تحدث خطيب جامع عالي الكبير الشيخ ناصر العصفور في خطبته أمس (الجمعة) عن مسألة التوزان في شخصية المسلم في جوانبها كافة ومنها جانب الحياة العملية وفي دائرة الممارسات اليومية وضرورة أن يتعاطى الإنسان مع واقعه بحكمة ووعي من دون أن يطغى جانب العاطفة على العقل والتروي وبعد النظر في الوقت الذي لا يتغاضى فيه عن جانب الحق والدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال العصفور إننا في وضع متشابك اختلطت فيه المفاهيم والمواقف بحيث بات يصعب على الكثير من الناس تشخيص الواقع بشكل موضوعي وما ذلك إلا لكثرة القضايا المتشابكة والمعقدة والتي تحتاج إلى بحث جدي عن مواطن الخلل ودراسة أسباب المشكلات والأزمات عن طريق تحليها والبحث عن جذورها ومناشئها وضرورة أن يكون هناك إرداة جدية لمعالجة هذه المشكلات بصورة حقيقية، وإلا فإن أوضاعنا لا تبشر بخير ولا تبعث على الأمل.
كما تحدث العصفور عن يوم الغدير، وأشار إلى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب هو رائد الوحدة الإسلامية الأول، والذي عمل جهده في سبيل جمع الكلمة ووحدة الصف، ومواجهة الأخطار كافة التي كانت تهدد وضع الأمة والمسلمين، ورأى أن هناك خطرا واقعا بالمجتمع الإسلامي، وقال (ع): «فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد (ص)، وخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون به المصيبة عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي هي إنما متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين».
وأشار العصفور إلى دور علماء ومراجع الشيعة على مر العصور وجهودهم الكبيرة التي سجلها التاريخ في سبيل الوحدة الإسلامية، ففي الوقت الذي كان هؤلاء العلماء ينتصرون فيه للقضايا العقائدية المختلف عليها بين المسلمين، كانوا من أول الداعين لوحدة المسملمين ومن أول المبادرين إلى ما يوجب عزة المؤمنين، ولفت العصفور إلى أنه لا يوجد تعارض بين الانتصار إلى رأي محدد أو نظرية معينة عقائدية أو غيرها أو كانت محل اختلاف أو جدل بين المدارس الإسلامية وبين طرح وتبني القضايا الوحدوية التي تجمع المسملين، إذا كان الطرح بطريقة علمية وموضوعية، لأن هناك فرقا كبيرا بين الطرح العلمي والحوار الموضوعي وبين أسلوب الإثارة الذي يعتمد على تأجيج العواطف، وإثارة النفوس بالعداوات.
وقال العصفور إنه في الوقت الذي منيت فيه الأمة الإسلامية بحالة من التراجع والتخلف والتبعية في العصور الماضية برزت في ميدان العلم والعمل شخصيات علمية إصلاحية كالسيد جمال الدين الأفغاني والسيد شرف الدين العاملي والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وغيرهم من رواد الإصلاح الذين عملوا على مواجهة التحديات والصعوبات، إذ كانت البلدان الإسلامية آنذاك تعج بفتن الفرقة والاختلاف والتناحر وكان للقوى الاستعمارية وأذنابها الدور الأكبر في تأجيج هذه الصراعات المذهبية وإذكائها، مما حدا بهؤلاء الرواد أن يعملوا جهدهم ويبذلوا كل طاقاتهم في سبيل مواجهة هذه الأوضاع وقطع الطريق أمام هذه الأطماع.
وذكر العصفور نموذجا لذلك هو الدور الذي قام به المصلح الكبير الشيخ محمد حسين شرف الدين وجهوده الكبيرة في طريق الوحدة الإسلامية الجامعة، وعمله الدؤوب على نبذ الطائفية، وقد أسس دعوته على أساس المفهوم العقائدي عن طريق دراسة القضايا الخلافية والنظريات المذهبية بروح موضوعية أخوية بعيدة عن التعصب والمغالاة، وكان تأليفه لكتاب «الفصول المهمة في تأليف الأمة» في مقتبل شبابه وهو أول مؤلفاته يدل على اهتمامه البالغ بهذه القضية وموقعها في تفكيره وطريقة عمله، إذ كان لهذا الكتاب الأثر الكبير آنذاك، إذ بحث مواقع الخلاف بين السنة والشيعة على ضوء العقل والمنطق الاستنتاج والتحليل، وقد سافر إلى مصر والتقى بعلمائها وفي طليعتهم شيخ الأزهر في وقته الشيخ سليم البشري. حيث دارت بينهم محاورات ومراسلات دونت بعد ذلك في كتابه الشهير «المراجعات». وهذه المحاورات بين علمين بارزين في عصرهما تعطي نموذجا راقيا في الحوار المذهبي الأخوي الصادق ومدى الاحترام المتبادل كما عمل رحمة الله على رفع الحساسيات المذهبية في بلده لبنان مما أعطاه مكانة رفيعة حظي بها بين المسلمين وغيرهم.
وقال العصفور إن تلك الحقبة الزمنية وخصوصا بداية القرن الماضي بقدر ما بليت الأمة بإرهاصات ومشكلات جمة وأخطار مذلهمة برزت فيه شخصيات علمية إصلاحية تعتبر في هذا المضمار قمة، تلك الفترة كانت غنية وثرية من حيث ضخامة الأحداث والتطورات التي شهدتها، والمخاضات التي عاصرتها والواقع أنها فترة تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل، على رغم أنها حظيت بالتدوين والتسجيل ورصد لأحداثها بشكل مفصل إلا أنها لاتزال بحاجة إلى تسليط الضوء عليها بالدراسة والتحليل بشكل أكثر لأنها كما أشرنا هي حقبة مليئة بالدروس والعبر والمواقف الجديرة بالتأمل
العدد 2297 - الجمعة 19 ديسمبر 2008م الموافق 20 ذي الحجة 1429هـ