العدد 2009 - الخميس 06 مارس 2008م الموافق 27 صفر 1429هـ

الاختلافات... بين الحقيقة والمصالح الشخصية!

طوال حياتنا مرت علينا حوادث كثيرة يندى لها جبين الإنسانية، وعلى رغم شدتها وقسوتها على الإنسانية، تجد أناسا يصفقون لها ويدعون من يمارسها للمزيد، وأناسا ينددون بفاعليها ويطلبون الاقتصاص منهم. كنا نقول في أنفسنا، لماذا يجد أناس في ذلك الفعل جرما كبيرا في حق الإنسانية وآخرون يرونه إنجازا عظيما للإنسانية؟ ما المعايير التي استخدمها هؤلاء وأولئك حتى اختلفوا في تقييمها؟ هل المعايير الإنسانية تختلف من شخص إلى آخر لدرجة أن الأول يراه باطلا والآخر يراه عين الحق؟ هل الاختلاف في فهم المعايير الإنسانية يجعل بين الناس تباينا شاسعا في تقييم القضايا؟ في اعتقادنا المسألة لا ترتبط بالمعايير وإنما كل ما في الأمر يرتبط بالعصبية المذهبية أو العرقية أو القبلية أو المصالح الشخصية، فإذا ما طرحت الموضوع على الطرفين، تجد كلاهما يردد قول رسول الله (ص) «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال تأخذ فوق يديه»، فذاك الذي يندد بالعمل الذي يقترف ضد البشر يقول إن من ارتكب الجريمة ظالم والضحية هو المظلوم، فلهذا يلزم نفسه أخلاقيا بأن ينصر المظلوم ويندد بالظالم، ويعتبر سكوته عن ظلم الظالم جريمة كبرى، وقد يشرك معه إذا ما سكت عن فعل من يعتقد أنه ظالم.

والآخر يرى أن من قتل ونكل بالناس شخص عادل، والضحايا مفسدون في الأرض يستحقون كل ما يفعل بهم مادام من قام بذلك الفعل أخا له في النسب أو المذهب أو العرق، فيكون تأييده لفعل القتل والتنكيل وسلب الأموال حقا مشروعا والتعبير عن رأيه في هذه المسألة يراه من الواجبات الأخلاقية، وسكوته جريمة في حق أخيه وفي حق المجتمع والإنسانية جمعاء!

أين نجد الحقيقة في مثل هذه القضايا ؟ بكل وضوح وبساطة القبيح لا يختلف فيه أحد، والظلم قبيح عند كل العقلاء ولا يمكن لأحد أن يقول في يوم من الأيام إن الظلم حسن وجميل وممدوح. طوال التاريخ وعرضه لم نجد شاعرا يمتدح الظلم وينعته بالصفات الحميدة، ويعني ذلك أن هناك اتفاقا عند الإنسانية على قبح الظلم، أليس كذلك؟ المشكلة ليست هنا، ولكن المصيبة أن شخص يفهم أن نصرة الأخ سواء أكان ظالما أو مظلوما ليس بالمعنى الضيق والساذج وخارج الإطار الذي ذكره الرسول الأكرم (ص)، بأن النصرة تكون في الحالتين أن أقف معه ضد الآخر! ليس هكذا المسألة، الفهم الواقعي يرفض هذا المعنى جملة وتفصيلا. نقول كيف تفهم هذا المعنى؟ يقول إن فهمنا لهذه العبارة من جانبين، الأول نفهمه من أخلاق قائل هذه الكلمات، وهو الرسول الكريم (ص)، وحاشاه (ص) أن يأمر بنصرة الظالم وخذلان المظلوم وهو الذي أرسله رب العباد رحمة للعالمين، هذا حتى لو لم يبين الرسول هذا المعنى، فحسن ظننا بالإسلام يجعلنا نفكر إيجابيا في كلماته وتعاليمه، ولا نحملها ما لا تحتمل.

والثاني نفهمه من أدبيات النصرة، التي تعني أن أنصر الأخ الظالم بأن أقف في وجهه حتى أبعده عن ممارسة الظلم، والرسول الكريم أشار إلى هذا المعنى بوضوح حتى لا نأتي لنفسر الكلمات بحسب ما تمليه علينا نوازعنا النفسية. والأمر الآخر أننا ننظر إلى كل من شهد الشهادتين فهو أخ وكل من ينتمي إلى الإنسانية هو نظير في الخلق، وليست الأخوة تعني فقط كل من ينتمي إلينا مذهبيا أو عرقيا أو عشائريا، فبهذه النظرة والسلوك أستطيع القول إنني نصرت أخي في ظلمه على نفسه الأمارة بالسوء، وأما نصرته في حال أنه وقع عليه الظلم فهذه مسألة منتهية، إذ يجب نصرته حتى أبعد الظلم عنه.

أما الشخص الذي ينظر إلى تلك الكلمات بسطحية، تجده يراها غير هذا الفهم تماما، فتجده يقف مع أخيه الظالم على رغم أنه متيقن من ظلمه، بل عارف أنه ينصره في ظلمه، عوندما تسأله لماذا تناصر الظلم، يرد عليك قائلا: أنا مأمور بأن أن أنصر أخي ظالما أو مظلوما! لماذا تناصره وأنت تعرف أن فعله ظالم؟ يقول لك: أتريدونني أن أقف في وجه من ينتمي إلى طائفتي ومذهبي أو قبيلتي أو عشيرتي أو عرقي لضعفه وأقوي بذلك من ظلمه؟!

هذه مقاييس عصبية وليست عقلانية، والمعايير العصبية يمقتها الإسلام الحنيف ومن المستحيل أن يدعو إليها في كل الأحوال والظروف، فالمشرع يأمرنا بأن نقول للباطل باطلا أينما وجد، وللحق حق في أية بقعة وجد، فإذا ما حاول الإنسان قلب الموازين، فإنه بذلك يسهم بشكل مباشر في هلاك المجتمعات الإنسانية وتفشي أخلاقيات الفساد الذي ينهش في جسد كل جميل.

سلمان سالم

العدد 2009 - الخميس 06 مارس 2008م الموافق 27 صفر 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً