هي ثلاث قصص تتشابه فيما بينها بالقدر نفسه الذي تختلف فيه، وهي حكاية واحدة لثلاث شخصيات، تعيش جميعها في أوساط اجتماعية متباينة، لكنك مع ذلك لا تملك إلا الإقرار بأن نقاط التلاقي بين هذه الشخصيات، التي قد تكون لم تلتق مع بعضها بعضا على أرض الواقع، نقاط التلاقي بينها كثيرة، بل أنك قد تجزم عند بعض التفاصيل بأن الحديث لا يتناول ثلاثة أشخاص وإنما شخصية واحدة.
النظرة إلى الإنسان المنغولي تتّسم دائما بالشفقة، فهو من نظرة مجتمعية إنسان فاقد للقدرة على الإدراك، فاقد للطموح، فاقد للهوايات، هو إنسان يعيش وكفى!
ماذا نعرف نحن عن هؤلاء؟ سؤال بسيط أجاب عنه مخرجان مصريان شابان قاما بإخراج فيلمين تسجيليين تطرقا فيهما إلى نماذج من الأشخاص المنغوليين داخل المجتمع المصري.
قد تكون مصادفة بحتة تلك التي حملت أدهم الصفتي وهديل نظمي وهما مخرجا فيلمي «قصتان» و «الآخرون يحبون بطريقتهم» على الاهتمام بالموضوع نفسه إلى درجة تخال معها أنهما كانا على اتفاق.
الفيلمان سالفا الذكر عرضا حديثا بصالة «الرواق للفنون التشكيلية» في إطار فعالية «أصوات نساء عربيات» التي تندرج ضمن فعاليات «ربيع الثقافة» التي قدّمت مجموعة من الأفلام التسجيلية من إنتاج شركة «سمات» المصرية للإنتاج.
من يشاهد فيلمي «قصتان» و «الآخرون يحبون بطريقتهم» لابد أن يقر بتشابه الرؤية الفنية أو الزاوية التي طرح من خلالها موضوع الأشخاص المتخلفين ذهنيا، ففي الوقت الذي يتحدّث فيه «قصتان» عن دينا جلال وهشام مشهور، يتكلم «الآخرون يحبون بطريقتهم» عن محمد الصاوي... ثلاثة من المرضى المنغوليين الذين تجاوزت سنهم الثلاثين أو قاربت، كيف يعيشون؟ ماذا يريدون؟ بأية طريقة يتعامل معهم أهلهم؟ هل لديهم أصدقاء؟ ماذا يفعلون كل يوم؟ هل يتكلمون؟ وكيف يتكلمون؟ وعن ماذا يتكلمون؟ مجموعة من الأسئلة يجيب عنها الفيلمان التسجيليان بطريقة الحوار مع المعنيين بالموضوع وأهاليهم... حوار يكشف الكثير من الحقائق عن هذه الفئة من المجتمع المصري.
في «قصتان» يقدم المخرج أدهم الصفتي حكاية دينا جلال، فتاة في أوائل الثلاثينيات من عمرها، وعلى رغم أنها فتاة معوقة ذهنيا فإنها فتاة موهوبة، فدينا تهوى العزف على البيانو، تحب الموسيقى وهي سبيلها الوحيد في الترويح عن نفسها. يقول والدا دينا أنهما اكتشفا ولع ابنتهما بالموسيقى في سن مبكرة وسعيا إلى تعليمها العزف على البيانو واستعانا في ذلك بمدرس موسيقى ساعدها على حفظ نوتات الكثير من الأغاني العربية، التي صارت دينا تتقنها وتتسلى بعزفها يوميا. على أن دينا لا تعشق الموسيقى فحسب، وإنما تهوى الرسم أيضا وتقوم فعلا برسم بعض اللوحات التي تعلقها في البيت وتفخر بها كثيرا.
الجميل في شخصية دينا أنها بالإضافة إلى موهبتها، فتاة اجتماعية الطباع، تضحك كثيرا وتمازح الجميع، لكن الأغرب أن دينا تستحضر دائما ذكريات من طفولتها، تتذكر تفاصيل صغيرة تثير فيها الرغبة في الضحك والحنين إلى تلك الأيام.
