العدد 2009 - الخميس 06 مارس 2008م الموافق 27 صفر 1429هـ

جدوى المعاهدات الدولية وانعكاسها على حياة الإنسان

بمناسبة قرب عرض تقرير حقوق الإنسان في البحرين، وبمناسبة توقيع البحرين لعدد من المعاهدات ذات الصلة بحقوق الإنسان وغيرها، ربما يتساءل عامة الناس عن جدوى هذه المعاهدات وعن مدى انعكاسها عن حياة الإنسان من حيث الواقع؟ وفي الحقيقة فإن هذا السؤال في محله والإجابة عليه متشعبة نوعا ما... غير أن من المفيد جدا التعرض للإجابة والصبر على قراءة الإجابة الطويلة نسبيا، إذ إن هذا الموضوع بالغ الأهمية، وخصوصا أن هناك اتجاها متناميا يتجه نحو اعتبار الأمم المتحدة (دولة فوق الدول) أي أن لها الكلمة العليا على جميع الدول... ومع ذلك فسأحاول الاختصار ما أمكن...

- من حيث المبدأ وكأصل عام، فإن القوانين الوطنية تسمو على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، أي أن لها الأولوية في مجال التطبيق، ولذلك فإن على الدول التي تبرم معاهدات أو اتفاقيات دولية أن تقوم بتعديل قوانينها لتتناسب مع ما تم توقيعه في تلك الاتفاقيات والمعاهدات، وما لم تقم تلك الدول بالتعديل فإن المعاهدات والاتفاقيات لا تجد طريقها للتطبيق، وكمثال على ذلك محاكمة أحد الناشطين الحقوقيين في البحرين لما دفع أمام القضاء - بمخالفة المواد التي يحاكم بمقتضاها - لحقوق الإنسان فأجابه القاضي بأنه يحاكمه بموجب تلك المواد القانونية لأنها سارية المفعول.

- في حال وجود مادة في دستور الدولة تنص على أن المعاهدات والاتفاقيات الدولية تسمو على الدستور أو على القوانين الوطنية فإنه في هذه الحال - وهي تعتبر حالة استثنائية - يتم العمل بمقتضى تلك الاتفاقيات والمعاهدات بمجرد التصديق عليها ما لم تنص على تاريخ معين لبدء العمل بها، فينتظر إلى ذلك التاريخ لتطبيقها... وكل ما يلزم هو أن يبرز أي طرف في الدعوي ما يثبت توقيع الدولة تلك الاتفاقية أو المعاهدة ليعتبرها القاضي سندا في الدعوى يلغي حجية كل سند يخالفه.

- إذا قامت الدولة بإصدار تشريع يتوافق مع ما وقعته من اتفاقيات لكنه يخالف نصا دستوريا، وصدر التشريع مخالفا لإجراءات التعديل الدستوري، فلا تكتسب المعاهدات قوة النفاذ ويمكن الطعن فيها وفي التشريع المشار إليه أمام المحكمة الدستورية كما يمكن للقاضي عدم تنفيذه من تلقاء نفسه.

- إذا وقعت الدولة معاهدة أو اتفاقية وكان القانون يتطلب التصديق عليها من قبل جهة معينة - وعادة تكون السلطة التشريعية - فإن تلك المعاهدة أو الاتفاقية لا تكتسب قوة النفاذ إلا بعد التصديق عليها من قبل الجهة المختصة... وأحيانا بل كثيرا ما يكون الفارق الزمني بين التوقيع والتصديق كبيرا.

- يمثل شرط التصديق ضمانة كبيرة وقوية لحفظ حقوق الدولة ومواطنيها، لأنه يتيح وقتا للتروي ويعطي مجالا لإعادة النظر ويمثل مخرجا وحلا لما قد تقع فيه الحكومة من إحراج أو استعجال، كما يكرس حال الشراكة الوطنية لأن التصديق يصدر عن ممثلي الشعب.

- أن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لها قيمة قانونية دوليا ولها حجية، فإن الدولة التي لا تطبق ما وقعت وصدقت عليه فإنه يمكن محاسبتها دوليا كما يمكن فرض عقوبات عليها تتناسب ووضعها كدولة، فيمكن فرض الغرامات عليها أو حجب بعض الامتيازات عنها كما يمكن مقاضاتها أمام محكمة العدل الدولية.

- بالنسبية إلى مدى حجية تلك المعاهدات والاتفاقيات الدولية فإن حجيتها تنحصر بين الأطراف الموقعة، لكن لو أودعت نسخة منها لدى الأمم المتحدة فإن الإيداع يعطيها حجة في مواجهة جميع الدول، فالأمم المتحدة بالنسبة إلى الدول تكون بمثابة جهاز التسجيل والشهر بالنسبة إلى الأفراد.

- بالنسبة إلى المفاضلة بين الأسلوبين وهما (1) النص في دستور الدولة على أن ما توقعه الدولة يكون أسمى من القوانين الوطنية ويسري فور التصديق عليه و (2) وجوب عرض أية اتفاقية أو معاهدة أمام السلطة التشريعية لفحصها والتأكد من ملائمتها دستوريا واجتماعيا وأنها تمثل ما يتطلع الشعب إليه... نرى أن الأسلوب الثاني هو الأفضل لأن عنصر الضمان فيه أقوى.

- وهناك مشكلة، وهي أن بعض الحكومات تسعى للالتفاف على الجهة المختصة بالتصديق فتحيل المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية التي تخشى عدم التصديق عليها إلى جهة أخرى كأن تكتفي بتوقيع رأس الدولة أو لجنة خاصة أو تدعي أن بنود الاتفاقية سرية ليس من مصلحة الدولة كشفها أمام النواب، وهكذا تصدق على الاتفاقية جهة غير الجهة المخولة دستوريا بالتصديق عليها أو تمرر الاتفاقية ويصدق عليها من دون فحصها، أي يوافق النواب عليها من دون الاطلاع عليها، أو قد يسمح لهم بالاطلاع الجزئي ، كما انهم قد يلزمون بالبت في مصيرها خلال مدة قصيرة جدا بحيث لا يتمكنون من فحصها كما ينبغي، وكمثال على ذلك نرى الاتفاقيات الاقتصادية التي قد تحيلها حكومة البحرين إلى مجلس النواب بصفة الاستعجال، إذ لابد للنواب أن يبتوا فيها خلال خمسة عشر يوما مع العلم أن الموضوعات الاقتصادية دقيقة وتحتاج إلى فحص دقيق، ومع العلم أن جدول مجلس النواب لا يخلو من الموضوعات.

والخلاصة التي نتوصل إليها هي وجوب أن يصدر تشريع بحريني واضح ويحدد آلية التعاطي مع المعاهدات الدولية والمدة التي لابد من عرضها للتصديق خلالها، وينص على عدم استثناء أية معاهدة من العرض على مجلس النواب، وعدم حجب أي من بنودها عنهم، والمدى الزمني لتطبيقها.

الشيخ عبدالهادي خمدن

ليسانس في الحقوق والعلوم السياسية

العدد 2009 - الخميس 06 مارس 2008م الموافق 27 صفر 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 3:19 ص

      شكر

      مقالة رائعة أشكر كاتبها من كل قلبي ، واتمنى ان يكتب لنا كتابا في القانون الدولي بنفس الأسلوب السهل الممتنع بدلا من الذي ندرسه الآن في كلية الحقوق...

اقرأ ايضاً