتهم من براثن الجهل والخوف والفاقة. وعليه تسعى الاستراتيجية الوطنية الى محاصرة الفقر ومعالجة مسبباته بل وضع صمام أمن اجتماعي.
وبعد، فإن النظر الى مسألة الفقر في إطارها الشامل من خلال دراسة الأسباب الحقيقية وراء الفقر ووضع الاستراتيجيات اللازمة لحلها هو المطلوب اليوم، وتأتي في مقدمة ذلك مسألة القضاء على البطالة باعتبارها العنصر الأول في مسألة الفقر إذ تبنت المملكة عدة مشروعات استراتيجية ورائدة للقضاء على البطالة منها المشروع الوطني للتوظيف ومشروع التأمين ضد التعطل فضلا عن الكثير من مشروعات التدريب التي تهدف الى تطوير أداء الخريجيين البحرينيين بما يؤهلهم لدخول سوق العمل، بالإضافة الى زيادة رواتب وأجور الموظفين في القطاع العام بما يتماشى مع الزيادات المتتالية في الأسعار بما يساعد المواطنين على مواجهة غلاء المعيشة الى جانب تبني برنامج لدعم شركات القطاع الخاص ماليّا ومعنويّا لكي تقوم هي الأخرى برفع رواتب وأجور موظفيها
العدد 1995 - الخميس 21 فبراير 2008م الموافق 13 صفر 1429هـ