الحكاية الثانية في «قصتان» هي حكاية هشام مشهور، في أوائل الثلاثينيات من عمره، وعلى غرار دينا جلال، يتمتع هشام مشهور بموهبة التمثيل، وكانت مشاركته في فيلم «الساحر» إلى جانب الفنان محمود عبدالعزيز، خطوة مفصلية في حياته.
يروي والدا هشام تفاصيل هذه التجربة مؤكدين أنها منحته بالإضافة إلى الشهرة ومحبة الناس له، ثقة في نفسه وإيمانا بمواهبه وقدرته على أن يكون فاعلا داخل عائلته خصوصا، وأن يكون محور الحديث بين أفراد عائلته الموسعة، يمنحه إحساسا بأهميته وبوجوده.
أما الشخصية الثالثة وهي الشخصية التي يتحدث عنها فيلم «الآخرون يحبون بطريقتهم»، فهي شخصية محمد الصاوي، شاب في العشرينيات من عمره يعاني المرض ذاته، يحب الرسم وينعزل عن كل العالم، إذا ما استهواه منظر ما فينطلق في رسمه من دون مبالاة بالعالم المحيط به.
محمد الصاوي وعلى غرار دينا جلال وهشام مشهور، يلقى دعما متواصلا من عائلته، وخصوصا أخواته البنات اللاتي لا يقتصر دعمهن له على الاهتمام به وتلبية طلباته وإنما يتجاوزه إلى المتابعة الدقيقة التي كشفت لهن عن هواية الرسم لدى أخيهن، فعملن على مزيد تنميتها بالاعتماد على فنانة تشكيلية ساهمت في قيادته نحو الطريق التي تتفجر فيها طاقاته الإبداعية، الطريق التي يجد فيها محمد ذاته، ربما كما كان يريدها أو كما يتمنى أن يراه العالم عليها.
في النهاية ولئن كان الفيلمان قد نفذا بمعزل عن بعضهما بعضا، فإن فكرتهما واحدة وطريقة تناولهما للموضوع واحدة، إذ إن كليهما لم يتطرق إليه من أية زاوية علمية ولو من خلال التعريف بهذا المرض وطرق التعامل العلمية والطبية معه، كليهما اختار أن يبرزا هذه الشريحة التي تنتشر عبر العالم من زاوية إنسانية واجتماعية، من زاوية الخوض في عوالمها الخفية. ولو كان لنا أن نحاكم الفيلمين من حيث الأهداف التي توصلا إلى تحقيقها، فإننا لابد ان نقرّ بأن كلا من أدهم الصفتي وهديل نظمي، قد قدّم كلٌّ منهما صورة مغايرة لفئة المعوقين ذهنيا، فئة من المبدعين الذين وجدوا لأنفسهم متنفسا لذواتهم، التي قد تكون عصية على الفهم لدى الفئات السَّوية، لكنهم يبدون جدّ راضين عن أنفسهم، حتى ولو كانت نظرة الآخرين إليهم ترجعهم على الدوام إلى واقع أنهم مختلفون.
على أنه حري بنا الإشارة إلى أن السينما ولئن كانت تقترب من الواقع من خلال رؤى فنية مقاربة، تعكس هذا الواقع من دون أن تجازف بنقل تفاصيله وهويات شخوصه بوضوح، فإن الفيلم التسجيلي لا يلبس هذا الواقع ذلك الثوب الشفاف، بل على العكس تماما، كلما تعرّى الواقع زاد الفيلم التسجيلي قربا من الحقيقة، وذلك هو الهدف الأساسي.
ولكن، وعلى رغم ذلك، وخلافا للأفلام السينمائية لاتزال الأفلام التسجيلية تخطو خطواتها الأولى، إذ لا توجد تقاليد حقيقية في هذا المجال، بل أن أكثر التجارب التي تصلنا من هذه النوعية من الأفلام يقتصر على المبتدئين في مجال إخراج الأفلام والهواة.
لكن مع ذلك قد يكون انتشار القنوات التلفزيونية المتخصصة في عرض الأفلام الوثائقية والتسجيلية بارقة أمل للمهتمين بإنتاج هذا الصنف من الأفلام، علها تمنحهم مساحة أوفر وحضورا أكبر.
العدد 2036 - الأربعاء 02 أبريل 2008م الموافق 25 ربيع الاول 1429هـ